اليمن الذي اختار فلسطين

 اليمن الذي اختار فلسطين

ميشيل شحادة

ميشيل شحادة
أكتب عن اليمن لا كشخص يقف على مسافة من الحدث، بل كابن لهذه المنطقة، وبأن شيئا من اليمن يسكنني. فما يجري في صنعاء وصعدة والحديدة ليس خبرا خارجيا بالنسبة لي، كما أن فلسطين ليست بندا في نشرة سياسية. هناك قضايا تصبح جزءا من تكوين الإنسان نفسه، واليمن، في السنوات الأخيرة، اختار أن يجعل فلسطين واحدة من هذه القضايا.
وهنا، قبل أن نتحدث عن الحرب الجديدة مع السعودية، يجب أن نتوقف عند ما أراه المعنى الأعمق للمشهد كله: اليمن دفع ثمن موقفه من فلسطين، لكنه لم يساوم عليه.
منذ الأسابيع الأولى للحرب على غزة، لم تكتفِ صنعاء بالبيانات. ففي 18 أكتوبر/تشرين الأول 2023 بدأت إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة باتجاه الكيان الصهيوني، ثم نقلت المواجهة إلى البحر الأحمر، معلنة أن عملياتها مرتبطة بالحرب على غزة. وعندما دخل وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في يناير/كانون الثاني 2025، أعلنت أنها ستربط استمرار عملياتها بمدى الالتزام به، وأنها ستعود إليها إذا استؤنفت الحرب. وحين عاد القتال، عادت العمليات.

يمكن الاختلاف في تقييم الوسائل، وكلفتها، والنتائج التي ترتبت عليها. لكن يصعب تجاهل ثبات الموقف نفسه.
في منطقة أتقنت فيها حكومات كثيرة فن البيانات، كان اليمن الفقير المحاصر واحدا من البلدان القليلة التي قررت أن تجعل موقفه من غزة مكلفا له هو أيضا.
وهنا تكمن المفارقة المؤلمة.
دول تملك مئات المليارات اكتفت غالبا بالتصريحات والمساعدات والمناشدات، بينما بلد أنهكته عشر سنوات من الحرب والحصار والمجاعة اختار أن يربط أحد أهم الممرات البحرية في العالم بمصير الفلسطينيين في غزة.
لم يقل اليمن إن فلسطين قضيته ثم يعود إلى حياته الطبيعية.
لقد أدخل فلسطين في حساباته الأمنية والعسكرية والسياسية، وقَبِل أن تأتيه تبعات ذلك من الولايات المتحدة وبريطانيا و”إسرائيل”، وأن تُقصف موانئه ومطاراته ومنشآته وهو بلد بالكاد أعاد ترميم شيء من خرابه.
هذه ليست مسألة قوة عسكرية فقط.
إنها مسألة معنى.
فالوقوف مع فلسطين يصبح مختلفا حين تعرف أن له ثمنا، ثم تقرر دفعه.
وقد شهد اليمن خلال هذه السنوات ضربات أميركية وبريطانية و”إسرائيلية” استهدفت مواقع ومنشآت حيوية، بينها موانئ البحر الأحمر، بينما أصرت صنعاء على أن عملياتها جزء من إسناد الفلسطينيين. وأصبحت هذه العلاقة بين غزة والبحر الأحمر أمرا واقعا في الحسابات الدولية نفسها، لا مجرد خطاب يمني.
ومن يتابع شوارع صنعاء يدرك أن المسألة لم تُقدَّم هناك كقرار عسكري معزول. فقد استمرت المسيرات الجماهيرية المليونية المرتبطة بفلسطين، وحتى في أكتوبر/تشرين الأول 2026 كانت ساحات صنعاء والمحافظات تستقبل حشودا تحت شعار “ثباتا مع فلسطين” في الوقت نفسه الذي كانت فيه البلاد تواجه تصعيدا سعوديا جديدا.
وهذا ما يجعل حرب النظام السعودي الأخيرة على اليمن أكثر مرارة.
كان يفترض أن تكون السنوات العشر الماضية قد أقنعت الرياض بأن اليمن لا يُقصف إلى الطاعة.
دخلت السعودية الحرب عام 2015 بكل ما يستطيع المال شراءه: الطائرات الحديثة، والصواريخ، والاستخبارات، والخبراء، والدعم الأميركي والبريطاني، وحشود المرتزقة، وتحالف إقليمي واسع. وفي الجهة الأخرى كان بلد من أفقر بلدان العالم.
ومع ذلك لم تُحسم الحرب.
لم تسقط صنعاء.
ولم تنجح القوة الجوية في تحويل اليمن إلى بلد يقبل أن يُملى عليه مستقبله من الخارج.
والدرس بسيط، لكنه صعب على عقل القوة: التريليونات تستطيع شراء السلاح، لكنها لا تستطيع شراء إرادة شعب ثابت.
في يوليو/تموز الماضي عاد التصعيد عندما استُهدف مطار صنعاء من قبل النظام السعودي، بغطاء ودعم أميركيين، ثم توسعت المواجهة من جديد. ومنذ ذلك الوقت عاد المنطق الذي كان ينبغي دفنه: الحصار بالحصار، التصعيد بالتصعيد، والمطار بالمطار، والعمق بالعمق.
وبحسب آخر حصيلة أعلنتها صنعاء مساء 9 أكتوبر، بلغ عدد الغارات الجوية والهجمات الصاروخية منذ بدء التصعيد الأخير 1934 ضربة، قبل أن يستمر القصف في اليوم التالي. وفي المقابل، وصلت الصواريخ اليمنية إلى العمق السعودي، وتعطلت الحركة في مطار الملك خالد بالرياض، ووصلت الصواريخ اليمنية إلى قلب العاصمة السعودية.
ولا يجوز هنا أن ننسى المدنيين، يمنيين كانوا أم سعوديين. فالطفل في صنعاء والموظف في مطار الرياض ليسا من يقرر الحرب.
لكن المعنى السياسي واضح: لم تعد السعودية قادرة على قصف اليمن بافتراض أن اليمن وحده سيدفع الثمن.
وهذه هي المعضلة التي لم تستوعبها الرياض بعد.
فاليمن ليس قوة عظمى، ولا يملك اقتصادا يقترب حتى من الاقتصاد السعودي. لكنه يملك ما لا يمكن شراؤه من مصانع السلاح: أرضا وعرة، مجتمعا خبر الحرب، ذاكرة طويلة، وقدرة متراكمة على الاحتمال، وإرادة صلبة في الدفاع عن قراره.
لقد عرف اليمن المجاعة والحصار والغارات.
وعرف الأعراس التي تحولت إلى مآتم، ومجالس العزاء التي قصفت، والمدارس والمستشفيات والجسور والأسواق التي أصابتها الحرب. وهذه ليست رواية عاطفية فقط؛ جزء كبير منها موثق في تقارير المنظمات الحقوقية الدولية.
ولهذا فإن القصف الجديد لا يقع على أرض بلا ذاكرة.
كل انفجار يستدعي انفجارا سابقا.
وكل طائرة في سماء صنعاء توقظ عشر سنوات من الدم.
لكن السعودية إذا استمرت بهذا العدوان، فإنها لا تعيد فقط فتح جبهة عسكرية. إنها توقظ أيضا ذاكرة أعمق. ففي الوعي اليمني القومي ما زالت جيزان وعسير ونجران تعتبر لدى قطاعات يمنية واسعة بوصفها أراضي يمنية تاريخية انتُزعت من اليمن، ويطالبون باستعادتها.
لكن أهم ما أخشاه أن تُقرأ مواجهة اليمن الجديدة باعتبارها شأنا سعوديا يمنيا منفصلا عن المشهد الأكبر.
فهي ليست منفصلة تماما.
اليمن الذي يُقصف اليوم هو نفسه اليمن الذي ربط مصيره بغزة، وفتح البحر الأحمر على سؤال فلسطين، ورفض أن يتعامل مع إبادة الفلسطينيين باعتبارها شأنا خارجيا.
وهنا تحديدا أجد شيئا يستحق التأمل عربيا.
نحن أمة تقول منذ سبعين عاما إن فلسطين قضيتها المركزية.
لكن في لحظة الامتحان، بدا أحيانا أن أفقرنا كان من أكثرنا استعدادا لدفع ثمن هذا القول.
اليمن لم يحرر فلسطين.
ولم توقف عملياته وحدها الحرب.
ولا ينبغي تحويل التضامن إلى أسطورة منفصلة عن نتائجه وكلفته.
لكن شيئا لا يمكن إنكاره حدث: أعاد اليمن إلى العبارة القديمة “فلسطين قضية العرب” شيئا من معناها الذي أفرغته العقود من مضمونه.
قال، بالفعل لا بالخطب وحدها، إن غزة ليست بعيدة.
وإن دم الفلسطيني لا يصبح أقل قيمة لأنه يسيل خلف حدود دولة أخرى.
وإن البحر الذي يمر أمام اليمن يستطيع أن يصبح جزءا من معركة أخلاقية وسياسية تقع على بعد أكثر من ألفي كيلومتر.
لهذا، حين أرى اليمن اليوم تحت القصف مرة أخرى، لا أراه مجرد طرف في حرب إقليمية.
أرى بلدا عربيا فقيرا دفع من جسده ثمنا لموقف لم يكن مضطرا، بالمقياس المصلحي الضيق، إلى اتخاذه.
وأرى سؤالا يواجهنا جميعا:
ما معنى أن نقول إن فلسطين قضيتنا، إذا لم يكن لهذا القول أي ثمن؟
السعودية تستطيع أن تختلف مع صنعاء، وتستطيع أن تخشى قوتها، وتستطيع ان تدعي أنها تدافع عن أمنها. لكن العودة إلى محاولة إخضاع اليمن بالقصف لن تمحو الموقف اليمني من فلسطين، ولن تعيد الزمن إلى ما قبل غزة، ولن تلغي حقيقة أن بلدا كان يُعامل طويلا كأحد هوامش المنطقة أصبح لاعبا في قلب معادلاتها.
والحكمة اليوم ليست في اختبار كم صاروخ تستطيع السعودية إسقاطه، ولا كم غارة تستطيع أن تشنها.
الحكمة في فهم اليمن.
فهذا بلد تستطيع أن تهدم جسره، فيبحث عن طريق آخر.
وتستطيع أن تقصف مطاره، فيضع مطارك داخل المعادلة.
وتستطيع أن تحاصره، فيتعلم كيف يعيش داخل الحصار.
لكن الأصعب أن تنتزع منه ما يعتبره قضية كرامة.
وفلسطين، بالنسبة إلى اليمن الذي نراه اليوم، أصبحت من هذا النوع من القضايا.
ويجب الاعتراف بحقيقة تستحق أن تُكتب بوضوح:
حين كان كثيرون يحسبون كلفة الوقوف مع فلسطين، كان اليمن يحسب كيف يستطيع أن يقف معها.
وحين أصبح ثمن ذلك الموقف قصفا وحصارا ومواجهة مع قوى تفوقه مالا وسلاحا، لم يتراجع عنه.
وهذه، في زمن أصبحت فيه المبادئ قابلة للبيع والشراء، ليست تفصيلة صغيرة.
إنها قصة اليمن في هذه المرحلة.
بل ربما أجمل ما في هذه القصة وأقساها معا:
أن بلدا أنهكه الجوع والحرب وجد في قلبه متسعا لوجع فلسطين، وأن شعبا يحتاج من يقف معه اختار، رغم جراحه، أن يقف مع شعب فلسطين.
كاتب فلسطيني

Al Enteshar Newspaper

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *