بين الحكم والمقاومة خطان بيانيان عشية التفاوض – نقاط على الحروف
ناصر قنديل
بين الحكم والمقاومة خطان بيانيان عشية التفاوض
نقاط على الحروف
ناصر قنديل
عندما أطلق رئيس الجمهورية في ما وصفه بمبادرة الدعوة لمفاوضات مباشرة مع اسرائيل برعاية أميركية، واضعا لها شروط ترتبط بتنفيذ موجبات اسرائيل في اتفاق وقف اطلاق النار، تجاهل الأميركيون والإسرائيليون المبادرة شهورا، حتى جاءت الحرب على إيران ومفاوضات وقف النار فيها بين واشنطن وطهران و اشتراط إيران لوقف الحرب في لبنان، استفاق الأميركيون والإسرائيليون على الدعوة، ولم يكن مجرد صدفة توجيه الدعوة للقاء السفيرين اللبناني والاسرائيلي في واشنطن أول مرة بالتزامن مع مسار الإعلان عن وقف النار في الحرب على ايران، ولا إن كان عاديا أن يبادر الرئيس الأميركي دونالد ترامب الى ترؤس الاجتماع الثاني رغم أنه على مستوى السفراء، للسعي الى تقديم تبريد جبهة لبنان في مسار منفصل عن مسار التفاوض مع إيران، واستثمار الطلاق الذي قامت به السلطة اللبناني مع المقاومة من جهة، وسعيها إلى فصل لبنان عن مسار إسلام آباد تحت شعار استعادة قرار التفاوض.
عشية الجولة الجديدة من التفاوض في واشنطن، التي يفترض انها رسميا الجولة الأولى، حيث يترأس الجانب اللبناني السفير السابق سيمون كرم، حيث تواجه السلطة تبعات مسار منهك ومتعب ومليء بالتراجعات والخيبات، وقد كان الرهان الرئاسي والحكومي يقوم الاعتقاد بأن التلاقي مع الأميركي والاسرائيلي على ثنائية الفصل من مسار طهران، والعداء للمقاومة، سوف يلاقي مكافأة أميركية اسرائيلية للحكم في لبنان تتمثل بتلبية الحد الأدنى من الطلبات المتمثل بوقف إطلاق النار، لأن ما يمكن أن يُعطى لإيران عبر وسطاء كإسلام آباد أو عُمان، سيكون من الأفضل إعطاؤه للحكم اللبناني مباشرة عبر واشنطن، مقابل انتقال لبنان إلى مسار تفاوضي مباشر، خصوصا ان السلطة خفضت سقفها عدة مرات، من طلب وقف النار والانسحاب وعودة المهجرين واستعادة الأسرى وإعادة الإعمار، الى الاكتفاء بوقف النار وتحقيق الانسحاب، وصولا للاكتفاء بوقف النار.
المحطة المفصلية جاءت مع أول جلسة تفاوض في واشنطن. يومها صدر بيان الخارجية الأميركية متضمناً العبارة الأخطر سياسياًليقول، “يؤكد لبنان وإسرائيل أن البلدين ليسا في حالة حرب ويلتزمان بالانخراط في مفاوضات مباشرة بحسن نية…” …“بهدف التوصل إلى اتفاق شامل يضمن الأمن والاستقرار والسلام الدائم بين البلدين.”، بهذه الصياغة، بدا أن واشنطن انتزعت من لبنان انتقالاً سياسياً كبيراً إلى لغة “العلاقات بين دولتين” و”السلام الدائم”، من دون أن يتضمن البيان اشارة الى ان انسحاباً إسرائيلياً سوف يتحقق، أو وقفاً دائماً للغارات،أو إنهاءً للاحتلال.
ثم جاء البيان الأميركي الثاني ليكشف بصورة أوضح طبيعة المقاربة الأميركية. فقد نصّ على أن “تحتفظ إسرائيل بحق التصرف دفاعاً عن النفس ضد التهديدات الوشيكة أو القائمة…” …“الاتفاق يضمن حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها.”وهكذا ظهر الخلل في المسار التفاوضي: لبنان دخل التفاوض طلباً لوقف الحرب، بينما دخلته إسرائيل مع احتفاظها بشرعية مواصلة الحرب تحت عنوان “الدفاع عن النفس” و”التهديد المحتمل”.
هنا بدأ التناقض الكبير يظهر بوضوح. الحكم اللبناني كان يعتقد أن دخوله واشنطن سيجلب ضغطاً أميركياً على إسرائيل، لكن واشنطن ركزت على حصرية السلاح، ودور الدولة، و”حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها”.وإسرائيل بدورها قرأت المشهد بطريقة أكثر خشونة. فهي لاحظت أن الحكم اللبناني الاحتماء بوجه المقاومة بقدرة إنجاز وقف الحرب، ويحتاج الغطاء الأميركي، وقد تراجعت سقوفه تحت ضغط استمرار الغارات وصولاً إلى العاصمة.واستنتجت أن الضغط العسكري هو الذي يدفعه إلى التفاوض، وأن المزيد من الضغط قد يدفعه إلى تنازلات إضافية. ولهذا لم تتوقف الغارات أثناء التفاوض، بل استمرت الاغتيالات والتوغلات والتجريف، فيما كانت إسرائيل ترفع سقفها من إبعاد حزب الله عن الحدود، إلى ترتيبات أمنية طويلة الأمد ثم حديث عن “سلام دائم”.
عشية جلسة التفاوض تحولت السلطة الى رهينة البحث عن انجاز بأي ثمن، فيما واشنطن تدعم اسرائيل بلا شروط لامتصاص كل ما تمثله السلطة وتوظيفه في آلة الحرب الإسرائيلية على لبنان والمقاومة، بينما لا تطلب من الحكم في سورية فعل ما تطلبه من الحكم في لبنان، وتتفهم عدم قبوله بالحديث عن اتفاق سلام في ظل ظروفه الراهنة، بينما يحرج الرئيس الميركي الرئيس اللبناني بالحديث علنا عن اللقاء الثاني بين الرئيس اللبناني ورئيس حكومة الاحتلال، فيما سعى لتجنيب رئيس سورية الانتقالي اي احراج مثله.
في المقابل، كانت المقاومة تفرض معادلة مختلفة تماماً. فكلما توسعت الحرب ضدها، توسعت قدرتها على التكيّف والاستنزاف. وكلما ارتفع الضغط على الحكم اللبناني، ارتفعت صورة المقاومة كقوة قادرة على منع الحسم وإدخال الاحتلال في مأزق ميداني متصاعد. وفي الأسابيع الأولى من المواجهة أظهرت المقاومة صورة معاكسة للصورة التي كان الأميركي والاسرائيلي وكثير من اللبنانيين قد رسموها في الإعلام عن المقاومة الضعيفة والعاجزة، وبنوا أوهاما حول تلقيها الضربة القاضية مع دخول الحرب تماماً. و بدلاً من الاكتفاء بردود رمزية، دخلت المقاومة الحرب بإيقاع تصاعدي، صواريخ يومية وصلت إلى تل أبيب، مسيّرات هجومية بتقنيات حديثة، عمليات ضد القوات البرية داخل الجنوب، واستهداف متواصل لمواقع الاحتلال وتحركاته.
مع اتساع العمليات، بدأ الخطاب الإسرائيلي نفسه يتغير. فبعدما كان الحديث في البداية عن “إزالة تهديد الجليل”، ظهرت اعترافات إسرائيلية بأن التهديد لا يزال قائماً. محللون وقادة عسكريون سابقون على القنوات العبرية تساءلوا علناً:“إذا كانت بلدات الشمال ما زالت تتعرض للصواريخ، فهل تحقق فعلاً الوعد بإزالة التهديد عنها؟” ثم جاءت حرب المسيّرات لتشكل نقطة التحول الكبرى. حيث تحدثت صحيفة واشنطن بوست عن استخدام حزب الله لمسيّرات تعتمد الألياف الضوئية وغير قابلة للتشويش، فيما أقرت يديعوت أحرونوت بإصابة أكثر من مئة جندي وجندية بمسيّرات انتحارية خلال يومين. أما جيروزاليم بوست فنقلت أن الجيش الإسرائيلي اضطر إلى تشكيل فرق متخصصة بصورة عاجلة لمواجهة هذا النوع من التهديدات، وقالت امس ان هجوما بأسراب من المسيرات شكل تحديا هو الأول من نوعه في تاريخ مواجهات حزب الله مع جيش الاحتلال.
بدأ خط المقاومة يرتفع ليس فقط عسكرياً، بل سياسياً أيضاً. لأن إسرائيل التي دخلت الحرب على قاعدة إنشاء منطقة عازلة جنوب الليطاني، وجدت نفسها أمام مأزق مزدوج، حيث البقاء داخل الجنوب يعني استنزافاً يومياً للقوات، والانسحاب يعني الاعتراف بفشل هدف “إزالة التهديد”، ومع كل جولة تفاوض في واشنطن، كانت المقاومة تحاول أن تقول إن الميدان هو الذي يحدد السياسة، لا العكس. فبينما كان الحكم اللبناني ينتقل تدريجياً، من شرط الانسحاب قبل التفاوض، إلى التفاوض للوصول إلى الانسحاب، كانت المقاومة تنتقل من صورة “القوة المهشمة والمهمشة”، إلى صورة “القوة التي تمنع السيطرة وتفرض مأزق الاحتلال”.ولهذا بدأت إسرائيل تنظر إلى التناقض بين الحكم والمقاومة بوصفه فرصة. فهي أدركت أن الحكم يحتاج وقف الحرب، ويخشى استمرار الغارات، ويطلب الغطاء الأميركي، ومن هنا جاءت القراءة الإسرائيلية بأن الضغط العسكري الذي قد لا يضعف المقاومة، قد يدفع الحكم اللبناني نفسه إلى مزيد من المرونة السياسية والأمنية.
بالمقابل يبدو أن استمرار الحرب أنتج نتيجة معاكسة جزئياً. فكلما توسعت الغارات والاغتيالات والتوغلات، ازدادت صورة المقاومة كقوة قادرة على الصمود، والتكيّف، واستنزاف الاحتلال. وهكذا، عشية التفاوض، لم تعد المقاومة تبدو كما صُوّرت في بداية العام: قوة محاصرة تبحث عن مخرج، بل هي اليوم قوة فرضت نفسها رقماً ثابتاً في أي معادلة مقبلة، فيما بدا الحكم اللبناني أكثر حاجة إلى نتائج سياسية عاجلة لإثبات جدوى الرهان على واشنطن.
