ديكتاتورية المثقف: مثقفو الاستدوال نموذجاً

 ديكتاتورية المثقف: مثقفو الاستدوال نموذجاً

د. عادل سماره

د. عادل سماره

ملاحظات محدودة على مقال د. غانية ملحيس يوم 27 تموز 2026

صحيح أن المواطن البسيط ينتقد الأنظمة بعفوية ناتجة عن الواقع المادي/المعيشي دون ان يفلسف الأمور أو كما قال الراحل د. عبد اللطيف عقل ” يتقعر باللغة” وأقصد أن من ينقد الساسة ليس المثقف فقط، بل أكثر، فالعامل أيضا ينتقد نفسه وليس تأففه من السلطة فقط.

بعد خروجنا من السجن للمرة الأولى لدى الاحتلال عام 1972وكيف شاهدنا الحال، قال العامل المرحوم جميل سماره:

تعرف لو الطبقة العاملة واعية لكان الوضع أفضل.

ثم تدارك وقال:

لكن أنا واعي ومش مغير في الوضع.

الحكمة أنه إنتقد نفسه.

لم تفعل هذا د. غانية ملحيس وهي من صقور أوسلو المبكرين أي من فريق الاستدوال قبل أن تستدول الأكثرية وبلا دولة بالطبع، حيث تولت إدارة معهد أبحاث السياسات الاقتصادية الفلسطيني (ماس) وهو من تمفصلات أوسلو، وبقيت ممن دافعوا عن هذا الاتفاق، الأمر الذي يستجر التساؤل: طالما تشخص وتنتقد ما آل إليه الوضع الفلسطيني، فلماذا لم تنتقد نفسها ودورها!

صحيح أنها طرحت كثيرا من الأفكار بما عنونته هي ” من اختطاف المجال العام إلى إعادة ترتيب الأولويات الوطنية مدخل نظري لفهم أزمات المشروع الوطني الفلسطيني”، وما أكثر من ينقدون الوضع الفلسطيني كما فعلت، أقل أو أكثر.

لكن مقالها الطويل لم يقل لنا: إما لا يوجد اليوم مشروعا وطنيا فلسطينيا أو هناك مشروع وطني لكل فصيل، طبقة، وحتى فرداَ. وهذه قمة الضياع، أو أن المشروع الوطني للتحرير جرى خصيه في مشروع الاستدوال وهنا الاستعصاء بما هو حمل لا يُنجب طبيعيا ولا (سيزيريان).

وهنا لن أدخل كثيراً في ما طرحته د. غانية، لكن لفتني أنها لن تعتذر قط عن كونها من بنية اتفاقات أوسلو التي اضاعت المشروع الوطني وبالتالي ليست د. ملحيس هي المخولة بإعادة لملمته ولا د. سلام فياض الذي كان وزيرا ثم رئيس وزراء.

إن إعادة لملمة “المشروع “هذا إذا كان هناك مشروعا وطنيا فلسطينيا كما يجب أن يكون عليه المشروع الوطني، هي محاذرة قبول أو اعتماد لملمته، وربما حتى نقده، ممن كانوا في صلبه!

ولكي لا ينفعل أي قارىء/ة، فإن كل ما عشناه منذ 1919 وحتى غدٍ كان حركة مقاومة وليس ثورة، ولذا لم تتكون جبهة وطنية بل فصائل متنافسة متناكفة وهذا سهَّل التدهور إلى الاستدوال والذي في اقصى ما يحلم به:”تقاسم الوطن مع العدو” كما هو أوسلو، ولذا، أعتقد أن نقد أوسلو هو مرتكز أساسي لأي تفكير تغييري إلى الأمام.

أي ناقد للحال الفلسطيني، وخاصة ممن شاركوا في أوسلو أو عملوا في بنيتها، يُباعد بينه وبين نقد غياب جبهة وطنية لا يقدم شيئا سوى، وهذا مثار تندُّر، أنه يكشف ان الكاتب ينقد الجميع إلا شخصه، وهذه مشكلة الثقافوية التي تنتهج الوعظ من برج فوق المجتمع، فوق الطبقات وفوق السياسة اليومية الحقيقية، وهذا يدفع لسؤالنا له: لمن تعزف!

وهنا اكتفي ببعض الاقتطاف:


تقول الكاتبة: “إعادة بناء المشروع الوطني الفلسطيني تقتضي استعادة التوازن في المجال العام، والانتقال من إدارة أعراض الأزمة إلى معالجة جذورها، من خلال مراجعة وطنية نقدية شاملة تعيد ترتيب الأولويات، وتربط بين إنتاج المعرفة وإنتاج الوعي، وتحول المخرجات الفكرية إلى أدوات تسهم في تجديد الرؤية الوطنية، وتعزيز قدرة المجتمع الفلسطيني على إعادة بناء مشروعه الوطني التحرري ومؤسساته على أسس أكثر تماسكا وفاعلية”.

نص تدبيجي محكم، ولكن: ما هو المشروع الوطني الذي تقصده ولم تذكره؟ لكن سياق المقال يؤكد بأنه الاستدوال القائم على القُطرية/الإقليمية الفلسطينية التي حتى جغرافيا تتآكل!

وسواء كان قصد الكاتبة هو استدوال أو التحرير، فإن الأجدر بها أن تنقد دورها في تخندقها في اوسلو أ بمساهمتها في إنشاء وتكريس الخلل! وكونها لم تنتقد نفسها فهي مثل عديد المثقفين الذين يريدوننا القبول بهم مهما قالوا وأين تخندقوا!

هؤلاء المثقفين الذين يريدوننا أن نقبل بهم في مختلف أدوارهم، وهذا تقليل من ذكاء المواطنين.

الاستدوال، نقيض عروبة فلسطين، أي وأد فلسطين، ولذا تفقد البلاغة التنظيرية للكاتبة معناها لأنها تجاهلت، وربما لا تُقر بأن القضية الفلسطينية هي عربية، وأن مصيرها عربي، سواء تدهور الوضع العربي أن ارتفع، وبالتالي الانغماس في الحالة الفلسطينية على ما وصلت إليه  كمن يقضي عمره في السباحة في بحر بلا ماء لن يعوم ولن يغتسل.

على الأقل، كان من المفترض أن يقول د. فياض ثم د. ملحيس، طالما نتحدث عن ما كتباه، بأن أوسلو كانت قمة طلاق فلسطيني للعمق العربي، وها هي الحال اليوم.

ولذا، فالعودة للخوض في المجال الفلسطيني بعيدا عن العمق العربي، هو إصرار على الخلل القاتل الذي حصل 1993، بغض النظر عن:

أولاً: تردي الوضع الرسمي العربي الذي شجع هذا التورط الفلسطيني، ومع ذلك كل الفلسطينيين يقيمون علاقات وطيدة مع الأنظمة العربية ولكن حسب اللحظة وبالقطعة، ولا يقيم أحداً اية علاقة تذكر مع قوى شعبية عربية مهما تواضع شأنها.

وثانيا: بغض النظر عن وجود مؤشرات اوسلوية فلسطينية منذ تأسيس م.ت.ف

وبكلام موجز: إن الوحدة العربية وتحرير فلسطين يشترطان بعضهما البعض. متى، هذا يعتمد على العزائم وليس البكاء بعد الهزائم.

ولذا، فالمشروع الوطني الفلسطيني اليوم باختصار هو ان نواصل التمسك بمختلف اشكال المقاومة ومغادرة مربعات التطبيع والمفاوضات والانتخابات فلسطينيا، والسلام خيار إستراتيجي، وورقة ملك السعودية وصولا إلى نزع كافة الأسلحة عربيا. …الخ. بل ليفاوض من يفاوض وليقاوم من يقاوم وعلى الأقل لتكن جبهة الثقافة خارج الحسابات اليومية والفئوية وحتى الطبقية أي لتبقى مع خطاب أن القضية ليست قطرية باي حال. وغير هذا هو ترقيع لثوب أوسلو البالي.

ملاحظة: ورد تعقيب على مقال د. ملحيس يدعو لاعتماد افكار الراحل إدوارد سعيد ضمن دليل عمل فلسطيني. وقد كتبت انا نفسي ليت سعيدا بقي في الأدب المقارن. صحيح أن سعيد نقد أوسلو ولكن من أرضية المفاوضات مع الكيان والاعتراف به وحتى إلقاء خطاب في الناصرة دعاية لعزمي بشاره حين ترشح للكنيست. وسعيد معجب بأدورنو الذي دافع عن العدوان الثلاثي ضد مصر 1956…وكتب: ” «لا يجرؤ أحد حتى على الإشارة إلى أن هذه الدول العربية اللصوص كانت تترصّد منذ سنوات فرصة للانقضاض على إسرائيل وذبح اليهود الذين وجدوا فيها ملاذًا». (انظر جفرييل روكهيل في الهيمنة والتحرر 2021 بالإنجليزية) ومع ذلك في لقاء مع الصحفي الصهيوني آرييه شافيت أبدى سعيداً أنه سعيد بأن يكن على نهج ثيودور أدورنو في عدم الايمان بالوطن!

شافيت لسعيد: تبدو يهوديا جدا

سعيد: “طبعا، انا آخر مثقف يهودي…انا الحواري الأخير لادورنو انا يهودي فلسطيني”(انظر عادل سماره اشتباك فكري مع تراث إدوارد سعيد، مجلة كنعان العدد 140، لعام 2010 ص ص 84-139.

أخيرا، اسوق هذا عن الراحل إدوارد سعيد من باب نقل الحقيقة للجيل القادم.

:::::

صفحة الكاتب على فيس بوك Adel Abdulhamid Samara 

Adel Abdulhamid Samara

Al Enteshar Newspaper

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *