فيلم “نازا” الإسرائيلي.. عندما تتحول دماء غزة إلى خوارزميات صامتة على أسطح تل أبيب
في سابقة سينمائية وسياسية هزت الأوساط الفنية والحقوقية على حد سواء، تحول الفيلم الوثائقي الإسرائيلي “نازا” فور عرضه العالمي الأول في أيلول من العام ألفين وستة وعشرين، ضمن المسابقة الرسمية لمهرجان البندقية السينمائي الدولي، إلى حدث زلزالي تجاوز حدود الشاشة الفضية ليضرب في عمق المنظومة العسكرية والسياسية لإسرائيل.
الفيلم الذي أخرجه الثنائي الإسرائيلي يوفال أبراهام وراحيل شور، اللذان سبق وأن حصدا اهتماما عالميا واسعا بفيلمهما “لا أرض أخرى”، لا يقدم مجرد سردية توثيقية اعتيادية لما يجري في قطاع غزة، بل يغوص بمشرط جراح قاسٍ في الغرف المغلقة وكواليس الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية، كاشفا النقاب عن آليات الاستهداف والقتل الممنهج التي تدار بواسطة خوارزميات الذكاء الاصطناعي، حيث يتحول الإنسان الفلسطيني إلى مجرد رقم هامشي في معادلة عسكرية باردة.

دلالة الاسم وفلسفة الدم المستباح
لم يأتِ اختيار اسم الفيلم “نازا” من فراغ، بل هو اختصار قاطع لمصطلح عسكري استخباري عبري هو “نيزيك أغافي”، والذي يعني باللغة العربية “الضرر الجانبي” أو “الأضرار التبعية”.
وفي القاموس العسكري لجيش الاحتلال، لم يعد هذا المصطلح مجرد توصيف عرضي لحادثة غير مقصودة، بل تحول، كما يثبت الفيلم، إلى حصة رقمية مسموح بها ومحسوبة سلفا ضمن برمجيات الذكاء الاصطناعي التي تدير بنك الأهداف في غزة.
لقد كشف الفيلم بالدليل القاطع، وعبر شهادات حية، كيف تحدد المنظومة العسكرية سلفا عدد المدنيين من النساء والأطفال وكبار السن الذين يُسمح بإبادتهم كـ “ضرر جانبي” مقابل اغتيال هدف عسكري واحد، وكيف يتم إدخال هذه المعطيات في حواسيب لا تعرف الرحمة، لتصدر أوامر القصف بشكل آلي.
هذا العنوان يعكس الفلسفة المرعبة التي تتبناها المؤسسة العسكرية، حيث يتم تجريد الضحايا من إنسانيتهم وأسمائهم وأحلامهم، ليصبحوا مجرد أضرار جانبية مباحة في سبيل تحقيق ما يسمى بالردع أو القضاء على الأهداف المعادية، وهو ما يطرح أسئلة أخلاقية وقانونية عميقة حول استخدام التكنولوجيا في حروب الإبادة.
وفي معرض حديثه عن الدوافع العميقة لصناعة هذا العمل، قال مخرج الفيلم يوفال أبراهام في تصريحات لوكالة فرانس برس: “نحن نفسح المجال أمام الجنود والضباط للتحدث عما فعلوه”، مضيفا بوضوح: “أردنا أن نسمع، وبأكبر قدر ممكن من التفاصيل، كيف كانت تبدو منظومات القتل في غزة وكيف كانت تعمل”. هذه الرغبة في تفكيك آلة القتل هي ما منحت الفيلم طابعه الاعترافي القاسي، حيث تم إخفاء هويات الجنود وتعديل أصواتهم لحمايتهم، لتتحول الشاشة إلى قاعة اعترافات تدين المنظومة بأكملها.

هندسة الموت من أسطح تل أبيب
من الناحية الفنية والسينمائية، اختار المخرجان يوفال أبراهام وراحيل شور أسلوبا بصريا يعكس التناقض الصارخ بين واقعين متوازيين.
فقد تم تصوير الفيلم بالكامل وبسرية تامة على مدار ثلاث سنوات، ليلا على أسطح مبانٍ متفرقة في قلب مدينة تل أبيب.
هذا الخيار المكاني لم يكن اعتباطيا، بل جاء ليجسد حالة الانفصام المرعبة؛ ففي الأسفل، شوارع مضاءة، ومقاهٍ تعج بالحياة، وحركة مرور طبيعية لمدينة تعيش في أمان، بينما على الأسطح المظلمة، وتحت سماء الليل، تُسرد تفاصيل أبشع عمليات القتل والدمار التي تُنفذ على بعد كيلومترات قليلة في قطاع غزة المحاصر.
اعتمد الفيلم، الذي تبلغ مدته نحو ثمانين دقيقة، على لغة بصرية ونفسية خانقة، حيث تتخلل اللقطات الليلية الهادئة أصوات طائرات حربية تحلق في الأفق البعيد، أو دوي مكتوم لصافرات الإنذار، لتعزيز الشعور بالتوتر.
وفي قلب هذا المشهد، يقدم الفيلم أربعة وعشرين شاهدا ومخبرا من داخل وحدات النخبة في الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية، وتحديدا وحدة “أمان” وسلاح الجو.
ولضمان حماية هويات هؤلاء الجنود والضباط، الذين ما زال بعضهم في الخدمة الاحتياطية أو سُرحوا حديثا، لجأ صناع العمل إلى تقنيات تعديل رقمية متطورة غيرت ملامحهم وأصواتهم بالكامل، لتتحول الشاشة إلى ما يشبه غرفة اعتراف باردة، خالية من أي انفعالات عاطفية، حيث يسرد هؤلاء تفاصيل عمليات الإبادة التقنية ببرود بيروقراطي يبعث على القشعريرة.

خوارزميات الإبادة.. “أين الأب؟”
يغوص الفيلم في تفاصيل تقنية مرعبة من خلال فصوله المتعاقبة، ولعل أبرزها الفصل الذي يحمل عنوان “أين الأب؟”.
في هذا الجزء، يكشف الضباط عن برنامج ذكاء اصطناعي يحمل هذا الاسم الفعلي، وظيفته الوحيدة هي تتبع الأهداف المدرجة على قوائم الاغتيال، ليس لقتلهم في ساحة المعركة أو في مقارهم العسكرية، بل للانتظار حتى يعودوا إلى منازلهم وبين عائلاتهم.
وبمجرد أن ترصد الخوارزمية دخول الهدف إلى منزله، تعطي إشارة الضوء الأخضر للطائرات الحربية بتدمير المربع السكني بالكامل فوق رؤوس قاطنيه.
وتؤكد الشهادات في الفيلم أن هذا النظام تسبب في إبادة عائلات بأكملها بناء على بيانات خاطئة أو قديمة، حيث تم قصف المنازل في كثير من الأحيان بعد مغادرة الهدف أو حتى لعدم تواجده من الأساس، ليُسجل المئات من الأطفال والنساء كـ “ضرر جانبي” في سجلات الجيش.
ينتقل الفيلم بعد ذلك إلى فصل “منطقة الإبادة”، والذي يشرح كيف يتم تحديد مربعات سكنية كاملة باعتبارها مناطق نيران حرة، تُمسح من الخريطة بغض النظر عن الكثافة السكانية، استنادا إلى تحليلات حاسوبية تعتبر أن كل من يتحرك في تلك المنطقة هو هدف مشروع.
ولا يغفل الفيلم ربط هذه الممارسات الميدانية بالقرارات السياسية العليا، حيث يسلط الضوء في فصل “قسم نتنياهو” على التوجيهات المباشرة من المستوى السياسي التي منحت الجيش تفويضا مفتوحا لاستخدام أقصى درجات العنف التقني دون الالتفات إلى العواقب الإنسانية أو القانونية الدولية.

تحالف استقصائي وسينمائي دولي
لم يكن لهذا العمل أن يرى النور بهذا الزخم لولا تضافر جهود استقصائية وسينمائية عالمية.
فقد بُني الفيلم في أساسه على سلسلة من التحقيقات الصحفية الرصينة التي قادها المخرج يوفال أبراهام بالتعاون مع منصات إسرائيلية مستقلة مثل “سيحا مكوميت” ومجلة “بلس تسعة سبعة اثنين”، وبدعم محوري من صحيفة “الغارديان” البريطانية.
الصحفيان البارزان من الغارديان، هاري ديفيز وليندسي بولتون، لعبا دورا أساسيا في توفير الغطاء الاستقصائي والمادة الصحفية الموثقة التي استند إليها السيناريو.
وعلى الصعيد الإنتاجي، شكل انضمام المنتج البريطاني الشهير جيمس ويلسون، عبر شركته المتخصصة في الأعمال ذات الطابع السياسي الصادم، إضافة نوعية للعمل.
لكن المفاجأة الكبرى كانت في مشاركة المخرج البريطاني العالمي جوناثان غلايزر بصفة منتج منفذ.
غلايزر، الذي أذهل العالم بفيلمه “منطقة الاهتمام” الفائز بالأوسكار والذي تناول برود الحياة العائلية لقادة النازية بجوار معسكرات الإبادة، أضفى بلمساته على فيلم “نازا” طابعا فلسفيا يربط بين أهوال الهولوكوست التاريخية وبرود المنظومات التقنية الحديثة التي تدير عمليات الإبادة في غزة اليوم، في مقاربة سينمائية أثارت حفيظة الكثيرين داخل إسرائيل.

عاصفة البندقية والتتويج العالمي
ليلة العرض الأول للفيلم في الدورة الثالثة والثمانين لمهرجان البندقية لم تكن ليلة عادية في تاريخ المهرجانات السينمائية.
فقد أُدرج الفيلم في اللحظات الأخيرة ضمن المسابقة الرسمية وسط إجراءات أمنية مشددة وغير مسبوقة، نظرا لخطورة وحساسية موضوعه.
وما إن انتهى العرض، حتى اندلعت في القاعة عاصفة من التصفيق استمرت لخمس وعشرين دقيقة متواصلة، وهو رقم قياسي لم يشهده المهرجان، يعكس حجم الصدمة والتأثر الذي اجتاح الحضور من نقاد وصناع سينما وجمهور.
وقد ترجمت لجان التحكيم هذا الزخم الجماهيري والنقدي بتتويج الفيلم بسلسلة من أرفع الجوائز، على رأسها جائزة لجنة التحكيم الخاصة، وجائزة “إديبو ري”، وجائزة “القطرة الخضراء”، بالإضافة إلى تنويه خاص من جائزة اليونيسف السينمائية تقديرا لتسليط الفيلم الضوء على معاناة الأطفال.
وعلى منصات التقييم العالمية، حصد الفيلم إجماعا نقديا نادرا، حيث سجل نسبة مئة بالمئة على موقع “روتن توميتوز”، ومتوسطا شبه كامل على موقع “ميتاكريتيك”، ليوصف بأنه الوثيقة البصرية الأهم والأكثر رعبا في العقد الأخير.
ولم تتوقف مسيرة الفيلم عند البندقية، بل سارعت كبرى المهرجانات الدولية، مثل مهرجان نيويورك السينمائي ومهرجان سان سيباستيان في إسبانيا، إلى إدراجه ضمن برامجها الرئيسية، مما فتح الباب أمام توزيع عالمي واسع النطاق قادته شركة “إم كيه تو” الفرنسية، رغم التوقعات بضغوط سياسية حادة لمنع عرضه في بعض العواصم الداعمة لإسرائيل.

الزلزال الداخلي الإسرائيلي.. اتهامات بالخيانة وانقسام مجتمعي
في مقابل الاحتفاء الدولي، أحدث الفيلم زلزالا مدويا داخل إسرائيل، حيث وُصف في وسائل الإعلام العبرية بأنه “قنبلة موقوتة” و”عمل خياني”.
المؤسسة العسكرية والحكومية فسارعت إلى إصدار بيانات استنكار شديدة اللهجة، متهمة صناع الفيلم بتقديم سردية كاذبة ومجتزأة تهدف إلى تشويه صورة “جيش الدفاع” وخدمة دعاية المنظمات الفلسطينية.
ونفت القيادات العسكرية بشكل قاطع وجود سياسة ممنهجة لاستهداف المدنيين، مدعية أن استخدام الذكاء الاصطناعي يخضع لرقابة بشرية وقانونية صارمة، وأن كل ما ورد في الفيلم هو محض افتراء.
وقد هاجم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو فيلم “نازا”، معتبرا أنه “صادم”، واتهم صانعيه بتقديم الجيش الإسرائيلي على أنه يرتكب جرائم حرب.
وقال نتنياهو إن إسرائيل تواجه “تحريضا عالميا معاديا للسامية”، لكن ما وصفه بأنه تحريض صادر من داخل إسرائيل “غير محتمل”، مشيرا إلى أن الفيلم يمنح رواية تضر بصورة الجيش الإسرائيلي في العالم.
كما ربط نتنياهو الفيلم بتصريحات سابقة لرئيس حزب الديمقراطيين يائير غولان، وبقضية المدعية العسكرية السابقة، متهما جهات إسرائيلية بمهاجمة الجيش والإضرار به في الساحة الدولية.
أما رئيس أركان الجيش الإسرائيلي إيال زامير، فأوعز إلى النيابة العسكرية بفحص إمكانية اتخاذ إجراءات قانونية ضد الفيلم وصانعيه.
وقال إن ما يعرضه الفيلم لا يندرج في إطار النقد المشروع، بل يمثل، بحسب وصفه، “افتراءات دموية وتشويها متعمدا للواقع”.
ويأتي موقف زامير في أعقاب عرض الفيلم، الذي يستند إلى شهادات جنود وعناصر استخبارات إسرائيليين ويتناول اتهامات تتعلق بسلوك الجيش الإسرائيلي خلال الحرب على قطاع غزة.
ويعكس موقف نتنياهو وزامير تعاملا رسميا إسرائيليا مع الفيلم باعتباره تهديدا لصورة إسرائيل والجيش، وليس عملا وثائقيا يطرح شهادات وانتقادات تستوجب التحقيق.
كما باشرت مؤسسات إسرائيلية إعداد رسائل موجهة إلى الخارج للطعن في مضمون الفيلم، واعتباره، بحسب الرواية الإسرائيلية الرسمية، عملا دعائيا يخدم حركة حماس.
إلا أن هذه التبريرات الرسمية لم تفلح في إخماد الحريق الذي اشتعل في الأوساط السياسية والإعلامية اليمينية.
صحف مثل “يسرائيل هيوم” و”مكور ريشون” شنت حملات تحريض مسعورة ضد يوفال أبراهام وراحيل شور، مطالبة بتقديمهما للمحاكمة بتهمة الخيانة العظمى ومعاداة السامية.
وبلغت الحملة ذروتها مع تلقي طاقم العمل تهديدات صريحة بالقتل، مما اضطر بعضهم إلى اتخاذ تدابير أمنية مشددة وتغيير أماكن إقامتهم.
وكتب الصحفي اليميني أمير كامينر مقالات نارية اعتبر فيها أن الفيلم يقدم الذخيرة المجانية لمحكمة الجنايات الدولية، واصفا المخرجين بأنهم طابور خامس ينخر في جسد الدولة من الداخل.

تمرد ثقافي ووثيقة قانونية للمستقبل
على الضفة الأخرى من الانقسام الإسرائيلي، تصدى تيار واسع من المثقفين والفنانين المستقلين لحملة التحريض.
وفي خطوة جريئة، وقع أكثر من مائتي سينمائي وشخصية ثقافية عريضة تضامن مع مخرجي الفيلم، محذرين من انزلاق إسرائيل نحو الفاشية وتكميم الأفواه.
وضمّت قائمة الموقعين أسماء لها وزنها الثقيل في السينما الإسرائيلية والعالمية، مثل المخرج أري فولمان صاحب فيلم “فالس مع بشير”، والمخرج شلومي ألكابيتس، وران طال، وميخال أفياد.
وأكد هؤلاء في بيانهم على حق المبدع في مساءلة مجتمعه، مهما كانت الحقيقة قاسية ومؤلمة، معتبرين أن محاولة إخفاء جرائم الحرب لن تمحوها من الوجود.
كما أثار الفيلم نقاشا قانونيا عاصفا، حيث أصدر عدد من أساتذة وخبراء القانون الدولي في الجامعات الإسرائيلية بيانا يطالبون فيه بفتح تحقيقات جنائية مستقلة في الشهادات التي وردت في الفيلم.
واعتبروا أن التفاصيل التي كشف عنها الضباط تشكل اعترافات صريحة بانتهاك قواعد الاشتباك والقانون الدولي الإنساني.
هذا الحراك الداخلي، ترافق مع اعتراف إعلاميين كبار مثل رافيف دروكر، بصعوبة إنكار الحقائق التي يطرحها الفيلم، مشيرين إلى أن المجتمع الإسرائيلي يدفن رأسه في الرمال ويرفض مواجهة المرآة التي تعكس الوجه الحقيقي للحرب.
في المحصلة، لا يبدو أن فيلم “نازا” سيكون مجرد حدث عابر في المشهد السينمائي، بل هو وثيقة بصرية وقانونية ستطارد صناع القرار في إسرائيل طويلا.
فهو يفتح ملفا بالغ الخطورة حول مستقبل الحروب حينما تُترك قرارات الحياة والموت لآلات صماء، وحينما تصبح الإبادة مجرد مسألة حسابية مبرمجة سلفا.
ومع استمرار عرضه في المحافل الدولية، يتوقع المراقبون أن يشكل الفيلم مادة دسمة للمنظمات الحقوقية ولمدعي عام المحكمة الجنائية الدولية في سعيهم لتوثيق ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم المرتكبة في قطاع غزة، ليتحول “الضرر الجانبي” الذي سعت إسرائيل لإخفائه، إلى إدانة عالمية لا يمكن إسكاتها.

2 Comments
집에서도 편안하게 이용할 수 있는 서울출장마사지 정보를 제공합니다.
🪙 You have A NEW MESSAGE(S) №B6986 CONTINUE ⇒ graph.org/Bitcoin-Cloud-Mining-08-27?hs=d031b6b1c7eb249e249d765ca1269fec& 🪙