ترمب يلمّح إلى تعاون سعودي–إسرائيلي لمواجهة الحوثيين ويعيد طرح احتمال التطبيع بين البلدين
واشنطن – سعيد عريقات – 17/10/2026
أعاد الرئيس الأميركي دونالد ترمب فتح ملف التقارب السعودي–الإسرائيلي، بالتزامن مع تصاعد الهجمات الحوثية على المملكة العربية السعودية واتساع المخاوف من تداعيات المواجهة على أمن البحر الأحمر وأسواق الطاقة واستقرار المنطقة. وأشار ترمب إلى احتمال استعداد الرياض للاستفادة من المساعدة الإسرائيلية في التصدي للحوثيين، كما أعرب عن اعتقاده بأن اتفاق تطبيع العلاقات بين السعودية وإسرائيل قد يعود إلى الواجهة، وربما بفرص أكبر من السابق.
وتأتي هذه التصريحات في وقت تواجه فيه السعودية تصعيداً عسكرياً متزايداً، يشمل هجمات بالصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة على منشآت حيوية ومواقع استراتيجية، بينما تتبادل الرياض وطهران الاتهامات بشأن المسؤولية عن التصعيد. وفي موازاة ذلك، تبرز تساؤلات حول ما إذا كانت التطورات الأمنية ستفتح الباب أمام ترتيبات إقليمية جديدة، أم ستزيد تعقيد المساعي الرامية إلى إنهاء الصراعات، ولا سيما في اليمن والأراضي الفلسطينية.
تعاون أمني محتمل في مواجهة الحوثيين
وألمح ترمب، الجمعة، إلى أن السعودية قد تكون منفتحة على تلقي مساعدة إسرائيلية في مواجهة جماعة الحوثيين في اليمن، التي كثفت هجماتها على أهداف سعودية منذ تجدد القتال في يوليو الماضي. وجاءت تصريحاته في سياق حديثه عن إمكان تقديم إسرائيل دعماً للرياض، لكنه لم يوضح طبيعة المساعدة المقصودة، أو ما إذا كان يشير إلى تعاون عسكري واستخباراتي قائم بالفعل لمواجهة الحوثيين تحديداً.
وتواجه المملكة هجمات متكررة استهدفت ناقلات في البحر الأحمر ومنشآت نفطية ومواقع داخل أراضيها، من بينها مطار الرياض الدولي، الذي شهد هجوماً أوقع 13 قتيلاً الأسبوع الماضي، وفقاً للمعلومات الواردة في التقارير. كما أعلنت قوات التحالف بقيادة السعودية اعتراض صواريخ وطائرات مسيّرة إضافية، في مؤشر إلى استمرار التهديدات التي تطال البنية التحتية المدنية والاقتصادية والممرات البحرية الحيوية.
وتدعم السعودية منذ أكثر من عقد الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً في مواجهة الحوثيين، الذين تمكنوا خلال التصعيد الأخير من السيطرة على مناطق استراتيجية مطلة على البحر الأحمر. وأطلقت القوات الحكومية اليمنية، بدعم جوي سعودي، هجوماً مضاداً لاستعادة المناطق التي خسرتها، إلا أن هذه العمليات لم تحقق حتى الآن اختراقاً يغير موازين السيطرة الميدانية.
ا تقتصر التهديدات على الأراضي السعودية؛ إذ تعرضت إسرائيل بدورها، خلال السنوات الماضية، لهجمات حوثية بصواريخ باليستية، تمكنت منظوماتها الدفاعية من اعتراض معظمها، بينما أوقعت بعض الهجمات خسائر بشرية. وردت إسرائيل مراراً بضربات استهدفت مواقع حوثية في اليمن، ما يجعل أي تعاون محتمل بين تل أبيب والرياض امتداداً لتقاطع المصالح الأمنية بين الطرفين، وإن ظلت طبيعة هذا التعاون وحدوده غير واضحة.
التطبيع يعود إلى الحسابات السياسية
ولم يقتصر حديث ترمب على الجانب الأمني، بل امتد إلى مستقبل العلاقات السعودية–الإسرائيلية، التي اقترب الطرفان من تطبيعها قبل هجمات السابع من تشرين الأول 2023 والحرب التي أعقبتها على قطاع غزة. ويرى الرئيس الأميركي أن اتفاقاً من هذا النوع قد يصبح ممكناً مجدداً، في إطار المساعي التي تقودها واشنطن لتوسيع دائرة العلاقات بين إسرائيل والدول العربية.
وكانت اتفاقات أبراهام، التي أُبرمت خلال الولاية الأولى لترمب عام 2020، قد مهدت لتطبيع العلاقات بين إسرائيل وعدد من الدول العربية، بينها الإمارات والبحرين والمغرب. غير أن انضمام السعودية إلى هذا المسار يظل أكثر تعقيداً، نظراً إلى مكانتها السياسية والدينية، وحجم تأثيرها الإقليمي، فضلاً عن ارتباط موقفها من التطبيع بمستقبل القضية الفلسطينية.
وأكدت الرياض خلال السنوات الماضية أن إقامة علاقات طبيعية مع إسرائيل تتطلب وجود مسار واضح وموثوق نحو إقامة دولة فلسطينية. ويشكل هذا الشرط عقبة أساسية أمام التوصل إلى اتفاق، خصوصاً في ظل استمرار الحرب وتداعياتها الإنسانية والسياسية، وغياب تسوية تضمن للفلسطينيين حقوقهم الوطنية.
وكان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قد أشار، في مقابلة الثلاثاء، إلى أن عدداً كبيراً من دول الشرق الأوسط يسعى إلى الحصول على مساعدة إسرائيلية. وتأتي هذه التصريحات في سياق محاولة تل أبيب تقديم نفسها شريكاً أمنياً إقليمياً، مستفيدة من المخاوف المشتركة بشأن إيران والجماعات المسلحة المرتبطة بها.
لكن التقارب الأمني المحتمل لا يعني بالضرورة أن الرياض مستعدة للتخلي عن شروطها السياسية. فالتعاون في مواجهة تهديد عسكري محدد قد يختلف عن إقامة علاقات دبلوماسية كاملة، التي تتطلب حسابات داخلية وإقليمية أوسع، ولا سيما في ظل استمرار الحرب في غزة وعدم وجود أفق واضح لتسوية القضية الفلسطينية.
مواجهة الاتهامات بين الرياض وطهران
في المقابل، نفت إيران الجمعة أي دور لها في الهجمات الحوثية، رداً على اتهامات سعودية بأن طهران تشجع التصعيد وتواصل تسليح الجماعة وتدريب عناصرها ودعمها، بما يخالف قرارات مجلس الأمن الدولي. وأكدت وزارة الخارجية الإيرانية أن الحوثيين يتخذون قراراتهم وفق حساباتهم ومصالحهم، معتبرة أن اتهام طهران بالوقوف وراء عملياتهم لا يستند إلى أساس موثوق.
وأبدت إيران استعدادها للمساعدة في إنهاء الأعمال القتالية والوساطة بين الأطراف، في موقف يعكس محاولة احتواء الضغوط السياسية المتزايدة عليها. غير أن التباين بين الروايتين السعودية والإيرانية يثير شكوكاً بشأن فرص نجاح المساعي الدبلوماسية، خصوصاً في ظل تصاعد الهجمات وتراجع الثقة بين الجانبين.
وأعلن المتحدث باسم التحالف بقيادة السعودية اعتراض ثلاث طائرات مسيّرة في مناطق جنوب المملكة والرياض، إضافة إلى صاروخين مجنحين فوق البحر الأحمر وصاروخ باليستي فوق مدينة ينبع الساحلية، التي تضم محطة رئيسية لخط أنابيب نفطي. وتكتسب هذه الهجمات أهمية إضافية لأن السعودية تعد أكبر مصدر للنفط في العالم، فيما تشهد أسواق الطاقة اضطرابات مرتبطة بالحرب الإقليمية الأوسع وإغلاق إيران مضيق هرمز منذ فبراير الماضي.
ودان مجلس الأمن الدولي، الخميس، استمرار الهجمات الحوثية وتصاعدها ضد السعودية، إلى جانب التهديدات التي تستهدف الملاحة التجارية في البحر الأحمر ومضيق باب المندب، البوابة الجنوبية لقناة السويس. كما استنكر الهجمات على مطار الرياض، الذي قالت قوات التحالف إنه تعرض للاستهداف نحو عشرين مرة على الأقل خلال الشهر الجاري.
وفي تطور موازٍ، تعرض مجمع قصر المعاشيق في عدن، الذي يضم مقار الحكومة اليمنية، لهجوم صاروخي حوثي أسفر عن مقتل خمسة أشخاص وإصابة 16 آخرين، بحسب وزير الصحة اليمني. وقالت مصادر حكومية إن رئيس الوزراء شائع الزنداني كان موجوداً في المجمع وقت الهجوم، لكنه لم يصب بأذى. وأفادت روايات بأن الضربات استهدفت مراكز قيادة عسكرية ومستودعات أسلحة داخل المجمع.
وتكشف هذه التطورات أن التصعيد تجاوز المواجهات المحلية في اليمن، ليهدد الأمن السعودي والملاحة الدولية واستقرار أسواق الطاقة، بينما تتزايد المخاوف من اتساع رقعة الصراع الإقليمي.
الأمن بوابة للتطبيع أم بديل عن التسوية؟
قد تمنح الهجمات الحوثية إسرائيل فرصة لتعزيز موقعها بوصفها شريكاً أمنياً محتملاً للسعودية، لكن تحويل التهديدات العسكرية إلى مدخل للتطبيع لا يضمن تجاوز الخلافات السياسية العميقة. فالرياض تستطيع التعاون مع أطراف مختلفة لمواجهة أخطار مشتركة، من دون أن يعني ذلك قبولها بإقامة علاقات كاملة مع إسرائيل. وتبقى القضية الفلسطينية العامل الأكثر حساسية في هذه المعادلة، لأن أي اتفاق يتجاهل الحقوق الوطنية الفلسطينية قد يحقق مكاسب دبلوماسية مؤقتة، لكنه سيواجه اعتراضات شعبية وسياسية واسعة، ويضعف فرص بناء استقرار إقليمي مستدام.
البحر الأحمر والطاقة في قلب المواجهة
إن استهداف المنشآت النفطية والمطارات والسفن التجارية يكشف أن الحوثيين يمتلكون القدرة على تحويل الصراع اليمني إلى مصدر اضطراب يتجاوز حدود البلاد. فالمساس بأمن البحر الأحمر وباب المندب يهدد طرق التجارة العالمية، ويزيد تكاليف النقل والتأمين، بينما يؤدي استهداف البنية النفطية السعودية إلى تغذية المخاوف بشأن إمدادات الطاقة. ومن هنا، لا يمكن اختزال الأزمة في مواجهة عسكرية بين الرياض والحوثيين؛ بل أصبحت اختباراً لقدرة المجتمع الدولي على حماية الملاحة المدنية ومنع استخدام الاقتصاد العالمي ورقة ضغط في الصراعات الإقليمية.
حدود الرهان على المحور الأميركي–الإسرائيلي
تعكس تصريحات ترمب رغبة في الجمع بين المصالح الأمنية والتوسع الدبلوماسي، بحيث تصبح مواجهة الحوثيين فرصة لإحياء مشروع التطبيع السعودي–الإسرائيلي. غير أن نجاح هذه المقاربة يتوقف على استعداد واشنطن لمعالجة الأسباب السياسية التي تعرقل الاتفاق، وفي مقدمتها مستقبل الدولة الفلسطينية والحرب في غزة. فالضغط الأمني قد يدفع الأطراف إلى تنسيق محدود، لكنه لا يستطيع وحده إنتاج سلام مستقر. وإذا جرى التعامل مع المخاوف السعودية باعتبارها فرصة لتوسيع التحالفات فقط، من دون ضمانات سياسية حقيقية للفلسطينيين، فقد تتعثر المبادرة مجدداً وتبقى المنطقة أسيرة دورات التصعيد وعدم الثقة.
