تحقيقٌ استقصائيٌّ: إسرائيل تُمارِس الإجرام الوحشيّ بالجنوب السوريّ المحتّل كما الضفّة الغربيّة ولبنان.. مسؤولٌ سوريٌّ رفيعٌ: “حكومة الشرع لا ترى مشكلةً بالاعتقالات وإسرائيل تُساعِدُنا بالتخلّص من إرهابيي إيران”
في تحقيقٍ استقصائيٍّ أجرته إليزابيث زوركوف، طالبة دكتوراه في العلوم السياسيّة والتي تقوم بإجراء أبحاث حول سوريّة منذ 18 عامًا، كُشِف النقاب عن أنّ “قوات الجيش الإسرائيليّ تقتحم المنازل في منتصف الليل. ويُحتجز عشرات المعتقلين في السجون لأشهر دون محاكمة. ويُمنع المزارعون من زراعة أراضيهم. ألا يبدو هذا مألوفًا؟ هذا ليس وصفًا للوضع في الضفة الغربيّة، بل لما يحدث حاليًا تحت الاحتلال الإسرائيلي داخل سوريّة.
وتابعت في التحقيق، الذ نشرته في صحيفة (هآرتس) العبريّة أنّه “مع تزايد مخاوف سكان جنوب سوريّة من إسرائيل، تتصاعد العداوة. في الواقع، يعتقد الخبراء الذين يتابعون ما يجري عبر الحدود أنّ إسرائيل تنصب لنفسها فخًا. ومن المفارقات أنّ استمرار الاحتلال الإسرائيليّ سيخلق تحديدًا التهديدات التي كان من المفترض أنْ يمنعها، على غرار الاحتلال المطول في لبنان الذي ساهم في صعود حزب الله”.
وقال الدكتور نير بومز، الباحث في منتدى التعاون الإقليميّ: “نحن نبني أعداءً هناك، لا أصدقاء. نشهد تصاعدًا في النشاط ضدّنا. ستكمن المشكلة عندما تبدأ الهجمات هناك، وحينها سيتغير الوضع الأمنيّ في جنوب لبنان”.
وعلّق باحثٌ سوريٌّ أمريكيٌّ زار المنطقة وطلب عدم الكشف عن هويته وقال “المنطقة أشبه بقنبلةٍ موقوتةٍ”، وأضاف الباحث، المتخصص في الشؤون الأمنيّة، أنّ “الوضع هناك ينذر بالخطر. لقد رأينا ذلك في العراق وأفغانستان: التفاعل بين العسكريين والمدنيين يؤدي إلى حرب عصاباتٍ، الذي يكتسب زخمًا متزايدًا هناك”.
وأردف التحقيق: “تشمل الأنشطة الإسرائيليّة على الأرض عناصر مختلفة مُستنسخة من مناطق أخرى تُدير فيها إسرائيل احتلالاً للسكان (الضفة الغربية) وتُسيطر على مناطق عازلة شبه خالية من السكان (جنوب لبنان وقطاع غزة). ومع ذلك، من الواضح أنّ سلوك الجيش الإسرائيليّ لم يتكيّف مع بيئةٍ مكتظةٍ بالسكان، حيث لا يشارك السكان في أنشطةٍ ضدّ القوات”.
“وإضافةً إلى الاعتقالات عند نقاط التفتيش، يُداهِمْ الجيش منازل السكان، ويجري عمليات تفتيش واعتقالات. وقال صحافيٌّ من القنيطرة: “لا يطرقون الباب، بل يكسرونه دائمًا”. وأفاد سكان المنطقة بأنّ عمليات التفتيش تُصاحبها عمليات تخريب للممتلكات”. كما أبلغ عشرات السكان عن نهب الدولارات والمجوهرات وحتى المواد الغذائيّة.
وبحسب التحقيق، “يُستجوَبْ معظم المعتقلين في مراكز الجيش الإسرائيليّ لبضع ساعاتٍ أوْ ليومٍ كاملٍ، ثم يُطلق سراحهم. إلّا أنّه بالإضافة إلى المعتقلين الذين أُطلق سراحهم بعد فترة وجيزة، نُقل أكثر من 60 سوريًا إلى مراكز الاحتجاز الإسرائيليّة في معتقل (سديه تيمان) وسجن عوفر، وسجن جلما. ووفقًا لإحصاءات محامٍ سوريٍّ يُمثل معتقلي القنيطرة لدى منظمات حقوق الإنسان الدوليّة، يُحتجز حاليًا 39 معتقلًا سوريًا في إسرائيل، من بينهم ثلاثة قاصرين وواحد من ذوي الاحتياجات الخاصة. ويُقدّر المحامي وجود معتقلين سوريين آخرين لا يعلم بأمرهم، قادمين من مناطق أخرى في سوريّة. وقال: “علمتُ من بين المعتقلين الفلسطينيين الذين أُطلق سراحهم، باعتقال شبان من منطقة دمشق كانوا محتجزين معهم في السجون”.
ووصف معتقلون في سجن (سديه تيمان) الإسرائيليّ تعرضهم للتعذيب على أيدي الحراس كجزءٍ من إجراءات السجن الروتينيّة، بما في ذلك التجويع والتقييد لفترات طويلة. وأدلى عددٌ قليلٌ منهم بشهادات تفيد بتعرضهم للتعذيب أثناء الاستجوابات لانتزاع اعترافات منهم.
وأوضحت معدة التحقيق “لا تتواصل عائلات المعتقلين معهم. ورغم قرار المحكمة العليا الإسرائيليّة في يونيو من هذا العام، الذي أمر باستئناف زيارات الصليب الأحمر إلى السجون الأمنية، تقول المنظمة إنّه “منذ أكتوبر 2023، لم تتمكّن اللجنة الدوليّة للصليب الأحمر من الوصول إلى السجناء المحتجزين في مراكز الاحتجاز الإسرائيليّة، بمن فيهم مواطنون سوريون”.
وقال أحد السوريين المحتجزين في سجن (سديه تيمان): “كانت الحياة في الحجز سلسلةً لا تنتهي من الإهانات. أجبرونا على النوم على بطوننا على الأرضيّة الإسمنتيّة، أحيانًا لمدة ساعةٍ متواصلةٍ، في منتصف الليل أو خلال النهار. كانوا يدخلون في الساعة الثالثة صباحًا أو الثامنة مساءً ويطلقون قنابل صوتية”.
وأقرّ مسؤولٌ حكوميٌّ سوريٌّ رفيع المستوى بأنّ “الحكومة السوريّة لا ترى أيّ مشكلةٍ في الاعتقالات، بل على العكس تمامًا. فهي ترى أنّ إسرائيل تساعد في التخلص من إرهابيي إيران أوْ المتعاونين معها. ويتم إطلاق سراح المدنيين الأبرياء في نهاية المطاف، ونستفيد من هذه الاعتقالات لكسب تعاطفٍ دوليٍّ ومحليٍّ”.
وإلى جانب الاعتقالات والمداهمات، يُلحق الاحتلال ضررًا بالغًا بالقدرة على الكسب لدى سكان المنطقة. وحتى في غياب أيّ وجودٍ عسكريٍّ أجنبيٍّ، فإنّ الوضع الاقتصادي للسوريين مزرٍ.
كما بدأت إسرائيل برشّ النباتات على طول السياج بمواد كيميائية قاتلة. هذه الممارسة، التي استُخدمت أيضًا على حدود غزة قبل 7 أكتوبر، كانت تهدف إلى كشف المنطقة ومنع التسلل إلى مرتفعات الجولان الإسرائيلية. ونتيجة لذلك، دُمّرت الحقول الزراعية والمراعي وخلايا النحل في مرتفعات الجولان السوريّة.
واختُتِم التحقيق: “تُعدّ سياسة إسرائيل في جنوب سوريّة جزءًا من سياسةٍ عامّةٍ لإنشاء مناطق عازلة، نابعة من صدمة 7 أكتوبر. إلّا أنّه في حالة سوريّة، فإنّ احتلال المنطقة العازلة يزيد في الواقع من المخاطر التي يتعرض لها الجنود، فبدلًا من التمركز في مواقع محصنةٍ ومحميةٍ بالخنادق ووسائل المراقبة والنيران، يتنقل الجنود بين السكان الذين تزداد عداوتهم مع كلّ عملية اعتقالٍ وتفتيشٍ”.
