ألف يوم من المعاناة والآلام والنكبة ما زالت مستمرة ومتواصلة
المطران عطا الله حنا
ألف يوم، وحرب الإبادة ما زالت مستمرة ومتواصلة، والشهداء يرتقون في كل يوم، والدماء البريئة تُسفك في كل حين.
ألف يوم من نكبة جديدة ومتجددة، ومن كارثة ومعاناة لشعب حُكم عليه بالموت، وحُكم عليه بالحصار وبالمعاناة والآلام والأحزان المروعة.
لقد مرّ ألف يوم، ولا يمكننا أن نتكهن إلى أين نحن ذاهبون، ومتى ستنتهي هذه المعاناة. ويبدو أن سلطات الاحتلال والقادة العنصريين فيها يتفننون في إذلالهم وتنكيلهم واستهدافهم لأبناء شعبنا في القطاع المنكوب، وهم يشعرون بنشوة عندما يقتلون طفلاً أو شاباً أو إنساناً بريئاً.
إنها العقلية الإجرامية التي بات العالم بأسره يدرك حقيقتها يوماً بعد يوم، حيث نشهد اتساعاً في رقعة الوعي في عالمنا تجاه معاناة شعبنا الفلسطيني.
ألف يوم، وأهلنا في القطاع يدفعون فاتورة باهظة من دمائهم وأبنائهم وفلذات أكبادهم بسبب حرب ظالمة وخبيثة فُرضت عليهم.
ما حدث وما يحدث في غزة في هذه الأيام لا يجوز أن يتحول إلى خبر عاجل، ولا يجوز أن تتجاهل وسائل الإعلام معاناة هذا الشعب المظلوم، فما يتعرض له أهلنا في القطاع يجب أن يحظى بتغطية إعلامية لائقة ومناسبة، لكي يرى العالم بأسره هذا الكم الهائل من الجرائم المرتكبة بحق أهلنا في القطاع المنكوب.
عندما زار غبطة بطريرك الروم الأرثوذكس، وغبطة بطريرك اللاتين، والوفد المرافق، قطاع غزة مؤخراً، فإن الرسالة التي أرادت الكنيسة أن تطلقها هي أن كل ما دُمِّر يمكن أن يُبنى مجدداً، ولكن أولئك الذين فقدوا حياتهم لا يمكن أن يعوض هذا الفقد بأي شكل من الأشكال.
لقد أرادت الكنيسة، من خلال هذه الزيارة، كما ومن خلال غيرها من الزيارات والبيانات والمواقف، أن تؤكد بأنه لا يجوز أن يُترك أهلنا في القطاع وحدهم دون أي مؤازرة أو تضامن، ولا يجوز أن يُترك الأبرياء في القطاع لقمة سائغة لآلة الموت والدمار والخراب.
لقد دفع أهلنا في القطاع ثمناً باهظاً، وما زالوا يدفعون بسبب حرب همجية فُرضت عليهم، وهي تندرج في إطار التآمر على شعبنا وعلى قضيته العادلة.
إلى متى سوف تستمر هذه المحنة؟ ودماء الفلسطينيين ليست رخيصة، وإلى متى سوف تستمر هذه المعاناة غير المسبوقة في التاريخ البشري الحديث؟
نلحظ أن هنالك اتساعاً في رقعة التضامن مع فلسطين في سائر أرجاء العالم، ونتمنى من هؤلاء المتضامنين الذين يسيرون في الساحات والشوارع الرئيسية في عواصمهم أن يكونوا وسيلة ضغط على حكامهم، لكي يكونوا أكثر عدلاً وإنصافاً، ولكي يعملوا من أجل وقف مأساة غزة ومأساة الشعب الفلسطيني بشكل عام.
نتمنى أن يترجم الحراك التضامني مع شعبنا في سائر أصقاع العالم إلى قرارات عملية، وما هو مطلوب الآن بالدرجة الأولى هو أن يتوقف العدوان على شعبنا في غزة، وأن يتوقف التآمر على شعبنا الفلسطيني وقضيته العادلة. أما الضفة الغربية فقد تحولت، ويا للأسف الشديد، إلى منطقة محاصرة، وكأنها سجن كبير.
أعتقد بأن هذا الشر الذي نعيشه في هذه الأرض المقدسة يجب أن ينتهي، وأستذكر هنا قولاً كانت تردده جدتي، رحمها الله: “إذا ما خربت ما عمرت.” ونحن قد وصلنا إلى قمة الخراب، وقمة الآلام والأحزان والمعاناة، وقد طفح الكيل، ولم يعد من الممكن أن يبقى هذا الحال وأن تستمر هذه المعاناة.
الفلسطينيون في القطاع صامدون في أرضهم، كما هو حال شعبنا الفلسطيني، ولكن الصمود يحتاج إلى مقومات، ويبدو أن هذه المقومات ليست موجودة، ويبدو أيضاً أن أبسط مقومات الحياة ممنوعة من الدخول إلى القطاع، في إطار سياسة ممنهجة هدفها الإمعان في ظلم شعبنا واستهدافه، وفي كافة تفاصيل حياته.
صحيح أن العالم يتغير لصالح الفلسطينيين، حتى في أمريكا وأوروبا وأستراليا، ولكننا نتمنى أيضاً أن يتبدل ويتغير الحال في كثير من الأقطار العربية، وأن تتوحد الأقطار العربية مجتمعة في قولها: لا لهذا الإجرام المنظم المرتكب بحق إنساننا الفلسطيني، مع ضرورة إطلاق مبادرات الإغاثة والمساعدات المطلوبة لأكثر من مليوني إنسان يعيشون في القطاع في ظل أوضاع مأساوية وكارثية، في حين أن كثيرين في هذا العالم يعيشون حياة طبيعية، ويأكلون ويشربون ويستمتعون بالحياة، أما أهلنا في القطاع فهم محرومون من كل شيء، ومحرومون من أبسط حقوقهم والمقومات المطلوبة من أجل ثباتهم وصمودهم، ولكنهم، بالرغم من كل ذلك، هم شامخون وصامدون ولم يستسلموا..
ألف يوم على معاناة شعب، وستبقى هذه المعاناة ماثلة أمامنا، والواجب الأخلاقي والإنساني يدعو كافة الأحرار في العالم لكي ينحازوا إلى إنسانيتهم، وأن يدافعوا عن هذا الشعب المظلوم والمنكوب.
أما ما يحدث في الضفة الغربية فحدث ولا حرج، وكأننا أمام حرب إبادة بأنماط وأساليب متعددة؛ فالبوابات الحديدية في كل مكان، وأسوار الفصل العنصري تقف بالمرصاد لكل فلسطيني يريد أن يصل إلى القدس، وإلى عمله، وإلى المكان الذي يقتات منه من أجل عيشه الكريم.
إن معاناة شعبنا الفلسطيني ليست قدراً يجب أن نقبل به، بل هي حالة تدل على البشاعة والهمجية والوحشية التي يتعرض لها الفلسطينيون.
ولكن يبقى السؤال المطروح: متى سيتبدل الحال الفلسطيني لكي يكون أفضل مما كان عليه سابقاً؟ ومتى سوف تتوقف حالة الانقسامات والتشرذم والتشهير والتحريض، التي تكرس هذه الانقسامات، والتي لا يستفيد منها إلا الاحتلال؟
أمام هذه التغيرات الدراماتيكية التي نلحظها في عالمنا، فإن الفلسطينيين أيضاً يحتاجون إلى تغييرات، وإلى ترتيب بيتهم الفلسطيني الداخلي، والذي يجب أن يكون حاضناً لكل الفلسطينيين، بعيداً عن لغة الإقصاء والتهميش.
فلسطين هي لكل أبنائها، وليست حكراً لأحد، وترتيب البيت الفلسطيني يبدأ بتكريس المحبة والأخوة والحوار والتفاهم والوحدة بين كافة أبناء شعبنا، لكي تكون جبهتنا الداخلية قوية في مواجهة التحديات والمؤامرات التي تعصف بنا
.
المطران عطا الله حنا
رئيس أساقفة سبسطية للروم الأرثوذكس
القدس، 3 تموز 2026
