تحوّل ترامب الى تشديد الحصار الاقتصادي على ايران اول اعتراف بفشل الخيار العسكري.. لماذا نتوقع فشله أيضا؟ وما هي المفاجآت العسكرية الموازية التي يعدها الحرس الثوري وقد تكون صاعقة؟
عبد الباري عطوان
عبد الباري عطوان
عندما يلجأ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الى استخدام سلاح الحصار والعقوبات الاقتصادية ضد ايران، بغض النظر عن كونها الاضخم او الأصغر في التاريخ، فهذا يعني ان الخيار العسكري الذي لجأ اليه طوال الأشهر الستة الأخيرة فشل في تحقيق الأهداف المرجوة من هذه الحرب، أي استسلام ايران لكل الشروط والمطالب الامريكية، وما حدث هو العكس تماما حتى الآن على الأقل.
ترامب أعماه الغرور والغباء والمعلومات الإسرائيلية المضللة والمسمومة عن رؤية قدرات الخصم الإيراني السياسية والعسكرية، وقوة نظامه، وضخامة الالتفاف الشعبي حوله، والأهم من ذلك كله الإدارة المتميزة للحرب، واستخدام أوراق القوة العسكرية والسياسية والدبلوماسية ببراعة وذكاء وتنسيق غير مسبوق.
ترامب يلفظ أنفاسه الأخيرة وصارع من اجل البقاء، ومحاولة تحقيق أي “نصر” يوفر له طوق النجاة، ولكن فرص خروجه من الهزة العميقة جدا التي جره اليها حلفاءه الإسرائيليين تبدو صعبة جدا، ان لم تكن مستحيلة.
مثلما فشل الخيار العسكري الأمريكي في تحقيق أي من أهدافه، رغم ضخامته، سيفشل الحصار الاقتصادي أيضا وربما بشكل اكبر، لان ايران قارة، مساحتها ما يقارب من مليوني كيلومتر مربع، واراضيها خصبة، وشعبها الذي يزيد تعداده عن 95 مليون نسمة لن يجوع مطلقا، لانه يأكل ما يزرع، وانتاجه الصناعي الذاتي يحقق كل طلباته واحتياجاته، مضافا الى ذلك انه محاط بدول وشعوب إسلامية صديقة.
الخيار العسكري يعني حسم الحرب بسرعة، والحصار الاقتصادي يطيل امدها، ويجعل حصد ثماره في قمة الصعوبة، فهل يملك ترامب وادارته الوقت الكافي لجني هذه الثمار غير المضمونة خاصة انه على بعد ثلاثة أشهر من الانتخابات النصفية، وعدم ظهور أي نوايا لدى حلفائه في الغرب، او الشرق للمشاركة في هذا الحصار خوفا من العواقب.
الصين اكدت على لسان رئيسها انها لن تلبي طلب ترامب في حصار ايران الدولة الحليفة لها، والشيء نفسه يقال عن روسيا، وحتى معظم دول الخليج الحليفة لأمريكا لن تغامر بأمنها واستقرارها ووجودها رضوخا لضغوط الرئيس الأمريكي بعد ان خذلها عسكريا، ولم يوفر لها، او لقواعدها الباهظة التكاليف المادية والسياسية الحماية من الصواريخ والمسيّرات الإيرانية، ولعل تحالف مكة الثلاثي السعودي التركي الباكستاني الذي جرى طبخه على عجل هو احد الأدلة التي تؤكد ما نقول.
اذا كان ترامب لم يستبعد العودة للخيار العسكري الفاشل الذي دمر هيبة أمريكا كدولة عظمى، وتفوق سلاحها وقدراتها العسكرية، فان ايران تستعد بشكل جيد له، وقد تكون البادئة باللجوء اليه، وتصريحات قادتها تؤكد هذه الحقيقة، فاللواء احمد وحيدي قائد الحرس الثوري الإيراني اكد اليوم “مواصلة بلده واذرعتها الضاربة، تعزيز انتاج الصناعات الدفاعية والهجومية على الصعد كافة لرفع مستويات الجاهزية العسكرية”، اما اللواء علي عبد اللهي رئيس هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة الإيرانية فقد حذر أمريكا ورئيسيها “من ان أي خطأ في الحساب من قبل الأعداء فسيواجه بردود ثورية ساحقة ورادعة ومدمرة”، اما حسن الختام فجاء على لسان الجنرال حسين محبي الناطق باسم الحرس الثوري الذي “بشر” الأعداء “بأن هناك مفاجآت كبيرة في الطريق سيتم الكشف عنها في المواجهات العسكرية القادمة، سواء في حجم وفاعلية الرؤوس الحربية للصواريخ، ومداها، ودقة اصاباتها”.
علمتنا تجارب الصمود الإيراني والتصدي للعدوانات الامريكية الإسرائيلية المستمرة منذ عدة أعوام، وليس الأشهر الستة الأخيرة فقط، ان الإيرانيين اذا قالوا فعلوا، واوجعوا، وأذلوا، وأدبوا، والأيام المقبلة لن تؤكد هذه الحقيقة فقط، بل ستعززها بانتصارات جديدة.. والأيام بيننا.
