الخلية الحمراء تكتشف ما يعرفه الجميع: نهاية إسرائيل
د. لينا الطبال
د. لينا الطبال
في مساء الحادي عشر من سبتمبر 2001، وبينما كان دخان البرجين لا يزال يتصاعد فوق نيويورك، جمع مدير وكالة الاستخبارات المركزية كبار رجاله وقرر تأسيس وحدة مهمتها ” التفكير في اللاشيء أو في ما لا يُفكر فيه اطلاقا”
هكذا وُلدت “الخلية الحمراء”، ربيبة الأوهام، لتتخيل المستحيل وتديره!
وبعد ربع قرن من التفكير، خرجت الخلية علينا باكتشافها المذهل: إسرائيل التي تخوض حروبها المتواصلة منذ سنوات على عدة جبهات، وتنفق على السلاح أكثر مما تنفق على الخبز، وتعيد إلى بيوتها جنودها مثقلين بالصدمات، وتختلف فيها الأحزاب على كل شيء إلا على إطالة الحرب… قد تكون، ربما، على الأرجح، في خطر.
يا له من استنتاج عبقري! من كان يظن ذلك؟ ان إسرائيل قد تكون، ربما، على الأرجح، في خطر! وفي طريقها الى النهاية.
هل تحتاج “الخلية الحمراء” إلى عقود ومنح وميزانيات سرية لتعرف كل ذلك؟
هل تعرف الخلية الحمراء ان سائق التاكسي في عمّان، وبائع الفول في القاهرة، وحتى طفل في مخيم بلبنان، توصلوا إلى الاستنتاج نفسه منذ سنوات، ومن دون ميزانية سرية ولا مكاتب في فيرجينيا وواشنطن؟؟
أجمل ما في القصة أن التحذير يأتي من واشنطن نفسها. والدواء يأتي من واشنطن ايضا…
العلاج الأمريكي حاضر ومجرب على جماجم البؤساء: فإذا كانت إسرائيل تترنح مهددة بالانهيار بسبب جنون حروبها فالحلّ هو مزيد من الذخيرة لمنع انهيارها. وإذا تعمقت عزلة اسرائيل الدولية، فالحلّ فيتو جديد في مجلس الأمن يُثبت للعالم أن أحدا ليس معزولاً ما دامت أميركا معه، حتى لو كانت أميركا نفسها، كما يقول التقرير، قد بدأت تتململ.
تتوالى هذه التحذيرات قبل انتخابات الكنيست المقررة في السابع والعشرين من أكتوبر. تتشابه البرامج الانتخابية بوحشية مريبة؛ فالجميع يتسابق ويعد بالنصر، والجميع يهتف بالأمن، والجميع يقسم بأغلظ الأيمان أنه سيقضي على الأزمة الاقتصادية بين عشية وضحاها.
والجميع، دون استثناء، يتفق على غاية مقدسة واحدة: سحق الفلسطيني ومحو آخر عربي عن وجه الأرض، ولكن من دون أن يكلف أي من هؤلاء نفسه عناء شرح كيف ستُموَّل هذه الحرب الأبدية من خزينة تعاني أصلاً وتزحف نحو الإفلاس المحتوم!
وكل هذه الحروب؟… آه، الحروب… كل حرب تبدأها اسرائيل بإعجاب جماعي مذهول بالقدرات العسكرية والاستخباراتية، ولا تنتهي حرب واحدة إلا بالدموع… في هذا الاتجاه يكتب جدعون ليفي ” هناك احتمال كبير أن يحدث ذلك أيضا في نهاية الحرب ضد إيران، رغم انتشاء إسرائيل في بدايتها فإن الأمر قد ينتهي بها إلى حالة اكتئاب، مثلما حدث مع بيغن في بيروت”.
النشوة في الأسبوع الأول.. الأوسمة في الشهر الأول.. ثم تأتي الجنازات… ثم لجان التحقيق…ثم الاتهامات…. ثم الانتخابات!… ثم حرب جديدة لننسى اللجنة! والمسؤولية. دورة كاملة، مثل الغسالة، لكن لا شيء يخرج نظيفاً.
من قلب هذه الدورة بالفراغ، تندلع للمرة المئة أزمة التجنيد يا سادة!
فجيشهم المزعوم يُستَنزف حتى العظم على جبهات متعددة، ويُستدعى احتياطُه المتهالك للمرة الخامسة والسادسة، بينما يعود الجنود منهكين، ناقصو الأطراف والارواح، او لا يعودون ببساطة… السياسيون في نقاش محتدم دائم بين من يحق له الاستثناء وألا يذهب للجبهة أصلاً؟
إنهم “الحريديم”، أبناء المعابد والكتب المقدسة، الذين يُعفُون بقرار رباني وسياسي من حمل السلاح، جالسين في عزلتهم يدرسون النصوص الدينية ويصلّون لكي ينتصر “العلمانيون” او يموتوا نيابة عنهم! حكومة اسرائيل العفنة تحتاج إلى هؤلاء الجنود المنهكين لتواصل حروبها العبثية، وتحتاج في نفس اللحظة إلى أحزاب الإعفاء الديني لتبقى على كراسي الحكم ولا ينهار ائتلافها الهلامي الخبيث.
انظروا الان الى حكومتهم البائسة، حكومة إسرائيل العفنة… واقفة في المنتصف مثل رجل سكران على حبل مشدود فوق الهاوية! في يدها اليمنى الجنود: جنود منهكون، عيونهم حمراء، يُستدعون للمرة الخامسة.. السادسة.. السابعة!
“عُد يا بطل! اسرائيل تحتاجك!”، والقاتل يعود… يترك زوجته، يترك دكانه، يترك نومه ويذهب الى مكان ما، بين غزة والجنوب اللبناني… ويعود مرة أخرى إلى الحرب الوجودية التي لا يعرف أحد متى تنتهي!
وفي يدها اليسرى تمسك إسرائيل كراسي الحكم!.. أحزاب اليمين المتطرف يصرخون ” إن جنّدتم أبناءنا سحبنا الكرسي من تحتكم!”
فتسرع الحكومة وتوقّع الإعفاء…
لا تستطيع الحكومة أن تفلت أي يد: إن أفلتت الجنود انهارت الحرب، وإن أفلتت الكراسي انهارت هي… فتبقى معلّقة، تتأرجح والحبل يهتز بها.
هل اطلت عليكم يا سادة؟ علامة انتهاء إسرائيل أتت من الداخل.
العلامة الأولى، نعم… العلامة الأولى لم تأتِ من الخارج! جاءت من الداخل، من الشارع ومن تل أبيب نفسها!…
قبل السابع من أكتوبر… أتذكرون؟
طوال عام 2023 شهدت إسرائيل أكبر احتجاجات في تاريخها، ضد مشروع الحكومة لتقليص صلاحيات المحكمة العليا. خرج مئات الآلاف إلى الشوارع أسبوعيا، وهدد جنود احتياط وطيارون برفض الخدمة. لم تكن حربا بالسلاح، اطلق ايلان بابيه على هذا الحراك اسم”الحرب الاهلية” لأنها كشفت أن المجتمع هناك منقسم إلى معسكرين يريد كل منهما دولة مختلفة: معسكر علماني ليبرالي يريد دولة على النمط الغربي، ومعسكر ديني قومي يريد دولة تحكمها الشريعة اليهودية والتوسع الاستيطاني.
“حرب أهلية بلا رصاص” سمّاها بابيه هكذا، وضحك عليه كثيرون…
لكن النهاية؟ لا تتعجلوا!
لن تأتي غداً…
ولا بعد غد… النهاية هنا بطيئة… بطيئة جداً… قد نتقضى بضعة سنوات بعد هذا المقال !
النهاية قادمة لكنها ستمتد سنوات، سيتصاعد العنف على الأرض والذين سيدفعون ثمن الاحتضار الطويل هم من في الخيمة، في غزة، في الضفة، في الجنوب اللبناني… الوحش الجريح لا يموت بهدوء!
الوحش الجريح لا يموت أبداً بهدوء! انه يتخبط، يعض ويحطم كل ما حوله…
لكن… الوحش يموت يا سادة! يموت في النهاية، هكذا ببساطة وبهستيريا مقرفة!… كلهم ماتوا، وانتهى أمرهم في مزبلة العدم!… الإمبراطوريات العفنة، المستعمرات الخرسانية التي حجبت نور الشمس، الأسلاك الشائكة التي تحمي الخراب… ألم يكن نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا يظن نفسه أبدياً، مدججاً بالمدرعات، والمعتقلات، ومحمياً من أصدقائه الأقوياء في واشنطن ولندن؟ وأين هو الآن يا ترى؟
الوحش يموت… لأنه أكل نفسه بنفسه!… أكل جنوده الأغبياء، أكل اقتصاده المترنح، أكل اسمه الملطخ بالعار بين الأمم، وأكل حلفاءه واحداً تلو الآخر، ثم جلس وحيدا، متروكا، جائعا، ينبح في البرية ويبحث عن شيء آخر ليلتهمه… فلم يجد سوى ذيله اللعين فأكله!
والذين بقوا بعد ملحمة الإبادة هذه؟ – الذين بقوا يزحفون من الخيام الممزقة، يخرجون من تحت أطنان الركام والدخان، ينفضون غبار الموت عن أكتافهم… فالأرض بقيت، والناس بقوا ملتصقين بها.
تسألني ماذا حدث في واشنطن؟ – في احد مكاتب البيت الابيض سيقول أحدهم وهو يفرك عينيه بدهشة مصطنعة:
“يا لعجب العجاب!… لقد كانوا يعرفون!”
نعم يا سيدي اللعين، كانوا يعرفون! الكل، حتى آخر طفل في مخيم بلبنان، كان يعرف!
باحثة واكاديمية – باريس
