ديانا بطو في الأمم المتحدة: لا مساءلة حقيقية في غزة من دون محاسبة تمتد إلى النكبة

 ديانا بطو في الأمم المتحدة: لا مساءلة حقيقية في غزة من دون محاسبة تمتد إلى النكبة

نيويورك – سعيد عريقات – 25/9/2026

تحليل إخباري

في اجتماع لمجموعة لاهاي في مقر الأمم المتحدة بنيويورك يوم الجمعة، طرحت المحامية والمحللة الفلسطينية ديانا بطو قضية تتجاوز الحرب في غزة إلى السؤال الأوسع المتعلق بمستقبل القانون الدولي نفسه: هل يمكن تحقيق العدالة في الجرائم المرتكبة خلال الحرب الحالية من دون العودة إلى عقود سابقة من الانتهاكات التي تقول إن الفلسطينيين حُرموا خلالها من العدالة والمساءلة؟

وشددت بطو على أن مساءلة إسرائيل، في حال المضي بها، لا ينبغي أن تبدأ في غزة مع الحرب الحالية، وإنما يجب أن تشمل، في تصورها، سلسلة طويلة من الانتهاكات التي تعود إلى النكبة عام 1948، مروراً بالاحتلال الذي بدأ عام 1967، والاستيطان والتهجير وممارسات أخرى محل نزاع قانوني وسياسي.

وجاءت مداخلتها في اجتماع عقدته مجموعة لاهاي، وهي مبادرة أنشئت عام 2025 للدفع باتجاه احترام القانون الدولي وتعزيز تنفيذ قرارات المحكمة الجنائية الدولية ومحكمة العدل الدولية. وتزامن الاجتماع مع تصاعد المخاوف من الضغوط الأميركية على المحكمة الجنائية الدولية، بعدما استهدفت العقوبات الأميركية قضاة ومسؤولين فيها، وسط تحذيرات من احتمال توسيع العقوبات لتطال المؤسسة نفسها.

غزة ليست بداية القصة

تكمن أهمية طرح بطو في رفضها التعامل مع غزة باعتبارها أزمة منفصلة بدأت في تشرين الأول 2023. ففي رؤيتها، لا يمكن فهم الحرب الحالية بمعزل عن التاريخ الطويل للصراع، ولا سيما ما يتعلق بالتهجير الفلسطيني عام 1948، واستمرار الاحتلال والاستيطان والحرمان من الحقوق السياسية والقانونية.

وهذا الطرح يضع مسألة العدالة أمام اختبار أكثر تعقيداً: فإذا كانت الجرائم الدولية لا تسقط لمجرد مرور الزمن، فإن المطالبة بالمساءلة لا يمكن أن تكون انتقائية بحسب الحدث الأكثر حداثة أو الأكثر حضوراً في وسائل الإعلام.

وقد سبق لبطو أن ربطت بصورة مباشرة بين غياب المحاسبة بعد النكبة واستمرار الأزمة الفلسطينية، معتبرة أن عدم معالجة جذور القضية سمح بتراكم الانتهاكات بدلاً من إنهائها. كما انتقدت في مناسبات سابقة الاكتفاء بالبيانات الدولية التي تطالب إسرائيل باتخاذ إجراءات من دون توفير آليات تنفيذية حقيقية.

“انتقائية” القانون الدولي

وكان المحور الأبرز في مداخلة بطو انتقادها لما وصفته بانتقائية تطبيق القانون الدولي. وقالت إن الخطر الأكبر على النظام القانوني الدولي لا يتمثل فقط في دولة ترفض علناً الالتزام بالقواعد، بل في أن تقرر عواصم قوية، بهدوء، أن هذه القواعد لا تنطبق على الجميع، وأن بعض الدول يمكن إعفاؤها لأنها حليفة أو شريكة أو صديقة.

وتكتسب هذه الكلمات أهمية خاصة في ظل المواجهة المتصاعدة بين إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب والمحكمة الجنائية الدولية. فقد اتهمت واشنطن المحكمة بتجاوز صلاحياتها ورفضت ما تعتبره مساساً بسيادة الدول، بينما حذرت دول مشاركة في اجتماع مجموعة لاهاي من أن العقوبات على المحكمة يمكن أن تقوض قدرتها على أداء وظيفتها بصورة مستقلة.

المحكمة الجنائية في قلب المواجهة

وتزامن اجتماع نيويورك مع تحذيرات من أن توسيع العقوبات الأميركية لتشمل المحكمة الجنائية نفسها قد يؤثر في المؤسسات والشركات التي تقدم لها خدمات مالية وتقنية وتأمينية، بما يهدد قدرتها العملية على العمل.

وقال وزير الخارجية الجنوب أفريقي رونالد لامولا، الرئيس المشارك لمجموعة لاهاي، إن معاقبة قضاة المحكمة ومسؤوليها بسبب قيامهم بواجباتهم يمكن أن تقوض استقلالها. كما دعا رئيس الوزراء الهولندي روب ييتن إلى حماية المحكمة، باعتبارها إحدى المؤسسات التي أنشئت لمواجهة الإفلات من العقاب.

وفي هذا السياق، لم تكن مداخلة بطو مجرد حديث عن فلسطين، بل جزءاً من نقاش أوسع حول مستقبل النظام القانوني الدولي، وما إذا كانت المؤسسات التي أنشئت لملاحقة أخطر الجرائم تستطيع العمل عندما تتعارض إجراءاتها مع مصالح دول قوية.

من النكبة إلى الاحتلال

لكن الإضافة الأكثر حساسية في طرح بطو تتمثل في توسيع دائرة المساءلة إلى ما قبل حرب غزة. فهي ترى أن الاقتصار على الأحداث الراهنة قد يؤدي إلى اختزال القضية الفلسطينية في الحرب الأخيرة، بدلاً من النظر إليها باعتبارها نتيجة لتاريخ طويل من النزوح والاحتلال والاستيطان.

ويعني هذا الطرح، من الناحية القانونية، ضرورة التمييز بين التقييم السياسي للتاريخ وبين تحديد المسؤولية الجنائية الفردية، إذ إن إثبات الجرائم والمسؤولية عنها يتطلب أدلة وإجراءات واختصاصاً قضائياً. إلا أن بطو تطرح سؤالاً سياسياً وقانونياً أوسع: لماذا تبدأ المساءلة عند نقطة معينة، بينما تُترك أحداث سابقة بلا معالجة؟

وقد ركزت بطو في تصريحات سابقة على أن الاستيطان في الضفة الغربية غير قانوني وفق القانون الدولي، ودعت إلى محاسبة المسؤولين عن أعمال العنف ضد الفلسطينيين، معتبرة أن استمرار الاحتلال يشكل جزءاً أساسياً من المشكلة.

اختبار مصداقية النظام الدولي

تكشف مداخلة بطو، في النهاية، عن معركة تتجاوز إسرائيل والفلسطينيين إلى سؤال يتعلق بمصداقية النظام الدولي نفسه. فإذا كان القانون الدولي عالمياً بالفعل، فإن تطبيقه ينبغي أن يعتمد على طبيعة الفعل والأدلة والاختصاص، لا على هوية الدولة أو قوتها أو تحالفاتها.

ولهذا اكتسب اجتماع مجموعة لاهاي أهمية خاصة. فالدول المشاركة لا تبحث فقط في كيفية التعامل مع حرب غزة، بل في كيفية حماية المؤسسات التي يفترض أن تكون قادرة على مساءلة مرتكبي أخطر الجرائم عندما تفشل الآليات الوطنية.

وبالنسبة إلى بطو، فإن العدالة التي تبدأ في غزة ولا تعود إلى جذور القضية ستظل، في نظرها، عدالة مبتورة. أما التحدي الأكبر أمام المجتمع الدولي فهو تحويل الحديث المتكرر عن “القانون الدولي” من شعار دبلوماسي إلى منظومة قابلة للتنفيذ على الجميع، من دون استثناءات سياسية.

غزة تختبر ما تبقى من القانون الدولي

تضع بطو المجتمع الدولي أمام معادلة صعبة: لا يمكن الحديث عن حماية القانون الدولي في الوقت الذي تُتهم فيه مؤسساته بالتطبيق الانتقائي. فالمشكلة، وفق هذا المنظور، ليست فقط في وقوع الانتهاكات، وإنما في تفاوت القدرة على مساءلة مرتكبيها. وإذا أصبحت التحالفات السياسية معياراً ضمنياً لتحديد من يخضع للقانون ومن يُستثنى منه، فإن المؤسسات الدولية تفقد جزءاً أساسياً من شرعيتها. لذلك فإن قضية غزة تحولت إلى اختبار عملي لمبدأ عالمية القانون، وليس مجرد نزاع إقليمي جديد.

النكبة تدخل مجدداً إلى معادلة المساءلة

أهمية طرح بطو حول النكبة أنه يعيد تعريف السؤال من “ماذا حدث في غزة؟” إلى “كيف وصلنا إلى غزة؟”. وهذا لا يعني تلقائياً أن كل حدث تاريخي يمثل جريمة قابلة للملاحقة القضائية اليوم، فلكل واقعة إطارها القانوني والأدلة المتعلقة بها. لكنه يعني أن تجاهل التاريخ قد يحجب جذور الأزمات الراهنة. ومن هذه الزاوية، تصبح المطالبة بالمساءلة منذ 1948 محاولة لفتح ملف أوسع يتعلق بالتهجير والاحتلال والاستيطان والحقوق الفلسطينية، بدلاً من حصر النقاش في الحرب الأخيرة وحدها.

المواجهة الحقيقية حول استقلال العدالة

ما يجعل اجتماع مجموعة لاهاي مهماً يتجاوز الموقف من إسرائيل إلى مستقبل المحكمة الجنائية الدولية نفسها. فإذا تمكنت قوة كبرى من إضعاف المحكمة عندما تحقق في قضايا تتعارض مع مصالحها أو مصالح حلفائها، فإن سابقة خطيرة قد تتشكل بالنسبة إلى النظام الدولي كله. وفي المقابل، فإن حماية المحكمة لا تعني افتراض إدانة مسبقة لأي متهم، بل ضمان أن التحقيق والملاحقة والمحاكمة تتم وفق قواعد قانونية مستقلة. وهنا تكمن المسألة الأساسية: هل تستطيع العدالة الدولية أن تبقى مستقلة عندما تصطدم بموازين القوة السياسية؟

Al Enteshar Newspaper

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *