الكشف عن مخطط إسرائيلي لعزل غزة حقوقياً: إلغاء تسجيل 37 منظمة دولية ومنع الشهود الأجانب
تواصل حكومة الاحتلال الإسرائيلي فرض قيود مشددة على عمل المنظمات الإنسانية الدولية في قطاع غزة والضفة الغربية، عبر استراتيجية تهدف إلى عزل الأراضي المحتلة عن الرقابة الدولية. وتأتي هذه التحركات في سياق منع دخول الشخصيات الأجنبية التي تنتقد السياسات الإسرائيلية، لضمان عدم وجود شهود محايدين ينقلون حقيقة الأوضاع الميدانية والانتهاكات المرتكبة بحق الفلسطينيين إلى المجتمع الدولي.
وكشفت الناشطة الحقوقية لي كاسبي، من جمعية أطباء من أجل حقوق الإنسان، عن صدور قرار رسمي بإلغاء تسجيل 37 منظمة دولية تقدم مساعدات حيوية وتدير مشاريع تنموية في الأراضي الفلسطينية. وأوضحت أن هذا القرار اتخذته لجنة وزارية مشتركة استُحدثت العام الماضي برئاسة وزارة شؤون الشتات، وذلك في أعقاب تعديلات قانونية استهدفت شروط الدخول والإقامة للأجانب.
وتفرض الإجراءات الجديدة على المنظمات الدولية ضرورة إعادة التسجيل وفق معايير أمنية معقدة، تشمل مراجعة شاملة لبياناتها العامة وتقديم معلومات شخصية تفصيلية عن جميع موظفيها الفلسطينيين. ويرى مراقبون أن هذه الشروط تضع العاملين في المجال الإغاثي تحت مقصلة الملاحقة الأمنية المباشرة، مما يهدد استمرارية العمل الإنساني في المناطق المتضررة.
وتشير المعطيات إلى أن هذا التضييق يأتي بعد خسائر فادحة في الكوادر الإنسانية، حيث قُتل نحو 1700 من العاملين في المجالات الطبية والإغاثية خلال العدوان الأخير على قطاع غزة. وحاولت منظمات كبرى مثل ‘أطباء بلا حدود’ التوصل إلى تفاهمات تضمن استخدام بيانات موظفيها لأغراض إدارية فقط، إلا أن اللجنة الوزارية الإسرائيلية رفضت التعاون مع هذه المطالب.
وتتجلى خطورة إلغاء التسجيل في منع دخول الكوادر الأجنبية المتخصصة، مما يؤدي إلى شلل في تقديم الخدمات الطبية والاجتماعية الأساسية في غزة والضفة. وتؤكد الأرقام أن منظمة ‘أطباء بلا حدود’ وحدها قدمت نحو 800 ألف استشارة طبية في غزة خلال عام 2025، كما أشرفت على ثلث عمليات الولادة في القطاع، مما يجعل غيابها كارثة صحية محققة.
وفي سياق متصل، طال القرار منظمة ‘أنقذوا الأطفال’ التي قدمت خدمات إغاثية لأكثر من 812 ألف طفل فلسطيني منذ أكتوبر 2023، شملت توفير مستلزمات المواليد الجدد والاحتياجات الصحية الأساسية. إن حرمان هذه المنظمات من صفتها القانونية يعني توقف تدفق المساعدات العينية والمالية التي يعتمد عليها مئات الآلاف من النازحين والجرحى.
وبدأت سلطات الهجرة الإسرائيلية بالفعل في تنفيذ سياسة المنع المسبق، حيث حظرت دخول ممثلي أربع منظمات دولية تدعم مؤسسات حقوقية محلية تنشط في فضح انتهاكات الاحتلال. ويأتي هذا التحرك لقطع الطريق أمام أي تعاون بين المنظمات غير الحكومية الإسرائيلية المناهضة للاحتلال والجهات المانحة أو الرقابية الدولية.
وقد جاهر وزير شؤون الشتات، عميحاي شكلي، بهذه السياسة عبر منصات التواصل الاجتماعي، متباهياً بمنع وفد منظمة ‘شهود عيان فلسطين’ من الدخول. وأكد شكلي وجود توجيهات واضحة لمنع أي ممثل لمنظمة دولية تتبنى مواقف تُصنفها إسرائيل على أنها ‘معادية’، في خطوة تكرس سياسة تكميم الأفواه الدولية.
ولا تقتصر الملاحقة على المنظمات الإغاثية، بل تمتد لتشمل الأكاديميين والمقررين الخاصين للأمم المتحدة، حيث يتم تفعيل تعديلات قانونية تعود لعام 2017 تسمح بمنع دخول كل من يدعو للمقاطعة. وقد استُخدمت هذه القوانين سابقاً لترحيل عمر شاكر، مدير قسم فلسطين وإسرائيل في هيومن رايتس ووتش، في إطار حملة شاملة ضد المدافعين عن حقوق الإنسان.
وعلى الصعيد الإعلامي، تفرض إسرائيل تعتيماً مطبقاً عبر ‘قانون الجزيرة’ الذي أُقر في عام 2024، والذي يمنح السلطات صلاحية إغلاق المكاتب الصحفية ومنع البث. كما يُمنع الصحفيون الأجانب من دخول قطاع غزة بشكل مستقل، ويُجبرون على الانخراط في جولات عسكرية محدودة تحت إشراف جيش الاحتلال لضمان توجيه الرواية الإعلامية.
ويهدف هذا التعتيم الممنهج إلى حصر الرواية فيما ينقله الضحايا الفلسطينيون فقط، والذين يواجهون ظروفاً قاسية من الجوع والنزوح تضعف قدرتهم على التواصل مع العالم. وبموازاة ذلك، تواصل إسرائيل تصنيف منظمات حقوقية فلسطينية عريقة كمنظمات ‘إرهابية’، رغم تأكيدات استخباراتية دولية بعدم وجود أدلة تسند هذه الادعاءات.
وتواجه المنظمات الحقوقية المتبقية داخل الأراضي المحتلة ضغوطاً مالية هائلة، حيث بدأ ‘مسجل المنظمات’ بفتح تحقيقات إدارية ومالية مجهولة الأسباب ضدها. وتتزامن هذه التحقيقات مع مقترحات قوانين تسعى لفرض ضرائب باهظة على التبرعات الخارجية، بهدف تجفيف المنابع المالية التي تضمن استمرار نشاط هذه الجمعيات.
إن هذه الإجراءات المتسارعة تشير إلى رغبة إسرائيلية في تصفية الوجود الحقوقي الدولي والمحلي في فلسطين، وتحويل القطاع والضفة إلى مناطق مغلقة بعيدة عن المساءلة القانونية. ويرى خبراء أن غياب الشهود الدوليين سيمنح سلطات الاحتلال ضوءاً أخضر لتصعيد عمليات القمع والتهجير دون خشية من الملاحقة الجنائية الدولية.
وفي الختام، يبرز القلق من أن تكون المنظمات المناهضة للاحتلال هي الضحية القادمة في قائمة الاستهداف الإسرائيلي، في ظل نظام مصرفي وقانوني يضيق الخناق عليها باستمرار. إن الوقت المتبقي لإنقاذ ما تبقى من بنية العمل الإنساني والحقوقي يتلاشى، مما يتطلب تدخلاً دولياً عاجلاً لوقف هذه السياسات الانتقامية.
