العملات الرقمية وقت الحروب… مع انهيار البنوك وتقلّب أسعار العملات المحلية للدول وأسعار الذهب… هل تلمع أم تُصبح خطرًا؟!

 العملات الرقمية وقت الحروب… مع انهيار البنوك وتقلّب أسعار العملات المحلية للدول وأسعار الذهب… هل تلمع أم تُصبح خطرًا؟!


يشهد العالم في الوقت الحالي حالة من الاشتعال حروب في دول عديدة ، لا تقتصر خسائرها على الأرواح أو الجغرافيا ، بل تمتد لتزعزع الأنظمة الاقتصادية حيث كم من بعد قرار أو خبر كاذب.. تنهار عملات.. وبنوك تفقد ثقة عملائها وأسواق تعيد تسعير كل شيء.. ويتجه المستثمرون نحو الذهب باعتباره الملاذ الآمن.. لكن في وسط هذه الفوضى أين تقع العملات الرقمية؟!
ولفهم موقع العملات الرقمية في زمن الحروب لابد من الإطلاع على سلوكها السعري قبل اندلاع النزاعات وبعدها ، حيث أن هذه العملات لا تتحرك بمعزل عن الصدمات الجيوسياسية بل تتفاعل معها بشكل فوري وحاد ،ومن هنا قد تكشف الأرقام عن طبيعة هذا السوق.
ومن هنا نذكر أن مع بداية التصعيد العسكري بين الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران شهد سوق العملات الرقمية اضطرابات انعكست بصورة واضحة بأسعار الأصول الرقمية مثل البيتكوين والإيثريوم.

حيث مع وقوع أولى الضربات الأمريكية الإسرائيلية على أهداف داخل إيران في أواخر فبراير 2026 هبط سعر البيتكوين بشكل حاد في غضون ساعات إلى نحو 63 ألف دولار في المقابل موجة بيع سريع انعكست على باقي العملات الرقمية.
بعد ذلك شهد السوق حالة من التذبذب الحاد حيث ارتد البيتكوين واستعادت مستويات أكثر من 71 ألف دولار عند بعض نقاط التعافي نتيحة لبعض من الأخبار التي كانت توحي بتهدئة النزاع وتأجيل العمليات العسكرية.
والآن مع استمرار الحرب منذ أسابيع بقي سعر البيتكوين متقلباً بين 66 ألف دولار و69 ألف دولار ، أما الإيثيريوم فقط تأثر بالموجة نفسها لكنها حافظ على مستويات تداول أعلى من 2,000 دولار في ظل ارتفاع الطلب على الأصول الرقمية الأكبر في السوق.
ومع هذه التغيرات في السوق وبعض القيود المصرفية في ظل التوترات الإقليمية هل يمكن للعملات الرقمية أن تكون الحل؟
حيث في وسط هذا التصعيد العسكري وجد رجل أعمال نفسه غير قادر على استقبال أو تحويل أمواله عبر البنوك وسط قيود صارمة ورسوم مرتفعة وتأخيرات لاتحتمل ، فتذكرالعملات الرقمية مثل البيتكوين والإيثريوم التي تسمح بالتحويل السريع والوصول إلى الأموال دون القيود المصرفية ولكنه تردد لأنه تذكر أن تقلب الأسعار والمخاطر الأمنية قد تؤثر على مدخراته بشكل كبير.
هل يمكن للعملات الرقمية تجاوز العقوبات الدولية؟
في كثير من الدراسات والتقارير الاقتصادية تشير إلى أن في السنوات الأخيرة الكثير من الدول لجأت إلى استخدام العملات الرقمية وخصوصاً المستقرة كوسيلة لتحويل الأموال خارج النظام المصرفي التقليدي ، مما يجعل من الصعب على العقوبات أن تقيد حركة الأموال بنفس القوة التي تفرضها عبر البنوك التقليدية، حيث هذه الخاصية تجعلها أداة جذابة في الحالات التي تسعى فيها بعض الحكومات أو الشركات لتجاوز هذه العقوبات، رغم أن ذلك يثير قلق الجهات التنظيمية حول التهرب المالي وغسيل الأموال ومن بين هذه الدول روسيا وإيران استخدمت هذه العملات لتجاوز القيود المالية والالتفاف على نظام “سويفت.” (SWIFT) العالمي.
على سبيل المثال أشارت بعض التقارير الصحفية إلى أن روسيا لجأت إلى استخدام العملات الرقمية في تعاملاتها التجارية والدولية وتسهيل المدفوعات عبر الحدود ، وذلك بهدف تخفيف تأثير العقوبات الاقتصادية الغربية خاصة في الصفقات النفطية مع دول مثل الصين والهند. وأيضاً وفقاً لوكالة رويترز شرعت بعض الشركات الروسية استخدام البيتكوين والعملات المستقرة في مخطط لتحويل العملات الأجنبية إلى الروبل لتقليل الاعتماد على النظام المصرفي التقليدي الخاضع للعقوبات.
وأن إيران قامت بتطوير أنظمة تمويل قائمة على العملات المشفرة لدعم أنشطتها الاقتصادية والعسكرية، ويُقدّر إجمالي حجم المعاملات الرقمية المرتبطة بها بنحو 7.8 مليار دولار، ما يعكس الاعتماد المتزايد على الأصول الرقمية لتجاوز القيود المالية التقليدية والعقوبات الدولية.
وعلى الرغم أن العملات الرقمية توفر وسيلة لتجاوز العقوبات الدولية وإجراء المدفوعات خارج النظام المصرفي التقليدي فإن فعاليتها تعتمد بشكل أساسي على البينة التحتية الرقمية ، أي توفر الإنترنت والكهرباء باستمرار وأيضاً أمان المنصات مثل Binance من دون هذه الأساسيات، تصبح العملات الرقمية عرضة للانقطاع أو الاختراق، مما يضعف دورها كأداة بديلة وبهذا تبقى العملات الرقمية ليست حلاً سحرياً، نظرًا لإمكانية تتبعها، ومصادرة الأصول، وتقلباتها السعرية العالية.
وهناك أمثلة حقيقية على مر السنوات الماضية حدثت أثبتت أن العملات الرقمية تعرضت لعمليات احتيال وانهيارات مالية خلفت خسائر ضخمة للمستثمرين منها انهيار بورصة FTX في نوفمبر 2022 التي كانت من أكبر منصات تداول العملات الرقمية في العالم ، إلا أن سوء الإدارة واستخدام أموال العملاء في أنشطة مالية غير مصرح بها كلفها خسائر تقدر بحوالي 8 مليارات دولار قبل إعلان الإفلاس، ما تسبب في اهتزاز ثقة المستثمرين والأسواق الرقمية بالكامل.
ومثال آخر كان هناك شبكة احتيال ضخمة أخرى تحت اسم OneCoin، التي اتُهمت بإدارة مخطط بونزي لجذب المستثمرين عبر وعود استثمارية غير واقعية، حيث اختلس القائمون عليها ما يقارب 4 مليارات دولار من الأموال قبل أن يُكشف أن العملة مزيفة ولا تمتلك بلوكشين حقيقي يدعمها.
هذه الأمثلة وغيرها تؤكد أن عمليات الاحتيال في القطاع الرقمي ليست هامشية أو نادرة بل من الممكن أن تصل إلى أرقام ضخمة تحدث صدمة في الأسواق وتُفقد المستثمرين جزءاً كبيراً من مدخراتهم ، وتفقد مصداقية العملات الرقمية.
ماذا عن الذهب مقارنة بالعملات الرقمية؟
يعتبر الذهب دائما الملاذ الآمن لجميع المستثمرين في جميع الأوقات ، وذلك لكونه أصل ملموس ذات قيمة تاريخية واستقرار نسبي ، الدراسات الأقتصادية تشير أن الذهب دائما ما يحافظ على قيمته أو يرتفع خلال النزاعات الدولية وغيرها.
في المقابل العملات الرقمية هي أحدث فئة من الأصول وهي أكثر تقلباً من الذهب وأن سلوكها يميل مع الانخفاض مع الأسهم وغيرها من الأصول الخطرة خلال الأزمات في السوق مما يحد من قدرتها على التعامل كملاذ آمن حقيقي.
لهذا الكثير من المستثمرين والمؤسسات المالية لايزالون يثقون بالذهب كملاذ آمان للحفاظ على الثروة في أيام الحروب ، بينما تعتبر العملات الرقمية أكثر جاذبية كأصول تنويع واستثمار عالي المخاطر.
سلوك المستثمرين أوقات الحروب
في أوقات الحرب والتصعيد العسكري تنتشر العديد من الأخبار السيئة وأيضاً الشائعات التي تدفع بعض المستثمرين إلى البيع بسرعة خوفاً من الخسارة ، بينما البعض الآخر يشتري بدافع الطمع واقتناص الفرصة ، حيث يروا أن العملات الرقمية وسيلة للهروب من التضخم والقيود المصرفية وليس بالضرورة أن يكون لديهم معرفة عميقة في استثمارها مما يجعل السوق أكثر تقلباً ويظهر الدور الكبير للسلوك والجانب النفسي في تحركات الأسعار.
وفي النهاية في ظل هذه الحروب والأزمات العالمية تظهر العملات الرقمية كخيار جديد وواعد، لكن يبقى السؤال: هل نحن أمام مستقبل مالي جديد حيث تتحكّم العملات الرقمية في تدفق الأموال ، أم أن الاعتماد عليها سيزيد من الفوضى الاقتصادية عالمياً؟

Al Enteshar Newspaper

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *