ترمب يصعّد حربه على الهجرة ويدفع نحو “تجميد دائم” للهجرة من دول العالم الثالث

 ترمب يصعّد حربه على الهجرة ويدفع نحو “تجميد دائم” للهجرة من دول العالم الثالث

واشنطن – سعيد عريقات 

في خطوة تعكس تشديداً غير مسبوق في خطاب الهجرة داخل الولايات المتحدة، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، يوم الخميس، عزمه فرض “تجميد دائم” للهجرة من جميع “دول العالم الثالث”، وذلك غداة مقتل عنصر في الحرس الوطني في هجوم وقع بالقرب من البيت الأبيض. ورغم أن التحقيقات أشارت إلى أن المشتبه به دخل الولايات المتحدة ببرنامج إعادة توطين في عام 2021، فإن تصريحات ترمب تجاوزت الحادث لتتحول إلى منصة سياسية لإعادة صياغة كامل ملف الهجرة وفق رؤية أكثر تشدداً وحدّة.

ورغم اتساع مصطلح “دول العالم الثالث” وغموضه، لم يحدد ترمب أي دولة بعينها، كما لم يوضح ما يعنيه فعلياً بـ”تجميد دائم”. لكنه أكد أن القرار سيشمل أيضاً الملفات المعتمدة خلال إدارة الرئيس السابق جو بايدن ، مشيراً إلى نيته إلغاء ما وصفه بـ”ملايين الإدخالات غير القانونية” التي تمت ــ حسب زعمه ــ بأوامر بايدن، وحتى باستخدام توقيعه الآلي.

خطاب يتجاوز التحقيق ويعيد إنتاج أزمة الهجرة

جاءت تصريحات ترمب من خلال منشور على منصته ترووث سوشال Truth Social، حيث قال إنه سيعمل على “إزالة كل من لا يشكّل قيمة مضافة للولايات المتحدة”، ملوّحاً بإنهاء جميع الإعانات الفدرالية لغير المواطنين، و”سحب الجنسية” ممن يعتبرهم مهدّدين لـ”السلم الأهلي” أو “غير منسجمين مع الحضارة الغربية”. ورغم أن القانون الأميركي يضع شروطاً صارمة جداً لإسقاط الجنسية، بدا ترمب مستعداً لتوسيع معنى التهديد والانسجام الثقافي حتى يشمل نطاقاً واسعاً من المقيمين.

في هذه الأثناء، التزمت كل من وزارة الأمن الداخلي ودوائر الهجرة الصمت حيال إعلان ترمب. فيما أصدرت وكالات أممية، بينها مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين ومكتب حقوق الإنسان، بيانات تدعو واشنطن لاحترام التزاماتها الدولية ومنح طالبي اللجوء حق الإجراءات القانونية الواجبة، وفق ما ينص عليه اتفاق اللاجئين لعام 1951.

مراجعة جماعية لملفات اللجوء.. ووقف إجراءات الأفغان

وأكدت مصادر في وزارة الأمن الداخلي أن ترمب وجّه بإجراء مراجعة واسعة لملفات اللجوء المعتمدة خلال إدارة بايدن، إضافة إلى التدقيق في بطاقات الإقامة الدائمة الصادرة لمواطنين من 19 دولة. ويبرز التناقض في أن المشتبه بتنفيذ هجوم واشنطن، رحمن الله لاكانوال ، كان قد حصل على اللجوء هذا العام ضمن إجراءات إدارة ترمب نفسها، وليس ضمن برنامج بايدن.

ويعود ملف لاكانوال إلى برنامج إعادة توطين خاص أطلقته إدارة بايدن بعد الانسحاب الأميركي من أفغانستان عام 2021، والذي مكّن آلاف الأفغان من دخول الأراضي الأميركية لتجنّب الإجراءات الانتقامية تحت حكم طالبان. لكن ترمب وصف ذلك البرنامج بأنه “عملية إدخال غير مدروسة لمئات الآلاف”، معتبراً أنها شكّلت ثغرة أمنية جسيمة.

وفي تحرك إضافي، أوقفت دائرة خدمات الهجرة، يوم الأربعاء، كافة معاملات الهجرة المتعلقة بالأفغان إلى أجل غير مسمى، في خطوة فسّرها مراقبون بأنها بداية تطبيق عملي لنهج أشدّ صرامة.

نحو “هجرة معكوسة”: قلب المعادلة بدلاً من إصلاح النظام

ترمب أكد أنه لا يريد فقط وقف الهجرة الجديدة، بل تعزيز ما وصفه بـ”الهجرة المعكوسة”—أي زيادة وتيرة الترحيل لإعادة من يعتبرهم “سكاناً غير منتجين” أو “مزعجين”، على حد قوله. ويأتي ذلك في سياق مضي إدارته في معدلات ترحيل قياسية، شملت آلاف المقيمين منذ سنوات طويلة، بمن فيهم أشخاص بلا سجلات جنائية.

وتشير بيانات وكالة الهجرة والجمارك إلى أن أكثر من ثلثي الموقوفين حتى 15 تشرين الثاني لا يملكون سجلات جنائية، ما يعكس توسع حملة الترحيل لتشمل فئات لم تكن مستهدفة من قبل، ويعكس أيضاً انتقال سياسة الهجرة من مفهوم “الأمن” إلى مفهوم “إعادة هيكلة التركيبة السكانية”، وفق عدد من المحللين.

يعيد خطاب ترمب، مرة أخرى، ربط الهجرة بالأمن القومي بطريقة تمنح السلطة التنفيذية مساحة واسعة لسنّ سياسات متشددة يصعب الطعن فيها قضائياً. غير أنّ المقاربة الأمنية تتجاهل حقائق أساسية، منها أن منفّذي معظم الهجمات داخل الولايات المتحدة يحملون الجنسية الأميركية، وأن تشديد الهجرة بعد كل حادثة لم يثبت فعاليته في منع هجمات لاحقة.

وعلى المستوى السياسي، يستخدم ترمب الحادثة لتبرير مشروعه الأوسع: إعادة رسم حدود الانتماء الوطني وفق معايير ثقافية وأيديولوجية، لا أمنية فقط، بما يحوّل الهجرة من قضية إدارية إلى منصة لخطاب حاد على الهوية.

ويحمل مفهوم “التجميد الدائم” للهجرة من دول واسعة وغير محددة إشكاليات قانونية عميقة، إذ يصطدم بمبادئ دستورية أساسية تتعلق بالمساواة، وبالتزامات دولية تتعلق بحماية اللاجئين. كما أن استعمال تعبيرات مثل “غير منسجمين مع الحضارة الغربية” يفتح باباً واسعاً لتعريفات فضفاضة قد تُستخدم لاستهداف جماعات بعينها، بما يحوّل السياسة إلى أداة فرز ثقافي.

ومع أن فرص تطبيق هذا التجميد بالصيغة المعلنة تبقى موضع جدل قانوني، فإن مجرّد طرحه بشكل رسمي يعكس توجهاً نحو إعادة تعريف هوية الدولة الأميركية ودورها الدولي، من دولة استيعاب مهاجرين إلى دولة إقصاء وانتقاء

Al Enteshar Newspaper

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *