الانتخابات النصفية الأميركية: غضب الناخبين يهدد بإعادة رسم موازين السلطة ويضع ترمب أمام اختبار سياسي حاسم
رسالة واشنطن
واشنطن- سعيد عريقات-3/11/2026
تحليل إخباري
توجّه الأميركيون، صباح الثلاثاء، إلى صناديق الاقتراع بأعداد واندفاع غير معهودين في انتخابات نصفية، في مشهد يعكس حجم الاستياء الشعبي المتراكم من إدارة الرئيس دونالد ترمب وسياساتها الاقتصادية والخارجية والداخلية. ومع انطلاق انتخابات التجديد النصفي للكونغرس، كان أكثر من 56 مليون أميركي قد أدلوا بأصواتهم مبكراً، في رقم استثنائي يعكس تعبئة انتخابية واسعة، خصوصاً أن الانتخابات النصفية عادة ما تشهد مشاركة أقل بكثير من الانتخابات الرئاسية.
ولا يبدو هذا الإقبال مجرد تعبير عن حماسة حزبية، بل مؤشراً على رغبة متزايدة في محاسبة السلطة وإعادة رسم موازينها، وسط توقعات بأن يحقق الديمقراطيون مكاسب كبيرة، وربما يستعيدوا السيطرة على مجلسي الكونغرس، بما يضع قيوداً جدية على قدرة ترمب على تنفيذ أجندته خلال العامين المتبقيين من ولايته.
وتأتي الانتخابات في وقت تراجعت فيه شعبية ترمب إلى مستويات أدنى مما سجله الرؤساء الأميركيون الثلاثة السابقون خلال أول انتخابات نصفية في ولاياتهم، بما في ذلك ترمب نفسه خلال ولايته الأولى. ويعكس ذلك اتساع الفجوة بين وعود حملته الانتخابية عام 2024 والواقع الذي يواجهه الأميركيون، خصوصاً ارتفاع تكاليف المعيشة وأسعار الوقود والغذاء، والتشدد في سياسات الهجرة، واستمرار الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، التي دخلت شهرها التاسع دون أفق واضح لإنهائها.
انتصار ديمقراطي محتمل دون تغيير فوري في السياسات
تشير استطلاعات الرأي وتوقعات المحللين إلى أن الديمقراطيين يتجهون لاستعادة مجلس النواب، مع فرصة جدية لقلب موازين القوى في مجلس الشيوخ، فضلاً عن تحقيق مكاسب في انتخابات حكام الولايات.
لكن استعادة الكونغرس لا تعني بالضرورة تغييراً فورياً في سياسات الإدارة، إذ يستطيع ترمب استخدام حق النقض الرئاسي ضد التشريعات التي لا توافق توجهاته. ومع ذلك، فإن سيطرة الديمقراطيين على المجلسين ستمنحهم أدوات مهمة لتعطيل أجندة البيت الأبيض، وفتح تحقيقات وجلسات استماع، وفرض رقابة أكثر صرامة على أداء الإدارة.
وتقول رينا شاه، المستشارة الجمهورية السابقة في الكونغرس، إن الاستراتيجية الواقعية للديمقراطيين ستكون الرفض والتعطيل أكثر من التراجع المباشر عن سياسات الإدارة. فالأغلبية في مجلس الشيوخ تتحكم بجدول الأعمال ورئاسة اللجان والمصادقة على التعيينات، ويمكنها إبطاء تعيين السفراء والمسؤولين الأمنيين، وفرض شروط على بعض المساعدات العسكرية وانتشار القوات الأميركية.
كما أن إجبار الجمهوريين على التصويت علناً بشأن القضايا الخلافية سيضعهم أمام ناخبيهم، ويحدد مواقفهم استعداداً للانتخابات الرئاسية عام 2028.
مجلس الشيوخ ساحة المواجهة الحاسمة
على الرغم من أن استعادة مجلس النواب تبدو مرجحة، فإن المعركة الأصعب تدور حول مجلس الشيوخ، حيث يحتاج الديمقراطيون إلى الاحتفاظ بمقاعدهم السبعة والأربعين وانتزاع أربعة مقاعد إضافية من الجمهوريين لضمان السيطرة عليه.
وتبرز تكساس وماين ونورث كارولاينا وألاسكا ساحات رئيسية للمنافسة، فيما تشهد آيوا وأوهايو سباقات متقاربة أيضاً. وتظهر استطلاعات “يوغوف” أن عدداً من هذه المنافسات متقارب، مع أفضلية نسبية للديمقراطيين.
لكن السيطرة على المجلس لا تعني امتلاك القدرة على تمرير جميع التشريعات، إذ يتطلب تجاوز التعطيل في معظم الملفات 60 صوتاً، وهو أمر يصعب تحقيقه في هذه الدورة. كما أن تجاوز الفيتو الرئاسي يتطلب أغلبية الثلثين في المجلسين.
ويرى بعض الخبراء أن الجمهوريين قد يصبحون أكثر استعداداً لمعارضة ترمب، خصوصاً أن ولاياتهم التشريعية قد تستمر بعد انتهاء ولايته، كما يعتقدون أن استعادة الكونغرس صلاحياته الدستورية في الرقابة والتشريع يمكن أن تفتح المجال أمام تعاون بين الحزبين.
إسرائيل والمساعدات العسكرية في قلب المواجهة
من أبرز الملفات التي قد تشهد تحولاً سياسياً داخل الكونغرس العلاقة الأميركية الإسرائيلية، التي أصبحت موضع انقسام متزايد داخل الحزب الديمقراطي، في ظل تراجع النظرة الإيجابية إلى إسرائيل، خصوصاً بين الشباب والناخبين التقدميين.
ويعتقد الخبراء أن هناك توجهاً متنامياً داخل الجناح التقدمي لربط المساعدات العسكرية الأميركية لإسرائيل بشروط سياسية وقانونية، بدلاً من استمرار تقديمها بصورة غير مشروطة.
ويرى البعض أن صعود أصوات مثل عبد الرحمن السيد في ميشيغان، إلى جانب النفوذ المتزايد للسيناتور كريس فان هولن، والسيناتور بيرني ساندرز، قد يوفر كتلة من الأصوات القادرة على فرض نقاش جدي بشأن طبيعة العلاقة مع إسرائيل.
زفي تصريح صحفي له، يحذر الكاتب وجاهات علي، من أن القيادات الديمقراطية التي تطمح إلى الرئاسة عام 2028 لا تستطيع تجاهل التحولات داخل القاعدة الانتخابية للحزب، ولا سيما بعد الحرب الإسرائيلية على غزة، التي وصفها خبراء أمميون ومؤرخون متخصصون في المحرقة بأنها إبادة جماعية.
وبذلك لم تعد القضية مقتصرة على الموقف من إسرائيل والحرب على غزة، بل باتت تشمل مساءلة واشنطن عن دورها في توفير الأسلحة والدعم السياسي والعسكري، ومدى استعداد الكونغرس لاستخدام صلاحياته لفرض قيود على هذا الدعم.
المحاسبة أم الانتقام السياسي؟
سيواجه الديمقراطيون، في حال فوزهم، اختباراً يتعلق بأولوياتهم التشريعية. فهناك مطالب بفتح تحقيقات في تعاملات ترمب المالية، والهدية القطرية المتمثلة في طائرة، وعلاقاته السابقة بجيفري إبستين، فضلاً عن التساؤلات بشأن المصالح الشخصية المحتملة لصهره جاريد كوشنر في ظل مشاركته في جهود الإدارة الدبلوماسية. وينفي ترمب وعائلته وأعضاء إدارته ارتكاب أي مخالفات.
لكن المحللين يحذرون من أن تحويل الكونغرس إلى ساحة للانتقام السياسي قد يكون خطأ استراتيجياً إذا جاء على حساب القضايا الاقتصادية التي تشغل الناخبين.
يشار إلى أن الانتخابات النصفية تمثل تاريخياً رد فعل عقابي على الحزب الحاكم أكثر مما تمثل تفويضاً كاملاً للحزب المعارض. ولذلك، ينبغي للديمقراطيين تقديم برنامج سياسي واضح يركز على القدرة الشرائية وأسعار الوقود والغذاء وتكاليف المعيشة.
في المقابل، ينتقد وجاهات علي قيادة الحزب الديمقراطي، معتبراً أن تشاك شومر، مسؤول الأغلبية المحتمل في مجلس الشيوخ، وحكيم جيفريز، الرئيس المحتمل لمجلس النواب، لا يقدمان قيادة قادرة على استيعاب التحولات داخل الحزب، ويتهم بعض القيادات بمهاجمة التيار التقدمي والاشتراكيين الديمقراطيين، والاستمرار في الاعتماد على تمويل جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل.
ويحذر من أن الفوز في الانتخابات لن يعني بالضرورة تحولاً دائماً في المزاج الأميركي نحو الديمقراطيين، بل قد يكون مجرد ابتعاد مؤقت عن سياسات حركة “ماغا” وترمب.
بداية مبكرة لمعركة 2028
ستحدد نتائج الانتخابات شكل العامين الأخيرين من ولاية ترمب، ومدى قدرته على مواصلة تنفيذ أجندته دون مواجهة مؤسسية جدية. وإذا استعاد الديمقراطيون المجلسين، ستدخل واشنطن مرحلة من المواجهة السياسية المتزايدة حول الهجرة والإنفاق العام والسياسة الخارجية والتعيينات القضائية.
لكن التحدي الأكبر أمام الديمقراطيين لن يكون مجرد تعطيل ترمب، بل إثبات قدرتهم على الحكم وتقديم بديل سياسي واقتصادي مقنع.
ومن المقرر أن يؤدي أعضاء الكونغرس الجديد اليمين الدستورية في الثالث من كانون الثاني 2027، لتبدأ مرحلة تتداخل فيها المعارك التشريعية مع الاستعدادات المبكرة للانتخابات الرئاسية.
الانتخابات استفتاء على ترمب أكثر منها تفويضاً للديمقراطيين
لا ينبغي قراءة الاندفاع الانتخابي الاستثنائي باعتباره تحولاً أيديولوجياً واسعاً نحو الحزب الديمقراطي، بقدر ما هو تعبير عن غضب متراكم من أداء ترمب ووعوده غير المنجزة. فالناخب الأميركي الذي يعاني ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية لا يمنح بالضرورة الديمقراطيين تفويضاً مفتوحاً، بل يعاقب الحزب الحاكم. وهنا تكمن المفارقة: قد يحقق الديمقراطيون انتصاراً كبيراً دون امتلاك مشروع سياسي مقنع. وإذا اكتفوا باستثمار الغضب الشعبي دون تقديم بديل اقتصادي واجتماعي واضح، فقد يتحول انتصارهم إلى فرصة ضائعة.
العلاقة مع إسرائيل أمام اختبار تاريخي
لم تعد العلاقة الأميركية الإسرائيلية بمنأى عن التحولات العميقة في الرأي العام، بعدما جعلت الحرب على غزة الدعم الأميركي غير المشروط لإسرائيل موضع مساءلة متزايدة، خصوصاً بين الشباب والتقدميين. وإذا استعاد الديمقراطيون الكونغرس، فسيواجهون اختباراً حقيقياً: هل يترجمون هذا التحول الشعبي إلى رقابة فعلية على المساعدات العسكرية ومبيعات الأسلحة، أم يكتفون بخطابات رمزية؟ إن استمرار تجاهل هذه المطالب قد يوسع الهوة بين القيادة الديمقراطية وقاعدتها الانتخابية، ويحول فلسطين إلى قضية مركزية في تحديد مستقبل الحزب السياسي.
معركة 2028 تبدأ قبل إعلان نتائج الانتخابات النصفية
قد تكون الانتخابات النصفية مقدمة لمعركة سياسية أكبر تتجاوز السيطرة على الكونغرس، إذ ستحدد هوية القيادات والمرشحين الذين سيخوضون السباق الرئاسي المقبل. لكن الديمقراطيين يواجهون معضلة استراتيجية: هل يعيدون إنتاج القيادة والخطاب التقليديين، أم يستجيبون لمطالب جيل انتخابي جديد يريد سياسات اقتصادية أكثر عدالة ومواقف خارجية أكثر استقلالاً عن جماعات الضغط؟ إن الاكتفاء بمناهضة ترمب لن يكون كافياً. فالناخبون يريدون بديلاً ملموساً، وإذا لم يجدوه، فقد يعودون إلى معاقبة الديمقراطيين بالسهولة نفسها التي يعاقبون بها الجمهوريين.
