سباق مجلس الشيوخ في ميشيغان: عبد الرحمن السيد يتقدم في استطلاعات الرأي
رسالة واشنطن
واشنطن –سعيد عريقات-2/11/2026
دخلت المنافسة على مقعد مجلس الشيوخ الأميركي عن ولاية ميشيغان مرحلتها الأكثر سخونة، قبل يومين من انتخابات الثالث من تشرين الثاني ، وسط مشهد سياسي بالغ الاستقطاب، تتداخل فيه الحسابات الحزبية مع الانقسامات العرقية والدينية، وتتصاعد فيه الهجمات المعادية للمسلمين والعرب الأميركيين، بالتوازي مع محاولة الجمهوريين وقف تقدم المرشح الديمقراطي عبد الرحمن السيد، في مواجهة منافسه الجمهوري مايك روجرز.
ولا تقتصر أهمية هذه الانتخابات على تحديد هوية السيناتور الذي سيخلف السيناتور الديمقراطي غاري بيترز، الذي قرر عدم الترشح مجدداً، بل تمتد إلى معركة السيطرة على مجلس الشيوخ، وإلى اختبار أوسع لقدرة الحزب الديمقراطي على الاحتفاظ بتحالفه الانتخابي، في ولاية تنافسية لعبت دوراً حاسماً في الانتخابات الرئاسية السابقة.
وتزداد أهمية السباق لأن السيد، وهو طبيب ومسؤول سابق في قطاع الصحة العامة من أصول عربية مصرية، يمكن أن يصبح أول مسلم يفوز بعضوية مجلس الشيوخ الأميركي، الأمر الذي جعل حملته هدفاً لهجمات سياسية تجاوزت الخلاف حول البرامج الاقتصادية والاجتماعية إلى التشكيك في انتمائه الوطني والديني، وربطه بالإرهاب والتطرف الإسلامي، من دون تقديم أدلة تثبت تلك الاتهامات.
أرقام الاستطلاعات تمنح السيد أفضلية واضحة
تشير أحدث مؤشرات استطلاعات الرأي المتاحة حتى الأول من تشرين الثاني/نوفمبر إلى أن عبد الرحمن السيد يدخل الأيام الأخيرة متقدماً على روجرز، وإن كانت المنافسة لا تزال مفتوحة، نظراً إلى طبيعة ميشيغان المتأرجحة، واحتمال تأثير المشاركة الانتخابية والناخبين الذين لم يحسموا خياراتهم بعد.
ووفق متوسط استطلاعات موقع “ذا بيسلاين” المنشور في الأول من تشرين الثاني ، يتقدم السيد بنسبة 49.6 في المئة، مقابل 45.6 في المئة لروجرز، أي بفارق أربع نقاط مئوية، استناداً إلى 12 استطلاعاً غير حزبي للسباق. وأظهر استطلاع “يوغوف” الذي أجري في 29 تشرين الأول تقدم السيد بنسبة 51 في المئة مقابل 47 في المئة لروجرز، فيما أظهر استطلاع شبكة “سي إن إن” بالتعاون مع مؤسسة “إس إس آر إس” تقدم السيد بنسبة 49 في المئة مقابل 42 في المئة.
كما أظهر استطلاع جامعة ولاية ميشيغان، الذي أجري بين الناخبين المحتملين، حصول السيد على 50.5 في المئة مقابل 43.1 في المئة لروجرز. وفي المقابل، أظهرت بعض الاستطلاعات تقارباً أكبر، ما يعني أن الفارق ليس ضمانة للفوز، خصوصاً في انتخابات قد تحسمها نسب المشاركة في ديربورن وديترويت والمناطق ذات الكثافة العربية والمسلمة والأميركية من أصول أفريقية.
وتكتسب هذه الأرقام أهمية إضافية لأن بعض الاستطلاعات التي أظهرت تقدم السيد أجريت قبل إعلان هيلي ستيفنز تأييد روجرز، ولذلك لا يزال من المبكر تحديد ما إذا كان هذا التطور سيؤدي إلى تغيير ملموس في اتجاهات الناخبين.
هيلي ستيفنز تصدم الديمقراطيين وتؤيد منافس حزبها الجمهوري
في تطور مفاجئ هزّ المعسكر الديمقراطي، أعلنت النائبة هيلي ستيفنز التي دعمتها منظمة اللوبي الإسرائيلي إيباك بأكثر من 30 مليون دولار في الانتخابات التمهيدية ضد السيد ، والتي خسرت الانتخابات التمهيدية للحزب أمام السيد في الرابع من آب ، تأييدها للمرشح الجمهوري مايك روجرز، قبل يومين فقط من موعد الانتخابات العامة، في خطوة اعتُبرت ضربة سياسية للحزب في واحدة من أهم الولايات المتأرجحة.
وجاء الإعلان يوم الأحد، خلال ظهور مشترك لستيفنز وروجرز في كنيسة “بيرفكتنغ” بمدينة ديترويت، حيث قالت إنها لا تستطيع المشاركة في حملة السيد، وإنها لا تريد الوقوف مع ما وصفته بالكراهية. وانتقدت إعلاناً سياسياً صادراً عن مجموعة خارجية رأت أنه يحمل مسؤولية ارتفاع أسعار المواد الغذائية جزئيا للدعم الأميركي الكبير لإسرائيل، مطالبة السيد بالتبرؤ منه، كما انتقدت علاقته بالناشط السياسي حسن بيكر المعروف باسم “حسن بايكر”.
لكن توقيت الخطوة، وطبيعة الطرف الذي اختارت ستيفنز دعمه، أثارا اتهامات لها بتقديم خصومتها الشخصية مع السيد على مصلحة حزبها، وبالمساهمة في تعزيز فرص الجمهوريين في الاحتفاظ بمقعد كان الديمقراطيون يأملون استعادته. وقد وصفها ناخبون ديمقراطيون بالخائنة، فيما اعتبر آخرون أن موقفها يمثل تخلياً عن أبسط مقتضيات التضامن الحزبي، خصوصاً في معركة قد تحدد الأغلبية في مجلس الشيوخ.
ولم تتأخر التداعيات داخل مكتبها؛ إذ أفادت تقارير صحفية باستقالة عدد من موظفيها، بينهم رئيس مكتبها جاستن جيرمان، الذي عبّر عن صدمته وحزنه إزاء قرارها. كما أعلن رئيس الحزب الديمقراطي في ميشيغان، كيرتس هيرتل، أن ستيفنز ليست عضواً حالياً في الحزب، ولن تكون عضواً فيه مستقبلاً. أما روجرز، فاعتبر تأييدها مكسباً سياسياً مهماً، بينما تجنب السيد الدخول في مواجهة مباشرة معها، قائلاً إنه يركز على السياسات التي تهم ملايين سكان الولاية، وليس على المناورات السياسية.
وبدا أن ستيفنز لم تكتف بالامتناع عن دعم مرشح حزبها، بل اختارت عملياً مساعدة منافسه الجمهوري في اللحظة الأكثر حساسية. وقد منح ذلك الجمهوريين فرصة لاستثمار الانقسام الديمقراطي، ومحاولة استقطاب ناخبين سود ويهود كانوا قد أيدوا ستيفنز في الانتخابات التمهيدية.
ترمب يصعّد الخطاب العنصري والمعادي للمسلمين
في موازاة الانقسام الديمقراطي، تصاعدت الهجمات التي يقودها الرئيس دونالد ترمب والجمهوريون ضد السيد، وتحولت الهوية الدينية للمرشح الديمقراطي إلى محور رئيسي في الخطاب الانتخابي. ولم تعد المسألة مقتصرة على انتقاد مواقفه السياسية أو برنامجه الاقتصادي، بل امتدت إلى التشكيك في ولائه للولايات المتحدة وتصويره باعتباره تهديداً للأمن القومي بسبب كونه مسلماً.
وفي أحدث تصعيد، شن ترمب، الأحد، هجوماً على السيد خلال تجمع انتخابي في ولاية آيوا، واصفاً إياه مراراً بأنه “جهادي”، ومحذراً الناخبين من التصويت له، بل ذهب إلى إطلاق تعليق ساخر وعنصري بشأن إخضاعه لإجراءات تفتيش أمنية خاصة إذا دخل مجلس الشيوخ. وجاءت هذه التصريحات في سياق حملة أوسع حاول فيها ترمب وروجرز ربط السيد بالتطرف الإسلامي وجماعة الإخوان المسلمين، رغم نفيه هذه الاتهامات وتأكيده عدم وجود أي ارتباط له بالجماعة.
وكان روجرز قد صوّر السيد باعتباره متعاطفاً مع أجندة إسلامية متطرفة، فيما اتهمته منظمات حقوقية وشخصيات سياسية باستغلال الصور النمطية المعادية للمسلمين لتخويف الناخبين. ووصل الأمر إلى استدعاء هجمات الحادي عشر من أيلول/سبتمبر في الإعلانات السياسية، في محاولة لربط مرشح مسلم بالإرهاب، بدلاً من مناقشة برنامجه الانتخابي.
وأدان رئيس الرابطة الوطنية للنهوض بالملونين “إن إيه إيه سي بي” ديريك جونسون هذه الهجمات، واصفاً إياها بالعنصرية الصريحة والمقززة، ومشبهاً إياها بأساليب الانقسام والكراهية التي شهدتها أحلك مراحل التاريخ الأميركي. كما أظهر استطلاع لمعهد السياسات العامة والبحوث الاجتماعية بجامعة ولاية ميشيغان أن 38 في المئة من ناخبي الولاية أقل استعداداً للتصويت لمرشح مسلم، وهو مؤشر يكشف حجم التحدي الذي تواجهه حملة السيد.
ولا تنحصر خطورة هذه الحملة في تأثيرها على مرشح بعينه، بل في تطبيع خطاب يضع الأميركيين المسلمين والعرب أمام اختبار متكرر لإثبات ولائهم الوطني، وكأن انتماءهم الديني أو أصولهم العرقية يجعلانهم مواطنين موضع اشتباه. وفي ولاية تضم تجمعات عربية ومسلمة كبيرة، قد تتحول هذه الهجمات إلى عامل تعبئة انتخابية مضادة، بدلاً من تحقيق الغرض الذي يسعى إليه مطلقوها.
هل تنقلب الهجمات على السيد إلى سلاح ضد الجمهوريين؟
على الرغم من أن الهجمات العنصرية قد تؤثر في بعض الناخبين المترددين، فإنها تحمل مخاطر سياسية معاكسة. فميشيغان تضم واحدة من أكبر التجمعات العربية والمسلمة في الولايات المتحدة، ولا سيما في ديربورن وضواحي ديترويت، حيث تشكل أصوات هذه المجتمعات عاملاً انتخابياً مهماً. وقد تدفع محاولات التشكيك في ولاء السيد الناخبين العرب والمسلمين إلى المشاركة بأعداد أكبر، كما قد تستفز قطاعات من الناخبين الديمقراطيين والأميركيين المتعاطفين مع حقوق الأقليات.
وفي المقابل، يسعى روجرز إلى تقديم نفسه باعتباره جمهورياً معتدلاً نسبياً، يركز على خفض تكاليف المعيشة، وتعزيز التصنيع الأميركي، وتشديد الرقابة على الحدود. ويحاول أيضاً الابتعاد عن بعض المواقف الأكثر إثارة للجدل التي يتبناها ترمب، رغم استفادته من دعم الرئيس المباشر لحملته. أما السيد، فيركز على الرعاية الصحية الشاملة، وتخفيف الأعباء الاقتصادية عن الطبقة العاملة، والحد من نفوذ الشركات الكبرى، وتوسيع شبكة الحماية الاجتماعية.
وتشير المعطيات إلى أن المعركة لم تعد مجرد منافسة بين مرشحين، وإنما أصبحت اختباراً لمدى قدرة الخطاب السياسي الأميركي على استيعاب التنوع الديني والعرقي، ولحدود استخدام الإسلاموفوبيا والعنصرية وسيلة انتخابية.
التوقعات والرهانات السياسية
تمنح استطلاعات الرأي السيد أفضلية نسبية، لكن النتيجة النهائية ستتوقف على حجم المشاركة، ولا سيما في ديترويت وديربورن والمناطق ذات الكثافة العربية والمسلمة والأميركية من أصول أفريقية. كما سيكون مهماً معرفة ما إذا كان تأييد ستيفنز لروجرز سيؤدي إلى انتقال جزء من ناخبيها السابقين إلى المعسكر الجمهوري، أم أن معظمهم سيبقون ملتزمين بالتصويت الديمقراطي.
ويحمل السباق أهمية وطنية استثنائية، لأن الجمهوريين يتمتعون بأغلبية ضيقة في مجلس الشيوخ، فيما يحتاج الديمقراطيون إلى تحقيق مكاسب لاستعادة السيطرة على المؤسسة التشريعية. وبالتالي، فإن خسارة ميشيغان قد تعقد حسابات الحزب الديمقراطي، حتى إذا حقق نتائج إيجابية في ولايات أخرى.
وإذا فاز السيد، فسيكون ذلك انتصاراً يتجاوز حدود ميشيغان، باعتباره أول مسلم يصل إلى مجلس الشيوخ، وانتصاراً لتيار تقدمي يسعى إلى إعادة تعريف أولويات الحزب الديمقراطي. أما فوز روجرز، فسيمنح الجمهوريين فرصة لتقديم النتيجة باعتبارها رفضاً انتخابياً للمرشح التقدمي، رغم أن تفسيرها سيظل مرتبطاً أيضاً بالهجمات على هويته الدينية والانقسامات داخل الحزب الديمقراطي.
وبين الاحتمالين، تبدو المنافسة مفتوحة، لكن الأرقام المتاحة تمنح السيد أفضلية فعلية، ولا تسمح باعتبار تأييد ستيفنز تحولاً حاسماً في اتجاه السباق.
أزمة الديمقراطيين تتجاوز موقف هيلي ستيفنز
إن تأييد هيلي ستيفنز مرشحاً جمهورياً على حساب مرشح حزبها لا يمثل مجرد خلاف انتخابي عابر، بل يكشف أزمة أعمق داخل الحزب الديمقراطي بشأن حدود التعددية السياسية، ومكانة التيار التقدمي، ومدى استعداده للدفاع عن مرشحيه عندما يصبحون أهدافاً لحملات الاستقطاب. فالديمقراطية الحزبية تفقد معناها عندما تتحول الخلافات الداخلية إلى مبرر لمساعدة الخصم السياسي. والأخطر أن هذه الخطوة قد تعزز الانطباع بأن الحسابات الشخصية والضغوط السياسية تتقدم أحياناً على المسؤولية الجماعية تجاه الناخبين والمؤسسات الديمقراطية.
الإسلاموفوبيا تكشف أزمة أوسع في السياسة الأميركية
تكمن خطورة الهجمات على عبد الرحمن السيد في أنها تتجاوز شخصه وبرنامجه لتستهدف حق ملايين الأميركيين المسلمين والعرب في المشاركة السياسية دون اشتراطات تتعلق بهويتهم أو معتقداتهم. وعندما يستخدم رئيس الولايات المتحدة أو مرشحون جمهوريون مفردات الإرهاب والجهاد لتصوير منافس مسلم باعتباره تهديداً وطنياً، فإنهم يساهمون في تعميق الانقسامات الاجتماعية وتطبيع التمييز. لكن هذه الاستراتيجية قد ترتد على أصحابها، إذ يمكن أن تحول مشاعر الغضب والخوف لدى الأقليات إلى قوة انتخابية أكثر تنظيماً ومشاركة وتأثيراً.
ميشيغان اختبار لمستقبل الحزب الديمقراطي
ولا تتعلق أهمية فوز السيد أو خسارته بمقعد واحد في مجلس الشيوخ فحسب، وإنما بمستقبل التحالف الانتخابي الديمقراطي وقدرته على الجمع بين العمال والأقليات والليبراليين والتقدميين. فإذا نجح السيد رغم الانقسامات والهجمات، فسيمثل ذلك رسالة بأن الناخبين لا يستجيبون بالضرورة لسياسات التخويف والهويات الدينية، وأن البرامج الاقتصادية والاجتماعية قادرة على تجاوز الاستقطاب. أما خسارته، فقد تشجع قيادات الحزب على الابتعاد عن المرشحين التقدميين، وتثير تساؤلات مؤلمة حول استعداد المؤسسة الديمقراطية للدفاع عن التنوع الذي تعلن تمثيله.
