إيران كما هي… قراءة في البنية والتاريخ والموقع
موفق محادين
تقترب إيران من الـ90 مليون نسمة، غالبيتهم من الحضر، وتتقاسمهم قومياً أغلبية فارسية مقابل 24% من الأذر الترك غالبيتهم الساحقة من الشيعة، ونحو 3% من العرب غالبيتهم من الشيعة و9% من الكرد غالبيتهم من السنة، ومجاميع صغيرة من التركمان والآشور والأرمن.
أما مساحتها فتبلغ نحو 1.65 مليون كيلومتر مربّع، مسيّجة بسلسلة من الجبال والبحار والصحراء وجيران من شتى الأعراق والملل.
إيران عبر التاريخ
تختلف الروايات حول تاريخ ومنطقة ظهور الفرس بين القرنين الرابع والسادس قبل الميلاد، في المنطقة الواقعة بين هضاب آسيا الوسطى وبلاد القفقاس، وتنسب روايات منها ظهورهم السياسي الأول إلى قورش (تردّه إلى عيلام)، وتعتبره مؤسس السلالة الإخمينية (نسبة إلى آخمين) بعد إزاحته لحلفاء في الأرومات الجبلية (الميديون) الذين ظهروا جنوب غرب قزوين.
أعقب قورش، قمبيز الذي توسّع غرباً ووصل مصر، ثمّ داريوس الذي خاض حروباً طويلة مع الإغريق وأسس بمساعدة الفينيقيين أسطولاً بحرياً، كما تنسب بعض الروايات له حفر قناة بين النيل والبحر الأحمر.
في منتصف القرن الثالث الميلادي تمكّن الساسانيون من إزاحة الإخمينيين، ولأسباب عديدة بينها توسّع النظام الإقطاعي وانشقاق الزرادشتية مع ظهور ماني (مزج الدين القديم مع المسيحية)، وحروب الاستنزاف المتبادلة بين روما الشرقية، ضعفت ساسان ووفّر انتشار الطاعون شروط انهيارها، وكذلك روما الشرقية أيضاً بالتزامن مع صعود الدعوة الإسلامية وإيلاف قريش وقبائلها.
من أشهر ملوك إيران في المرحلة الساسانية: أردشير الأول (226-241) وسابور (الذي تبنّى أفكار ماني)، وبهرام الثاني والثالث وسابور الثاني (309-379) وكسرى الأول أنو شروان (532-579).
غابت الشعوب الإيرانية قروناً طويلة عن الحضور السياسي المباشر قبل أن تتشكّل إمارات محلية شبه مستقلة بالتزامن مع ضعف الدولة العباسية، مثل الدولة الطاهرية (نسبة إلى طاهر – حاكم خراسان المقرّب من المأمون في نهاية القرن التاسع الميلادي)، ومثل الدولة الصفارية (نسبة إلى يعقوب الصفار أو النحاس)، ومثل الدولة الساسانية التي اتخذت من بخارى وسمرقند مراكز لها، وكان من معاصريها الفردوسي والرازي وابن سينا.
بيد أنّ الظهور الكبير الجديد للشعوب الإيرانية هو الذي ترافق وترسّخ مع عائلتين من أصول أذرية تركية شيعية، هما العائلة الصفوية والقاجارية.
العائلة الصفوية: بعكس الخطاب الدارج عن الدولة الصفوية (الفرس المجوس) كانت العائلة الصفوية عائلة تركية وليست فارسية تعود في جذرها العائلي إلى صفي الدين (التركي) من أردبيل، وكان مزيجاً من الشافعية والتصوف وليس المجوسية (يردّه المؤرخ الألماني بروكلمان في كتابه (تاريخ الشعوب الإسلامية) إلى أصول عربية.
أما إسماعيل، مؤسس الدولة الصفوية فهو من أحفاد صفي الدين، وكان شاعراً تأثّر بالتشيّع فتشيّع في مطلع القرن السادس عشر، وشكّل دولة قوية بالاعتماد على وحدات مقاتلة تركمانية متشيّعة (وليست فارسية) تعرف بالقزل باش أو باشا (القبعات الحمر المطوية).
إلى جانب الدولة الصفوية نمت دول صغيرة مثل الأفشارية في مشهد والزندية في شيراز. أما العائلة التركية الشيعية التي أعقبت الصفويين لمدة قرنين تقريباً، فهي عائلة القاجار التي اتخذت من طهران مركزاً لها، وكانت من آسيا الوسطى.
وكان آخر ملوكها الأقوياء، الشاه ناصر الدين الذي تعرّض لما تعرّض له آخر السلاطين الترك في إسطنبول من ضغوط أوروبية للاندماج في المصالح الرأسمالية الجديدة تحت عنوان (الدسترة). وانتهى الشاه ناصر الدين قتيلاً عل يد أحد أنصار جمال الدين الأفغاني 1896، وخلفه مظفر الدين الذي كان أيضاً صورة عن السلطان العثماني عبد الحميد الثاني في تردّده بين الشكل السابق للسلطنة وبين الدسترة. وفي صدامه مع حركة تشبه حزب الاتحاد والترقي التركي، وفي سقوطه عام 1909 (العام نفسه الذي سقط فيه السلطان عبد الحميد).
ومن المفارقات المتشابهة أيضاً أنه وكما استولى على السلطة في إسطنبول ضباط من أصول غير معروفة ونسبوا أنفسهم إلى العنصر التركي، فإنّ شاه إيران الجديد الذي ورث عائلة القاجار، كان ضابطاً من القوازق الروس الذين كانوا يعملون في جيش قيصر روسيا قبل سقوطه ومقتله بعد ثورة أكتوبر، هو القومندان رضا خان المازن دراني، الذي تمكّن من خلع الشاه السابق أحمد القاجاري، وحلّ محلّه وأعلن نفسه شاهاً جديداً عام 1925. كما خلع آخر سلاطين بني عثمان عام 1924، وتشبّه الشاه الجديد بكمال مصطفى أتاتورك في تركيا.
من زرادشت إلى الإمامية
قبل انتشار التشيّع في إيران على مستوى الدولة (القرن السادس عشر) عرفت إيران ديانات وأفكاراً دينية قبل الإسلام، أشهرها:
– الزرادشتية (نسبة إلى زرادشت من أصول أذرية) وتقوم ديانته (المجوسية) على امتزاج النور بالظلمة حتى يغلب النور في النهاية، وتتميّز هذه الديانة بين إله مطلق أزلي للخير والنور (أهورمزدا) الواحد الذي لا شريك له، وبين أهريمان (رمز الشر) الذي ينتهي يوم البعث والحساب مهزوماً على يد أهورمزدا. وتمارس هذه الديانة صلاة يومية وفق الوصايا المعروفة عند كلّ الديانات (لا تسرق، لا تقتل، لا تمارس الزناـ… إلخ)، وتعتبر النار (قوة سارية شفيعة) عند إله الخير.
– المانوية، نسبة إلى ماني، هو كاهن منشقّ عن الزرادشتية، تزامن مع الملك سابور الأول، وقتل على يد الملك بهرام، وكان يدعو إلى ديانة مزيج من المسيحية ورمزها المخلّص الفادي والتطهّر بالعماد المائي، ومن الزرادشتية (التطهّر بالعماد والعبور الناري) وقال إنّ اختلاف النور والظلام اختلاف في الجوهر.
– إضافة إلى العنصر المسيحي في المانوية المذكورة، انتشرت تيارات مسيحية وخاصة النسطورية في بلاد فارس، وهناك من يرى أنه لولا ظهور الإسلام، لربما توسّعت المسيحية وصارت ديناً أسياسياً عند الشعوب الإيرانية، ولا سيما أنّ الدولة الساسانية دافعت عن العرب النساطرة (خصوم بيزنطة).
– ومن الديانات الأخرى القديمة، ديانة ميترا (تأثّر بها الرومان)، ويتطلّب الدخول فيها عملية تطهير معقّدة للاتحاد بالله. وديانة مزدك (النور يحدث بالقصد والاختيار، والظلمة تحدث بالخبط).
التشيّع وولاية الفقيه
حين كان التشيّع ظاهرة عربية كانت إيران واحدة من مراكز السنة حتى مطلع القرن السادس عشر، مع أنّ الشعوب الإيرانية بعامّة ظلت تلتفّ حول الثورات الخلاصية المتواصلة ضدّ الإقطاع السائد، إبان الحكم الأموي والعباسي والتركي (السلجوقي ثمّ العثماني). وكان من سمات هذه الثورات التعاطف مع آل البيت والثقافة الكربلائية.
التحوّل الكبير هو الذي شهدته إيران بعد قيام الدول المتشيّعة ذات الأصل التركي وليس (الفرس والمجوس). ومن هذه الدول الدولة الصفوية، نسبة إلى إسماعيل وجدّه إسحق صفي الدين الأذري التركي الأردبيلي، وكان مزيجاً من الشافعية والتصوّف. وكما ورد سابقاً، يردّه المؤرّخ الألماني المتخصص في التاريخ الإسلامي، بروكلمان، إلى أصول عربية.
وقد تبع إسماعيل حين إعلان تشيّع دولته، كثير من الفلاحين في إيران والعراق وأذربيجان. وأثار تساؤلات وجدالات حول تجويز إقامة حكم شيعي في غياب الإمام. وتراوحت الأجوبة عن ذلك بين مبالغات وإفراطات تأويلية تحفّظ عليها الدكتور علي شريعتي (اغتالته أجهزة الشاه قبل الثورة في لندن)، وبين الذهاب إلى فكرة ولاية الفقيه التي تتعدّد المصادر حول جذورها بين أحمد النائيني في كتابه (عوائد الأيام) وبين علماء شيعة من جبل عامل (جنوب لبنان حالياً)، واسم الجبل مشتق من قبائل عاملة اليمنية التي تشيّع قسم كبير منها خلال العهد الفاطمي، وكان مركزها في الأردن في المنطقة الواقعة ضمن جند الأردن والكرك، قبل أن يستقر قسم منها في جنوب لبنان والبقاع وكسروان، ويُبعدون لاحقاً بتحريض من ابن تيمية خلال مرحلة السلطان المملوكي قلاوون.
ومن العلماء المذكورين، العلّامة الشيخ علي الكركي (من كرك زحلة في لبنان الذين قدموا من كرك الأردن) وقد قامت الثورة الإيرانية بقراءة جديدة للخميني بتبنّي فكرة ولاية الفقيه وفق (البرنامج الجمهوري) للثورة مقابل خطين، جمهوري وليبرالي، وبقايا الملكية الدستورية (إعادة الشاه).
وبحسب ولاية الفقيه، فالولي الفقيه هو المشرف على السلطة العليا وفق الدستور الجمهوري الجديد والمشرف على رسم السياسات العامّة ومتابعتها وقرار الحرب والسلم وتنصيب وعزل المواقع الأساسية، ويختار المرشد من قبل مجلس خبراء القيادة (هيئة منتخبة).
وبالمقابل كان هناك من الذين لم يتقبّلوا فكرة ولاية الفقيه لأسباب مختلفة، مثل جواد التبريزي، شريعتمداري، الخاقاني، والخوئي الذي كان مقرّباً من الدوائر الغربية، كما رفضها المحسوبون على (حركة تحرير إيران) الليبرالية والحكيم في العراق.
ثورات الشعوب الإيرانية
إلى جانب تاريخها الإمبراطوري القديم، وتشكّلها كدولة عابرة للقوميات والمذاهب منذ انتشار الإسلام فيها، حتى أنّ أول ظهور سياسي للأتراك كان في إيران (الدولة السلجوقية) وليس في تركيا التي ظهرت متأخرة جداً في القرن الحادي عشر، فقد تحوّلت إيران إلى دولة متعدّدة القوميات باسم الشعوب الإيرانية، ولم تغادرها الثورات سواء الحقيقية أو المضادة التي تتحرّك بأصابع خارجية، ومن أشهر الثورات التي قامت قبل الإسلام تلك التي قادها ماني في عهد الملك سابور الأول وبالتعاون معه، داعياً للمزج بين المسيحية والزرادشتية.
أما بعد الإسلام فقد شهدت عشرات الثورات الفلاحية ضد الإقطاع السلطاني في كل عصوره واختلط بعضها بأفكار اشتراكية بدائية تحت تأثير القرامطة والمزدكية، فيما أخذ بعضها طابعاً إسلامياً – سنياً حيناً (الثورة الطاهرية) وصولاً إلى الثورات التي تمثّلت الأفكار الإمامية الشيعية. وكذلك الثورات ذات الطابع الصوفي، وكذلك الثورة الخراسانية التي أسست للمرحلة العباسية. ومن الثورات الأخرى ما عرف بثورة التبغ أواخر القرن التاسع عشر، وما عرف بالثورة الدستورية في عهد الشاه ناصر الدين وكانت تحت تأثير القناصل الأجانب لإلحاق إيران بأوروبا الرأسمالية.
من الأزمنة الحديثة، قبل الثورة التي أطاحت بالشاه عشرات الثورات والانتفاضات وبقيادات إسلامية حيناً ووطنية حيناً آخر، بقيادة الدكتور مصدق الذي دعا إلى تأميم النفط وتحريره من النهب والسيطرة البريطانية.
شهادات لمثقفين عالميين فوكو وآخرين
رغم طابعها الديني، إلا أنّ الثورة الإيرانية لفتت انتباه العديد من المثقّفين العالميين والمستشرقين الذين كانت إيران والهند والصين، كما الشرق العربي القديم في مصر والعراق وسوريا التاريخية، محط انتباههم، ومن أبرز هؤلاء المثقفين، الفرنسي فوكو، أحد أبرز فلاسفة القرن العشرين، الذي سبق واهتم بثورة تونس 1968، وكان يدرس فيها واعتبر ثورتها الطالبية أهمّ من الثورة الطالبية الفرنسية.
بحسب دراسة للدكتور محمد صفار في مجلة مدارات القاهرية 2016، فمن انطباعات فوكو بعد ذهابه إلى إيران بعد الثورة:
– أنّ الدين هنا (في إيران) لم يعد أفيون الشعوب، بل روح عالم بلا روح.
– لم يظهر الإسلام هنا كأديولوجيا بقناع ديني لتغطية التناقضات الطبقية، بل كمفردات وطقوس احتفالية لدراما جمعية.
– لم يعد الجيش (جيش الشاه الضخم) يرسم علاقات القوة، بل الثورة .
إلى ذلك وفي تعليق آخر يشبه تعليق فوكو، نقرأ في كتاب زمن الغضب: الثورة الإيرانية شكل سياسي- اجتماعي ضدّ النموذج الغربي للسلطة والمجتمع، وكذلك مقابل محاولات التحديث من فوق في أكثر من بلد.
الثورة ورجالاتها والمرتدون عنها
ثمّة إجماع على أنّ الإمام الخميني هو رأس الثورة وقائدها، وتقدّمه الروايات المحايدة كرجل دين من أصول كشميرية، علماً بأنّ خمين بلدة إيرانية، وتضيف أنّ والده كان خبيراً بالخيل قتله الشاه، وأنه اعتقل ونفي أكثر من مرة إلى تركيا والنجف التي أبعد عنها بعد اتفاق صدام – الشاه في الجزائر عام 1975.
– علي خامنئي، من مدينة مشهد (طوس سابقاً) من أصول أذرية تركية، وتولى رئاسة الجمهورية عام 1989 ثمّ المرشد العامّ بعد رحيل الخميني. ويعدّ مزيجاً من الاعتدال إزاء المسائل المذهبية ومن الراديكالية في السياسة، وهو من أنصار تقريب المذاهب، حتى أنه ترجم كتب سيد قطب إلى الفارسية.
– آية الله طالقاني، من مفكّري الثورة وقادتها ومناضليها العريقين في سجون الشاه، وكان من دعاة تقريب المذاهب.
– آية الله مظفري، وكان يعدّ إشكالياً في اجتهاداته حول ولاية الفقيه.
كما عرفت الثورة قبل نجاحها وبعده العديد من المفكّرين الذين تقاطعوا مع الثورة في جوانب أخرى عديدة وخالفوها في جوانب أخرى ومن أبرزهم:
– علي شريعتي، الذي اغتاله نظام الشاه في لندن 1978.
رؤساء الجمهورية الإسلامية بعد بني صدر، محمد رجائي، علي خامئني 1989، رفسنجاني (1989-1997)، محمد خاتمي (1997-2005) محمود نجاد، حسن روحاني، إبراهيم رئيسي، وأخيراً مسعود بزكشيان.
من رجال الثورة أيضاً، صادق خلخالي وهو من أصول أذرية تركية، وكان مكلّفاً بالمحاكمات ومتابعتها.
آخرون اتهمتهم الثورة بالعودة عن الخط الجمهوري لصالح أشكال من (الملكية الدستورية) أو محاباة الغرب، وكان عدد منهم من أنصار حركة تحرير إيران القديمة، مثل موسى بني صدر وبازركان وصادق قطب زاده.
المؤسسات العسكرية والأمنية
بالرغم من القبضة الأمنية المرعبة لنظام الشاه المخلوع، إلا أنّ هذه القبضة فشلت في قمع الثورة، وأظهرت قطاعات مهمة في الجيش تعاطفاً مع الثورة حين اندلاعها، وخاصة سلاح الطيران الحربي، وتحوّل الجيش الجديد للثورة إلى قوة كبيرة إلى جانب الباسيج (الجيش الشعبي المليوني) ولا سيما خلال الحرب التي انفجرت مع العراق بعد سقوط الشاه والهلع الذي أصاب التحالف الإمبريالي الرجعي.
إلى جانب الجيش والمجلس الأعلى للأمن القومي الذي يضمّ رؤساء السلطات القضائية والتشريعية والتنفيذية المدنية والعسكري، تمّ تشكيل حرس الثورة (الباسدران) عام 1979. وشملت تشكيلاته قوات برية وبحرية وجوية، وتحدّدت مهامه في حماية الثورة ومتابعة رسالتها ونصرة المستضعفين، وصولاً إلى تأسيس فيلق القدس كداعم للمقاومة الفلسطينية واللبنانية والعراقية، وكان من أبرز قادته قاسم سليماني.
ومع ازدياد قوة الحرس وتوسّع فعّالياته ودخوله في قطاعات ومشاريع مختلفة بينها مشاريع اجتماعية وثقافية وإعلامية واقتصادية، برزت أصوات تدعو إلى تنظيم علاقات الحرس مع الجيش وقوى أخرى.
أبرز المؤسسات المدنية للدولة الإيرانية
1. مجلس الخبراء، وهو منتخب ويتولّى اختيار المرشد.
2. مجلس الشورى، وهو هيئة تشريعية منتخبة.
3. مجلس صيانة الدستور، ومهمته التأكّد من مطابقة قرارات مجلس الشورى مع الدستور والأحكام الإسلامية.
4. مجلس تشخيص النظام، وهو هيئة استشارية مرجعية للخلافات، أو في حالة وفاة الولي الفقيه أو مرضه، وكذلك الإشراف على السياسات العامّة ومتابعتها.
5. رئاسة الجمهورية، ويحتلّ الرئيس المكانة الثانية بعد المرشد ويتمتع بصلاحيات واسعة وفي الوقت نفسه، برسم المساءلة من مجلس الشورى.
التيارات الأيديولوجية والسياسية
عرفت إيران قبل الثورة وبعدها تيارات سياسية وأيديولوجية عديدة، كانت بداياتها تلك التي ظهرت أواخر القرن التاسع عشر وتصاعدت في آخر عهد ملوك القاجار، وكانت شبيهة بالتيارات التركية: محافظون وإصلاحيون مدعومون من العواصم الغربية المهتمة برسملة إيران تحت عناوين الديمقراطية والدستورة. أما الموجة الثانية فشهدت تيارات إسلامية وليبرالية وقومية واشتراكية (تحت تأثير الثورة الروسية).
قبيل الثورة، وإضافة إلى التيارات الإسلامية بفروعها الراديكالية (الجمهورية) والإصلاحية (الملكية الدستورية) والمحافظة، نشطت جماعات قومية ويسارية مدنية ومسلحة، انتهى بعضها إلى التعاون مع أعداء إيران، مثل (المجاهدين) وكان من أبرز القوى الأخرى فدائيو خلق (الشعب) وحزب توده وقوى انفصالية كردية وغيرها.
أما بعد الثورة، فمن أبرز التيارات: الإصلاحيون والمحافظون، الإسلاميون والقوميون، مثل (الكرد) وتيار فارسي متعصّب إزاء الإيرانيين من أصول تركية أذرية، ويغلب على هذا التيار الفارسي الطابع العلماني، وتيارات تصنّف نفسها بالتيارت الوطنية الديمقراطية، مقابل الخط الإسلامي، إضافة إلى التباين الكبير بين الحزب الجمهوري الإسلامي وبين حركة تحرير إيران، وهي خليط من آراء متضاربة بين الملكية الدستورية وبين الجمهورية، كما عرفت إيران مقاربات أخرى بين (إيران للإسلام أم الإسلام لإيران) وفق ملاحظة علي شريعتي.
هل توجد معارضة وطنية في إيران
مقابل تاريخ عريق للمعارضة الإيرانية ضدّ الشاه، على مدار القرن العشرين شملت تيارات شتى، إسلامية ويسارية وديمقراطية وقومية، مدنية ومسلحة، فإنّ مقارباتها للمشهد الإيراني بعد الثورة دفعت أقساماً واسعة منها إلى تيارات لا تشبه تاريخها السابق. ولم يتردّد بعضها من التعاون مع الدوائر الأطلسية المختلفة.
كانت المعارضة الإيرانية قد ظهرت عملياً مع الثورات الدستورية برعاية القناصل الأجانب بدلاً من صياغة خطاب مستقلّ عن هؤلاء القناصل، واستمر عقوداً طويلة قبل أن تظهر معارضة مماثلة باسم الثورات الملوّنة وفلاسفتها اليهود، كما حدث في الوطن العربي (سوروس، لويس، أكريمان، ليفي، ساتلوف، وفيلدمان …).
وذلك إضافة إلى تحوّلات مغايرة لتاريخها عند حركة تحرير إيران، والحركة الخضراء، وعند مجاهدي خلق، الذين انتهوا إلى التعاون مع الدوائر الأميركية والألمانية، ومثلهم العديد من الفصائل الكردية، ومن المفهوم أنّ الجماعات التكفيرية بكلّ تصنيفاتها الطائفية، هي تشكيلات إجرام إرهابية مرتبطة بالدوائر الاستخباراتية الأطلسية والإقليمية، أكثر منها جماعات سسياسية.
نماذج للخطاب المحتقن ضد إيران
إنّ غالبية الكتب ضدّ إيران، صدرت من عواصم خليجية أو من دور نشر مدعومة من هذه العواصم المعروفة بعلاقاتها مع قوى الاستعمار القديم والجديد، وإضافة إلى إشادة هذه الكتب بالعواصم الخليجية المذكورة وقادتها (الحكماء والغيورين على الأمة) فقد وقعت في مغالطات تاريخية ناجمة عن التحريض الأعمى أو الفقر المعرفي، ومن ذلك:
– اللازمة المتداولة عن الفرس المجوس والحكم الصفوي الفارسي، علماً بأنّ مؤسس المجوسية، زرادشت من أصول أذرية تركية لا فارسية، وأنّ مؤسس الحكم الشيعي في إيران، إسماعيل الصفوي هو أيضاً من أصول أذرية تركية لا فارسية (يذهب المؤرّخ الألماني، بروكلمان، إلى أنه من أصول عربية).
– إنّ ملحمة الشاهنامة (الملوك) التي وردت فيها عبارات مسئية للعرب، كانت بدعم السلطان السني من أصول تركية، محمود الغزنوي.
– الشيخ خزعل، ثائر أم ماسوني وصديق للإنكليز: تحفل الكتب المعادية للجمهورية الإيرانية بالاحتفاء الدائم بالشيخ خزعل (كبطل لتحرير عربستان) علماً بأنه ماسوني ومحسوب على مكتب المخابرات البريطانية في البصرة، وبالمقابل فإنّ الكتب المذكورة تغفل العديد من الأبطال والشخصيات العربية الأحوازية.
محطات أخرى تدحض الخلفية الشيعية للسياسات الإيرانية الإقليمية، ومنها:
– دعم إيران (الشيعية) لأرمينيا المسيحية مقابل أذربيجان الشيعية.
– دعم إيران لعشرات القوى والفصائل السنية، مثل حركة حماس وحركة النهضة في تونس عند تأسيسها.
لماذا التحامل على إيران والصمت عن عواصم إقليمية أطلسية
هل التحامل على إيران تحامل (قومي عربي أو وطني على قوة إقليمية سياسية) أم تحامل غير وطني من موقع طائفي، وخندق أطلسي وصهيوني، بدلالة الصمت عن قوى إقليمية تحتفظ بسفارات للعدو الصهيوني وقواعد أميركية ويرتبط اقتصادها بالسوق الرأسمالي وسياسات البنك الدولي، ولا تخفي أطماعها العثمانية في شمال سوريا والعراق وتحتل مناطق واسعة منهما.
إيران من الداخل: الاقتصاد
يتميّز الاقتصاد الإيراني بتنوّع كبير، إضافة إلى النفط والغاز (ثاني احتياطي في العالم) فهو اقتصاد منتج على الصعيدين (الصناعي والزراعي) وبنسبة 68% تقريباً، والأهمّ أنّ إيران لم تتورّط في إملاءات البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، وتعتبر من الاقتصادات الأقل تأثّراً بالبيئة المعولمة، مما ساعدها على الصمود في وجه حصار إمبريالي طويل، رغم النتائج والتداعيات المعروفة على هذا الصعيد. ومن مظاهر الاقتصاد الإيراني:
– نسبة الدين العام الخارجي المنخفضة قياساً بالبلدان النامية (33 مليار دولار).
– مقابل الاقتصادات المفتوحة التي تخضع بالكامل لعالم الخصخصة والسوق، ومقابل النمط الاشتراكي، فإنّ إيران أقرب إلى الاقتصاد المركّب من رأسمالية الدولة أساساً فيما يخصّ الموارد الأساسية والقطاعات التي تحتاج لقدر كبير من السيادة، ومن السمة التاريخية الخاصة المعروفة بالخُمس، ومن قوى السوق المعروفة تاريخياً بـ(البازار) والتي شكّلت على مدار التاريخ الإيراني قوة معروفة وظلت على حدود (البرجوازيات الوطنية) فيما يخصّ المصالح العامّة.
إيران من الداخل: من الزاوية الاجتماعية
يشكّل العمال والفلاحون والعاملون في الاقتصاد المنتج ثلثي القوة العاملة في إيران، مقابل قوى السوق التقليدية وأجهزة الدولة المختلفة.
كما تعتبر إيران من الدول المتقدّمة في مجال التعليم، من حيث نسبة الطلبة (92% تقريباً) ومن حيث الجامعات واستيعابها للدارسين في مختلف الحقول والتخصصات.
أما السمات التاريخية الخاصة بإيران فهي:
– الناتجة عن (اقتصاد الظل) التاريخي غير الحكومي المرتبط (بالإدارة الذاتية) للشيعة عبر الخمس.
– الدور التاريخي أيضاً للبازار وعلاقته بالسلطة المركزية المتشيّعة منذ القرن السادس عشر (صورة خاصة تقابل النمط الآسيوي النهري في مصر وبلاد الرافدين القديمة) وبالرغم من الطابع التجاري للبازار، فإنّ علاقته بالمرجعيات الدينية جعلته أقرب إلى هذه المرجعيات في محطات عديدة.
إيران من الداخل: من الزاوية الثقافية
احتفظت إيران بطابعها الثقافي المشرقي وكانت الأقل تأثّراً بالهيلينية (مزيج من الحضارة الإغريقية والشرقية) بالرغم من الاحتكاك الطويل من الإغريق خلال الحروب بينهما، وتميّزت الثقافة والحضارة الإيرانية كما الحضارة الشرقية الصينية بالنقش والفنون الجميلة والنحت النافر والتصوير والسجاد واستخدام القماش والفخار والورق الخاص للتعبير عن ذلك.
أما على الصعيد الأدبي، فقد عرفت إيران العديد من الشعراء الكبار، مثل الخيّام، وسعدي الشيرازي صاحب حديقة الورد، وحافظ (من حفظة القرآن) واسمه الحقيقي شمس الدين محمد، وشمس الدين التبريزي، وجلال الدين الرومي (من شعراء الصوفية الكبار)، والفردوسي صاحب ملحمة الشاهنامة أو الملوك وكانت مهداة للسلطان (السني) محمد الغزوي.
في الأزمنة الحديثة، عرفت إيران أول مطبعة عام 1819 في شيراز، وأول عرض سينمائي عام 1905 وأول فيلم إيراني صامت عام 1907، ونظّمت أول مهرجان سينمائي عام 1972، وتعدّ الفترة بين 1985-1990 الفترة الذهبية لازدهار السينما الإيرانية وتكريسها عالمياً بـ300 جائزة دولية.
إيران من الداخل: المرأة الإيرانية
مقابل الحملات المغرضة وموقع المرأة الإيرانية بعد الثورة، كان لافتاً للانتباه تعيين نائبة للرئيس خاتمي، والموقف الشجاع للإعلامية سحر إمامي خلال العدوان الصهيوني الأميركي على مقر التلفزيون الإيراني في حزيران/يونيو 2025، لكنّ موضوع المرأة الإيرانية أكبر من ذلك بكثير، ومما جاء في تقرير نشرته مجلة السياسة الدولية القاهرية حول المرأة الإيرانية في تشرين الأول/أكتوبر 1997:
– أنّ الحقوق المكتسبة، المدنية والسياسية للمرأة الإيرانية خلال كفاحها ضد نظام الشاه جرى تطويرها وليس إلغاؤها، وإن كان ذلك في ظلّ أحكام إسلامية.
– زيادة حصة النساء في المجالس المختلفة بما فيها مجلس الشورى وفق المعدل العالمي تقريباً.
– مشاركة المرأة في فرق عسكرية من المتطوّعات.
– توسيع حصة المرأة في المناصب الإدارية العليا فنحو 400 امرأة (حتى عام 1997) تشغل منصب المدير العامّ.
وبحسب الكاتبة البريطانية كاترين فاينر ومقارناتها بين المرأة البريطانية والإيرانية، فإنّ نسبة النساء الإيرانيات في الجامعات والقطاع الحكومي والبرلمان تقترب من نسبتهن في بريطانيا.
إيران والعالم السياسي: إيران والعرب
ابتداءً فإنّ الموقف السلبي الشائع عند أوساط عربية من إيران، يعود لثقافة قديمة أشاعها سلاطين العائلة العثمانية خلال حروبهم في إيران منذ القرن السادس عشر وأعيد إنتاج هذا الموقف بعد الثورة الإيرانية من قبل الدوائر الأطلسية والرجعية العربية.
بخلاف ذلك، فما من مشتركات ثقافية وحضارية بين أمتين كما الأمتين العربية والإيرانية، ومن ذلك فلاسفة وعلماء مثل ابن سينا والخوارزمي والرازي ومسكويه، وكذلك في النحو واللغة مثل سيبويه والخليل بن أحمد والكسائي، وبحسب بروكلمان وحتي، فالإسلام في آسيا الوسطى انتشر محمولاً بالثقافة الفارسية التي كانت منتشرة هناك قبل الانتشار الديني.
ووجدنا كذلك الأثر العمراني المشترك في تأسيس بغداد ونظام الحدائق، وفي قصور السلاطين والأمراء بل إنّ عَمراً بن العاص ومعاوية أقاما قصوراً وفق ذلك .
بالمقابل، تظهر الحفريات الثقافية أنّ الآرامية كانت لغة البلاط الفارسي. ويؤكّد المؤرّخ فيليب حتي أنّ اللغة الفهلوية أو الفرثية (الفارسية المتوسطة) كانت تكتب بالأحرف العربية (الآرامية)، ولا تزال العربية تشكّل 60% من الفارسية.
هذا عن التاريخ الحضاري المشترك، أما في الأزمنة الحديثة فقد شكّلت إيران حتى سقوط الشاه، تحالفاً سياسياً وعسكرياً ضدّ قوى التحرّر العربية عموماً، والمشروع الناصري خصوصاً، وانخرطت في كلّ الأحلاف والسياسات الأميركية التي استهدفت هذا المشروع.
وكان من أخطر أدوار الشاه، تحالفه مع السادات بعد أن استولى على مصر بعد وفاة عبد الناصر وانحرف عن نهجه، وشكّل مع الشاه والكيان الصهيوني وعرب أميركا حلف السافاري الذي سقط مع سقوط الشاه وإعلان الجمهورية الإسلامية. وبدلاً من التقاط العرب لهذه اللحظة التاريخية بسقوط أكبر حليف للعدو الصهيوني، راحت غالبية عواصم النظام الرسمي العربي تغذّي الحرب ضدّ إيران (الحرب العراقية- الإيرانية) وتستبدل الجبهة الحقيقية للصراع مع العدو الصهيوني بجبهة مشرقية مفتعلة، أسست عملياً لتحالف موضوعي مع هذا العدو.
ذلك لم يغيّر من إيران الجمهورية الجديدة ومواقفها وأول قراراتها بقطع العلاقات مع الكيان واستبدال سفارته بسفارة فلسطينية، وصولاً إلى المساهمة في تأسيس محور المقاومة، إضافة إلى سوريا والمقاومة الفلسطينية وحزب الله والمقاومة العراقية وأنصار الله. وهو المحور الذي اشتبك مع قوى وأذرع التحالف الأميركي- الصهيوني التكفيري على أكثر من جبهة مع العدو الصهيوني عبر جبهة جنوب لبنان بقيادة حزب الله، وجبهة قطاع غزة بقيادة حماس، والجهاد الإسلامي والجبهة الشعبية، ومع الأصوليات التكفيرية في العراق وسوريا، إضافة إلى دور أنصار الله في الإسناد الاستراتيجي انطلاقاً من باب المندب.
إيران والعالم
مع إسقاط نظام الشاه وإعلان الجمهورية الإسلامية، غادرت إيران موقعها السابق في قلب التحالف الأميركي-الصهيوني وصارت جزءاً فاعلاً من معسكر التحرّر الوطني وتطوّرت علاقاتها مع الصين وروسيا والقوى والدول المناهضة للإمبريالية، مثل فنزويلا وكوبا والبرازيل وجنوب أفريقيا، فضلاً عن علاقاتها المتطورة مع الجزائر وسوريا (قبل إسقاط الدولة السورية، وتمكين الإرهاب التكفيري فيها).
إيران وجيرانها
– إيران وتركيا: كما يتداخل التاريخ الاجتماعي والسياسي والحضاري الإيراني مع العرب، كذلك إيران وتركيا:
– أول دولة تركية، وهي السلاجقة قامت في إيران، حيث لم يكن الأتراك قد استقرّوا بعد في تركيا التي كانت تعرف بآسيا الصغرى وبلاد الأناضول (أناتول) وهو اسم إغريقي.
– أول دولة شيعية قامت في إيران وهي الدولة الصفوية، تعود إلى جذور أذرية تركية.
– الطابع الثقافي الفارسي واللغوي القوي للثقافة واللغة التركية.
– بالمقابل هناك الحروب الفارسية – التركية التي تبادل فيها الطرفان الربح والخسارة من معركة كاليدران في القرن السادس عشر إلى العديد من المعارك خلال القرون التالية.
– السمات المشتركة للتاريخ السياسي أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين من حيث ضغوطات القناصل الأجانب للاستعمار الأوروبي على الشاه ناصر الدين والسلطان عبد الحميد لإحداث (إصلاحات دستورية) تلحق البلدين بالنظام الرأسمالي الأوروبي.
– انخرط البلدان بعد الحرب العالمية الثانية في الأحلاف الاستعمارية، مثل حلف بغداد-أنقرة-طهران كذراع عسكري جنوبي لحلف الأطلسي، وتطويرهما علاقات سياسية وأمنية واقتصادية مع الكيان الصهيوني.
– شاه إيران المخلوع والتنسيق الأمني بين السافاك والموساد ضدّ حركة التحرّر العربية بقيادة جمال عبد الناصر، وكذلك تزويد إيران الكيان الصهيوني بالنفط، وبالمثل تركيا بعد سيطرة الحزب الديمقراطي بقيادة مندريس عليها (إسلامي ليبرالي) الذي طوّر علاقات تركيا مع “تل أبيب” وسمح بإقامة قواعد عسكرية أميركية.
– قضايا مشتركة تتعلّق بملفات مثل الكرد.
– معروف أيضاً أنّ العلاقات التركية الإيرانية الحالية، علاقات جيدة عموماً تشوبها بعض التوترات الإقليمية، كما كان الحال بالشأن السوري والعراقي.
إيران والخليج:
علاقة إيران مع الخليج علاقة قديمة جداً، وكان التداخل في السكان وتجارة المرافئ ومحطات طرق الحرير تداخلاً كبيراً، ترتّبت عليه لاحقاً مبالغات في الحديث عن الحقوق والحدود وغيرها، ولم يعد ممكناً الحديث عن تاريخ مستقل تماماً بالمعنى القومي. ولم تجد مشيخات الخليج سبباً لتردّي العلاقات مع طهران طيلة العهود السابقة، وخاصة عهد الشاه العميل المخلوع، بما في ذلك (الجزر الثلاث) بل إنّ حكّام الشارقة من القواسم (عائلة خليجية وطنية) توصّلوا إلى اتفاقيات حول جزيرة أبو موسى مع إيران عام 1971.
ومعروف أيضاً الاستدعاء الخليجي لإيران الشاه (القوات أو الاستخبارات) للتدخّل أكثر من مرة لقمع ثورة ظفار أو احتجاجات البحرين أو الإمامية في اليمن ضدّ الانقلاب الوطني الناصري قبل استعادة الإمامية لتاريخها ودورها الوطني عبر أنصار الله أو ما يعرف بالحوثيين.
إيران وأذربيجان وأرمينيا
بالرغم من القواسم التاريخية المشتركة مع أذربيجان من حيث التداخل المذهبي (الشيعي) والقومي ووجود نسبة ملحوظة من (الأذر الترك) إلّا أنّ العلاقات السياسية لا ترقى إلى مستوى هذه القواسم بالنظر إلى تغلغل دوائر الاستخبارات الأميركية والصهيونية في باكو.
فيما يخصّ أرمينيا (المسيحية)، العلاقات الإيرانية معها أفضل بكثير، وإن تراجعت قليلاً مع سيطرة اليمين المقرّب من فرنسا والغرب على أرمينيا في الانتخابات الأخيرة. ومن مفارقات هذه العلاقة أنّ إيران وقفت أكثر من مرة مع أرمينيا المسيحية ضد إذربيجان الشيعية خلال نزاعهما المسلح على إقليم كاراباخ.
مع الإطاحة بنظام الشاه، فقدت الدوائر الأطلسية والصهيونية والرجعية العربية أهمّ قوة إقليمية لها في الشرق الأوسط، وتعزّز قلق الغرب الرأسمالي مع التحوّلات الكبيرة التي طرأت على إيران وحوّلتها من قاعدة أميركية وحليف للكيان الصهيوني إلى حليف للمقاومة، فضلاً عن تداعيات الحدث الإيراني على قطاع الطاقة والجيوبولتيك الدولي، ولا سيما أنّ إيران تعدّ واحدة من أهمّ الدول في مجال النفط والغاز.
وقد تجلّى الحضور الإيراني الجديد في مفاصل خطرة للغاية بالنسبة للعقل الإمبريالي-الصهيوني والقوى الأخرى المرتبطة بمصالحها:
1. دعم المقاومة في فلسطين ولبنان وتأسيس بنية اجتماعية وصناديق لدعم المخيمات وعائلات الأسرى.
2. التطوّر الإيراني في مجال الأبحاث والنانو والمفاعلات النووية في سياق مشروع استراتيجي لنهضة صناعية واقتصادية كبرى.
3. تحرّر قوة إقليمية بحجم إيران من السيطرة المباشرة لمجمل المنظومة الرأسمالية وأدواتها مثل البنك وصندوق النقد الدولي.
4. الآثار الاستراتيجية الكبيرة في مجال الجيوبوليتيك بالنظر إلى الدور السباق لنظام الشاه في قلب الهارت لاند الجنوبي وتأثيره على الهارت لاند الأوراسي الشمالي، وهو الأمر الذي عزّزته إيران الجديدة بتوسيع العلاقات مع روسيا والصين واتفاقية شنغهاي والبريكس.
5. الآثار الاستراتيجية أيضاً فيما يخصّ سوق وعالم الغاز والنفط.
في ضوء ما سبق، راح التحالف الأميركي – الصهيوني وأدواته وامتداداته يتحرّك ضمن مسارات متعدّدة سياسية واقتصادية وعسكرية وإعلامية، شكّلت تقارير معهد واشنطن وهرتزليا الصهيوني مرجعية أساسية فيها، ومن ذلك:
– استنزاف إيران في حرب إقليمية بدأت مدافعها من العراق عام 1980 بالتزامن مع حرب أخرى ضدّ الاتحاد السوفياتي في أفغانستان، وحرب أخرى بعد عامين أطلقها العدو الصهيوني على المقاومة الفلسطينية والحركة الوطنية اللبنانية والجيش السوري عام 1982.
– حصار اقتصادي طويل بمشاركة أميركية وأوروبية.
– سلسلة من (الثورات البرتقالية) داخل إيران نفسها بتدبير أقلام الاستخبارات الأطلسية ومطابخ اليهودية العالمية (سوروس، أكرمان، ليفي) وغيرهم.
– صناعة بيئة احتقان طائفية باسم (الهلال الشيعي) بإشراف M.I.6 (المخابرات البريطانية الخارجية) وتحويل الأنظار عن الجبهة مع العدو الصهيوني إلى ما يسمّى الجبهة الشرقية.
– استراتيجية حدود الدم الطائفية التي وضعها الجنرال الأميركي، رالف بيترز، وصولاً إلى تمزيق المنطقة وتقسيمها إلى كانتونات طائفية وجهوية ومنها إيران.
– الاعتداءات المباشرة بالتزامن مع العدوان على غزة ولبنان واليمن، واستمرار الابتزاز وحشد الأساطيل.
المصادر:
– كارل بروكلمان، تاريخ الشعوب الإسلامية، دار العلم، بيروت، 1979.
– عبد الفتاح إبراهيم، على طريق الهند، وزارة الثقافة، دمشق، 1991.
– فيليب حتي، العرب، دار العلم، بيروت، طبعة 5، 1980.
– شربل داغر، مذاهب الحسن.
– فاضل الربيعي، المسيح العربي.
– الشهرستاني، الملل والنحل، دانية للنشر، بيروت، 1990.
– مجلة السياسة الدولية (ملف حول إيران، القاهرة، عدد أكتوبر 1997.
– أمير صديقي، الخلافة والملكية في إيران، عالم لمعرفة، 1999.
– موفق محادين، الانتخابات الإيرانية، موقع الميادين.
