حين يصبح القائد جزءاً من وجدان الناس
ميشيل شحادة
ميشيل شحادة
في ذكرى اغتيال السيد حسن نصرالله، لا يعود إلى الذاكرة رجل غاب فحسب، بل مرحلة كاملة من الوعي العربي، ومن معنى المقاومة كما عاشه الناس وشعروا به في لبنان وفلسطين والمنطقة. فبعض القادة تنتهي قصتهم عندما يغادرون المشهد، وبعضهم يبقى حاضراً لأنّ أثره لا يستقر في المؤسسات وحدها، بل في وجدان الناس، وفي الطريقة التي علمهم بها أن ينظروا إلى أنفسهم وإلى العالم.
كان السيد الشهيد حسن نصرالله من هذا النوع النادر.
لم يكن تأثيره في جمهوره نابعاً من المنصب وحده، ولا من الحزب الذي قاده، ولا حتى من قدرته الخطابية الاستثنائية. كان أعمق من ذلك. فقد نفذ إلى أعمق ما في وجدان الشعوب التي تعيش تحت الخوف والاحتلال والحروب: صورتها عن نفسها، وعن قدرتها على الفعل وتغيير مصيرها.
كان يعرف أنّ الهزيمة لا تبدأ حين يخسر الإنسان معركة، بل حين يقتنع بأنّ خصمه أقوى منه إلى الأبد، وأنّ مصيره قد كُتب سلفاً، وأن لا مكان له في صناعة التاريخ. ولذلك لم يكن يخاطب الناس ليشرح لهم السياسة فقط، بل ليعيد إليهم شعورهم بالقدرة، وأنّ ميزان القوى، مهما بدا صلباً، ليس قدراً لا يتغيّر.
من هنا كانت فلسطين في قلب خطابه، لا هامشاً فيه.
لم يتعامل معها كقضية بعيدة تُستدعى في المناسبات، بل كمرآة يختبر فيها معنى الحرية والاحتلال والكرامة ومستقبل المنطقة كلها. وكان يرى أنّ المعركة مع الكيان الصهيوني ليست على الأرض وحدها، بل على الوعي أيضاً: هل يقبل الفلسطيني والعربي أن يعيش داخل صورة العجز التي رسمها له خصمه، أم يستطيع أن يبني لنفسه صورة أخرى؟
كان يتحدث إلى العقل والوجدان في وقت واحد. يشرح موازين القوى، يقرأ حركة الخصم، يستعيد التاريخ، ثم يعود إلى الإنسان نفسه: إلى خوفه وقلقه وحاجته إلى الأمل.
وكان يدرك أنّ المجتمع الذي يعيش تحت التهديد يحتاج إلى السلاح والتنظيم، لكنه يحتاج أيضاً إلى شيء لا يقلّ أهمية: الثقة بالنفس.
ولهذا كانت كلماته، بالنسبة إلى كثيرين، أكثر من خطب سياسية. كانت تدخل في الحالة النفسية للناس. حين تهبط المعنويات، كان يحاول أن يرفعها. وحين يثقل الخوف، كان يعيد ترتيب المشهد. وحين يشتد الألم، كان يمنحه معنى يمكن احتماله.
وكان وراء ذلك عقل مولع بالمعرفة. لم يتعامل مع التاريخ والثقافة وتجارب الشعوب باعتبارها زينة فكرية، بل أدوات لفهم الواقع. كان يقرأ حركات التحرر، والانتصارات والهزائم، وتحوّلات القوة، لا لكي يقيم في الماضي، بل لكي يسأل الحاضر عما يمكن فعله.
فالفرق كبير بين من يقرأ التاريخ ليعرف ماذا حدث، ومن يقرأه ليسأل: لماذا حدث؟ ماذا نتعلّم منه الآن؟ وماذا ينبغي أن نفعل حياله؟
وهنا التقت المعرفة بالممارسة في شخصيته. لم يكن الفكر عنده منفصلاً عن الفعل، ولا التاريخ مخزناً للذكريات، بل مادة للقرار. وهذه واحدة من أكثر السمات التي ستبقى جديرة بالدراسة في تجربته: كيف تتحوّل المعرفة إلى وعي، والوعي إلى تنظيم، والتنظيم إلى قدرة على تغيير الواقع.
لكن السيد حسن لم يدخل قلوب الناس بالتحليل وحده.
كان خفيف الظلّ، سريع البديهة، حاضر النكتة. تبتسم الناس حين يبتسم، وتضحك حين يروي طرفة. كان يستطيع أن ينتقل من حديث عن الحرب والاستراتيجية إلى كلمة شعبية أو مفارقة صغيرة تخفف ثقل اللحظة، من دون أن يفقد هيبته أو جدية ما يقول.
وهذا القرب الإنساني كان جزءاً من سر السيد حسن.
لم يره كثيرون زعيماً بعيداً خلف المنابر، بل معلماً وصديقاً وجاراً، وأخاً وأباً. أحبوه لأنهم شعروا أنه يحبهم؛ يعرف خوفهم، ويشعر بألمهم، ويحترم عقولهم، ولا ينظر إليهم كجمهور يُستدعى عند الحاجة إلى التضحية. كان يشعرهم أنه يتحدث معهم، لا إليهم.
وهذه ليست مسألة عاطفية عابرة. فالقائد الذي لا يعرف مجتمعه من الداخل قد يستطيع أن يديره، لكنه لا يستطيع أن يسكن وجدانه. ونصرالله فهم أنّ المجتمع المقاوم لا يعيش بالسلاح وحده، بل بالشعور بالكرامة والانتماء، وبالإحساس أنّ تضحياته ليست هباء، وأنه شريك في المعركة لا وقود لها.
ولهذا تجاوز أثره لبنان. وجد فيه كثير من الفلسطينيين والعرب صورة لقائد يقول لهم إنّ التفوق الصهيوني ليس نهاية التاريخ، وإنّ الضعف ليس هوية، وإنّ المجتمع المنظم يستطيع أن يصنع من موارده المحدودة قدرة أكبر من حجمها.
وكانت فلسطين، في هذا المعنى، أكثر من قضية سياسية في خطابه. كانت معياراً لمعنى العدالة والكرامة، ومقياساً لما إذا كانت المنطقة ستقبل بأن يُفرض عليها الاحتلال والتفوق بالقوة، أم ستظلّ قادرة على إنتاج مقاومة ترفض تحويل الهزيمة إلى قدر دائم.
ومن هنا لم يكن حضوره في الوجدان العربي نابعاً من لبنان وحده. كان مرتبطاً أيضاً بكلّ لحظة شعر فيها الفلسطيني أنه يقاوم وحيداً، وبكلّ عربي رأى في فلسطين جرحاً مفتوحاً يمسّ كرامة المنطقة كلها. لقد أعاد، بالنسبة إلى جمهوره، وصل ما حاولت سنوات طويلة من الهزائم والتسويات أن تفصله: أنّ ما يحدث في فلسطين ليس شأناً فلسطينياً منعزلاً، وأنّ الدفاع عن حقها في الحرية هو أيضاً دفاع عن قدرة شعوب المنطقة على تقرير مصيرها.
فالقائد التاريخي لا يُقاس فقط بما ربحه أو خسره، بل بما يتركه بعده من معان وأسئلة تواصل الأجيال البحث عن إجابات لها.
وتجربة الشهيد نصرالله تطرح، في جوهرها، سؤال قدرة المجتمع المهدّد على حماية ثقته بنفسه، وكيف يمكن للمعرفة أن تتحوّل إلى ممارسة، وللتاريخ أن يصبح دليلاً للفعل لا قيداً عليه. كما تطرح معنى القيادة التي تجمع بين الصرامة والحنان، وبين الهيبة والقرب، وبين التفكير الاستراتيجي والانتباه إلى الإنسان الذي يتحمّل أعباء الصراع.
وفي قلب ذلك كله تبقى فلسطين؛ ليس بوصفها قضية سياسية عابرة، بل سؤالاً مفتوحاً عن قدرة منطقة كاملة على الاحتفاظ بذاكرتها وكرامتها في وجه محاولات إقناعها بأنّ الاحتلال حقيقة نهائية وأنّ مقاومته عبث. ومن هنا فإنّ أثر نصرالله لا يُختصر بما قاله، بل بما جعل أعداداً كبيرة من الناس يشعرون أنهم قادرون على فعله، وبالإحساس الذي زرعه فيهم بأنّ موازين القوة، مهما بدت قاسية، ليست قدراً أبدياً.
وفي ذكرى اغتياله، يصبح هذا ربما أكثر ما يستحق التوقف عنده. فبعض القادة يتركون وراءهم مؤسسة، وبعضهم يتركون خطاباً، أما القلة النادرة فتترك في وجدان الناس إحساساً بأنّ التاريخ، مهما بدا مغلقاً، يمكن للإنسان أن يدفع بابه بيديه.
وحسن نصرالله كان من أولئك الذين جعلوا أعداداً كبيرة من الناس تؤمن بأنّ الكرامة ليست كلمة، وأنّ المعرفة يمكن أن تصبح قوة، وأنّ المقاومة تبدأ في العقل والوجدان قبل أن تصل إلى الميدان.
وما دامت فلسطين تبحث عن حريتها، وما دامت شعوب المنطقة تقاوم الاحتلال والظلم والعنصرية والاستكبار، سيبقى في تجربة القائد الشهيد ما يستحق أن يُقرأ، لا ليُقدَّس، بل ليفهم؛ لا ليُكرّر، بل لنتعلم منه كيف يمكن للإنسان، حين يعرف لماذا يقاوم، أن يبقى واقفاً حتى في أشدّ الأزمنة قسوة…
