تصاعد الجدل في واشنطن بعد نشر نائب جمهوري فيديو بالذكاء الاصطناعي يجسد “حروبًا صليبية”
واشنطن –سعيد عريقات-25/3/2026
أثار النائب الجمهوري عن ولاية تينيسي آندي أوغلز Andy Ogles موجة واسعة من الانتقادات بعد نشره مقطع فيديو مُولّدًا بتقنيات الذكاء الاصطناعي، يُظهره إلى جانب حلفاء للرئيس الأميركي دونالد ترمب في هيئة محاربين من العصور الوسطى، في مشهد يستحضر رمزية الحروب الصليبية.
الفيديو، الذي انتشر بسرعة على منصات التواصل الاجتماعي، تضمن تصويرًا دراميًا يُحاكي معارك دينية تاريخية، وأرفقه أوغلز برسالة تؤكد أن الولايات المتحدة “أمة تأسست على مبادئ مسيحية”. هذا الطرح أعاد إلى الواجهة جدلًا قديمًا في الأوساط السياسية والفكرية الأميركية حول طبيعة الهوية الدستورية للبلاد، وما إذا كانت ذات جذور دينية أم مدنية قائمة على الفصل بين الدين والدولة.
وأثار استخدام رمزية الحروب الصليبية تحديدًا انتقادات حادة من قبل منظمات حقوقية ودينية، اعتبرت أن هذا الخطاب يحمل دلالات إقصائية، وقد يُفهم على أنه موجه ضد المسلمين. ويأتي ذلك في سياق سجل سابق للنائب أوغلز، الذي وُجهت إليه اتهامات بإطلاق تصريحات وُصفت بأنها معادية للإسلام، ما زاد من حدة التفاعل مع الفيديو الأخير.
في المقابل، دافع مؤيدو أوغلز عن الخطوة، معتبرين أنها تندرج ضمن حرية التعبير السياسي، وأن الإشارة إلى “التراث المسيحي” للولايات المتحدة تعكس قناعة فكرية لدى شريحة من المحافظين. كما رأى بعضهم أن الانتقادات الموجهة للنائب تحمل طابعًا سياسيًا، وتندرج ضمن الاستقطاب الحاد بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي.
ويثير الحادث أيضًا تساؤلات أوسع حول استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي في الخطاب السياسي، خاصة مع تزايد قدرة هذه التقنيات على إنتاج محتوى بصري مؤثر قد يضخم الرسائل السياسية أو يعيد صياغتها بشكل رمزي قوي. ويحذر خبراء من أن هذا النوع من المحتوى قد يسهم في تعميق الانقسامات المجتمعية إذا لم يُستخدم بحذر ومسؤولية.
من جهتها، دعت منظمات مجتمع مدني إلى ضرورة التزام المسؤولين المنتخبين بخطاب جامع لا يُغذي التوترات الدينية أو الثقافية، مشددة على أن التنوع الديني في الولايات المتحدة يمثل أحد أعمدة قوتها، وليس مصدرًا للانقسام.
وتعكس هذه الواقعة تصاعد توظيف الرموز الدينية في الخطاب السياسي الأميركي، خاصة داخل التيار المحافظ الذي يسعى إلى إعادة تعريف الهوية الوطنية على أسس ثقافية ودينية. غير أن استحضار رمزية الحروب الصليبية يتجاوز مجرد التأكيد على الجذور الدينية، ليصل إلى استدعاء صراعات تاريخية ذات طابع دموي. هذا الاستخدام قد يعزز مشاعر الاستقطاب ويُشعر الأقليات الدينية بالتهميش، ما يهدد النسيج الاجتماعي ويقوض الخطاب التعددي الذي قامت عليه الولايات المتحدة.
ويثير استخدام الذكاء الاصطناعي في هذا السياق تساؤلات جوهرية حول أخلاقيات الاتصال السياسي في العصر الرقمي. فهذه التقنيات لا تقتصر على نقل الرسائل، بل تضخمها بصريًا وعاطفيًا، ما يزيد من تأثيرها على الجمهور. ومع غياب أطر تنظيمية واضحة، يصبح من السهل توظيف هذه الأدوات لإعادة إنتاج سرديات تاريخية بطريقة قد تكون مضللة أو منحازة، الأمر الذي يتطلب نقاشًا جادًا حول الضوابط والمعايير التي تحكم استخدامها في المجال العام.
وتكشف ردود الفعل المتباينة على الفيديو عمق الانقسام السياسي في الولايات المتحدة، حيث باتت القضايا المرتبطة بالدين والهوية جزءًا أساسيًا من الصراع الحزبي. ففي حين يرى البعض أن هذه الرسائل تعبر عن قناعات مشروعة، يعتبرها آخرون تهديدًا لقيم التعددية والمواطنة المتساوية. هذا التباين يعكس صعوبة التوصل إلى أرضية مشتركة في ظل تصاعد الخطاب الرمزي الحاد، ويطرح تساؤلات حول مستقبل التعايش في مجتمع متعدد الثقافات والأديان.
