لن تموت فلسطين ما دمنا أحياء.. ماذا تعلمنا من تجربة بولندا؟
عمر فارس
هناك أشياء تستطيع الخرائط أن تفعلها، وأشياء لا تستطيع أن تفعلها. تستطيع الخريطة أن ترسم الحدود، وأن تغير أسماء الدول، وأن تقول إن دولة ما موجودة أو غير موجودة على الخريطة السياسية والجيوسياسية للعالم، لكنها لا تستطيع أن تمحو ذاكرة شعب، ولا أن تقتل وطنا يسكن في وجدان أبنائه. وهذا بالضبط ما يجعلني أشعر بقرب عميق بين التجربة الفلسطينية والتاريخ البولندي.
فلسطين بالنسبة لي ليست قضية سياسية أتناولها في ندوة ثم أعود إلى حياتي. فلسطين هي حياتي نفسها. فلسطين تسكن في داخلي منذ طفولتي. فقدت والدي شهيدا وأنا في الحادية عشرة من عمري، ومنذ ذلك اليوم حملت فلسطين معي أينما ذهبت. كبرت وأنا أقرأ وأبحث وأتعلم، وقرأت عن تشي غيفارا وعن حركات التحرر في العالم، وشاركت في المظاهرات والمؤتمرات والندوات والمناسبات، وتعرضت، كما تعرض كثيرون غيري، للقمع والاعتقال. لم تكن فلسطين بالنسبة لي موقفا عابرا أو شعارا موسميا، بل أصبحت جزءا من تكويني ومن ذاكرتي ومن نظرتي إلى الحياة.
ولهذا، عندما أتحدث في بولندا عن فلسطين، أشعر أنني أتحدث إلى شعب يعرف جيدا معنى أن تختفي دولة من الخريطة، من دون أن تختفي من قلوب أبنائها. ففي نهاية القرن الثامن عشر، تعرضت بولندا للتقسيم بين روسيا وبروسيا والنمسا، وفي عام 1795، بعد التقسيم الثالث، اختفت الدولة البولندية من الخريطة السياسية لأوروبا. لم تعد هناك دولة بولندية مستقلة، لكن هل ماتت بولندا؟ لا. بقيت بولندا في اللغة والثقافة والأدب والعائلة والذاكرة والأغاني، وبقيت قبل كل شيء في قلوب البولنديين.
لقد عانى اليهود من اضطهاد رهيب في أوروبا، وكان من حق الإنسان الذي يهرب من النازية أن يبحث عن الأمان، لكن ألم شعب لا ينبغي أن يتحول إلى مبرر لألم شعب آخر
وفي عام 1797، كتب يوزف فيبيتسكي كلمات الأغنية التي أصبحت لاحقا النشيد الوطني البولندي «مازوريك دومبروفسكي»، وقال فيها: «لم تمت بولندا بعد، ما دمنا نحن أحياء». كانت تلك الكلمات أكثر من مجرد أغنية؛ كانت إعلانا بأن الأمة يمكن أن تستمر في الحياة حتى عندما تغيب الدولة عن الخريطة، وأن الوطن يمكن أن يبقى حيا في وجدان شعبه حتى يأتي اليوم الذي يعود فيه إلى الوجود السياسي. وبعد أكثر من مئة وعشرين عاما، عادت بولندا إلى الخريطة كدولة مستقلة عام 1918، وكان يوزف بيوسودسكي واحدا من أبرز القادة المرتبطين باستعادة استقلالها. وهنا تكمن أحد أعظم دروس التاريخ: ما كان حلما وأملا في كلمات فيبيتسكي عام 1797 أصبح واقعا سياسيا بعد أكثر من قرن.
إعلان
عندما أسمع النشيد البولندي اليوم، لا أسمع تاريخ بولندا وحده. أسمع أيضا صوت فلسطين. وأجد نفسي أقول: «لم تمت فلسطين بعد، ما دمنا نحن أحياء». هذه ليست دعوة إلى الكراهية أو الانتقام, وإنما هي إعلان عن حق شعب في أن يتذكر وطنه، وأن يحافظ على هويته، وأن يرفض أن يتحول غياب الدولة أو الاحتلال أو التهجير إلى موت للذاكرة. قد تختفي الحدود من الخريطة، لكن لا يمكن بسهولة محو الوطن من قلب الإنسان.
اليوم يعيش الفلسطينيون مأساة قاسية، من غزة إلى الضفة الغربية، حيث يدفع المدنيون ثمنا رهيبا من القتل والدمار والنزوح والخوف والانقسام. وفي الوقت نفسه، هناك معركة أخرى لا تقل أهمية: معركة الذاكرة. من نحن؟ من أين جئنا؟ أين كانت بيوتنا؟ ماذا حدث لآبائنا وأجدادنا؟ وماذا حدث لوطننا؟ هذه الأسئلة لا يمكن إسكاتها.
أتذكر ما كانت تقوله أمي عن اليهود الذين لجؤوا إلى فلسطين هربا من بطش النازية. كانت تقول إن الفلسطينيين كانوا يستقبلون اللاجئين ويطعمونهم ويساعدونهم، ولم يكن كثيرون منهم يعرفون ماذا سيحمل المستقبل من صراعات ومآس. وقد قرأت لاحقا شهادات ليهود تقدميين تحدثوا عن وصولهم إلى بيوت فلسطينية بعد تهجير أصحابها، وعن أشياء بقيت في تلك البيوت كما تركها أهلها. هذه الشهادات بالنسبة لي ليست دعوة إلى الكراهية، وإنما دعوة إلى مواجهة التاريخ بشجاعة وصدق.
لقد عانى اليهود من اضطهاد رهيب في أوروبا، وكان من حق الإنسان الذي يهرب من النازية أن يبحث عن الأمان، لكن ألم شعب لا ينبغي أن يتحول إلى مبرر لألم شعب آخر. وكما أرفض أن يتحول التاريخ اليهودي المأساوي إلى مبرر لمحو الفلسطينيين أو تهجيرهم أو حرمانهم من حقوقهم، أرفض أيضا أن يتحول الألم الفلسطيني إلى كراهية لليهود كيهود. أنا ضد معاداة السامية، كما أنني ضد العنصرية والتمييز ضد الفلسطينيين. الإنسان لا يتحمل مسؤولية جريمة ارتكبها شخص آخر لمجرد أنه ينتمي إلى الدين أو القومية نفسها.
هذه ليست بالنسبة لي مجرد أفكار سياسية، بل هي تجربة حياة. أنا لا أقيس الإنسان أولا بدينه أو جنسيته. لا أسأل الإنسان: هل أنت مسلم أم مسيحي أم يهودي؟ ولا أسأله: هل أنت فلسطيني أم بولندي أم عربي؟ السؤال الأول عندي هو: من أنت كإنسان؟ ولهذا كانت لي طوال حياتي علاقات وتجارب مع أشخاص من خلفيات وديانات مختلفة.
وعندما كنت في كراكوف، كان لي تواصل مع الكاردينال كارول فويتيلا، الذي أصبح لاحقا البابا يوحنا بولس الثاني، ومن الذكريات التي أعتز بها أنني ساهمت في تعليمه بعض كلمات الصلاة باللغة العربية. بالنسبة لي لم يكن الدين حاجزا بين إنسان وإنسان؛ كان الحوار هو الجسر.
أنا فلسطيني وأطالب بحرية فلسطين، لكنني أؤمن أيضا بأن اليهود والإسرائيليين لهم الحق في الحياة والأمن والكرامة
ومن هنا أيضا أتحدث عندما أتعرض للهجوم من جهات مؤيدة لإسرائيل بسبب موقفي من فلسطين، وفي الوقت نفسه عندما أسمع أصواتا متطرفة تتحدث عن «أسلمة بولندا». أقول للطرفين: لا تجعلوا الإنسان عدوا بسبب هويته. هناك فرق بين نقد التطرف وبين اتهام الناس بسبب دينهم. إذا كان هناك شخص يرتكب جريمة باسم الإسلام، فليحاسب على جريمته، وإذا كان هناك شخص يرتكب جريمة باسم القومية أو العنصرية أو النازية الجديدة، فليحاسب أيضا. القانون يجب أن يكون فوق الجميع، وكرامة الإنسان يجب أن تكون محفوظة للجميع.
إعلان
وبولندا لها تاريخها الخاص، ولا يمكن ببساطة مقارنتها بفرنسا أو بريطانيا. ففرنسا وبريطانيا كانتا إمبراطوريتين استعماريتين وحكمتا مناطق واسعة من العالم العربي وأفريقيا، وما زالت آثار ذلك التاريخ حاضرة في مجتمعاتهما وعلاقاتهما بالهجرة. أما بولندا فلها تاريخ مختلف، فهي نفسها عاشت تجربة التقسيم وفقدان السيادة والاحتلال.
ولذلك لا أعتقد أن من الصحيح نقل مخاوف أو صراعات من مجتمع إلى آخر وكأن التاريخ واحد. بولندا لها حقها في حماية أمنها وثقافتها وقوانينها، وفي الوقت نفسه لكل إنسان يعيش فيها الحق، وفق القانون والدستور، في أن يمارس دينه وأن يعيش بكرامة، سواء كان مسلما أو مسيحيا أو يهوديا أو غير متدين.
أنا فلسطيني وأطالب بحرية فلسطين، لكنني أؤمن أيضا بأن اليهود والإسرائيليين لهم الحق في الحياة والأمن والكرامة. أريد للفلسطيني أن يعيش حرا في وطنه، وأريد لليهودي والإسرائيلي أن يعيش آمنا. أريد أن ينتهي الاحتلال والعنف والتمييز، وأريد أن يصبح القانون والكرامة الإنسانية أقوى من الرصاص والكراهية. الحرية التي نطالب بها لأنفسنا لا ينبغي أن تتحول إلى حرمان الآخرين من إنسانيتهم.
وربما يسألني البعض: كيف تستطيع أن تتحدث عن الأمل بعد كل هذا الألم؟ وأنا أجيب: لأنني فلسطيني. أنا أعرف الحزن منذ كنت طفلا، فقدت والدي وأنا في الحادية عشرة، وعرفت القمع والاعتقال، ورأيت كيف يمكن للسياسة أن تسحق الإنسان. لكنني تعلمت من التاريخ أن الشعوب لا تعرف دائما متى تأتي لحظة التغيير.
أنا لا أقول «لم تمت فلسطين ما دمنا نحن أحياء» لأكره أحدا، ولا لأدعو إلى الانتقام. أقولها لأنني أرفض أن أنسى
البولندي الذي عاش في القرن التاسع عشر لم يكن يعرف أن بولندا ستعود إلى الخريطة عام 1918، لكنه لم يتخل عن فكرة بولندا. بقيت في قلبه، وفي لغته، وفي ذاكرته، وفي أغانيه، وانتقلت من جيل إلى جيل حتى جاء اليوم الذي عادت فيه الدولة.
ولهذا، عندما أرى العلم البولندي وأسمع نشيده الوطني، أتذكر أن التاريخ يمكن أن يتغير، وأن ما يبدو مستحيلا في لحظة معينة ليس بالضرورة مستحيلا إلى الأبد. قد يستغرق التغيير سنوات، وقد يستغرق أجيالا، لكن الشعوب التي تتمسك بذاكرتها لا تختفي بسهولة.
أنا لا أقول «لم تمت فلسطين ما دمنا نحن أحياء» لأكره أحدا، ولا لأدعو إلى الانتقام. أقولها لأنني أرفض أن أنسى. أقولها لأنني أرفض أن يختفي أبي من ذاكرتي، وأرفض أن تختفي فلسطين من ذاكرة أبنائي وأبناء شعبي. أقولها لأن الوطن قد يغيب عن الخريطة، لكنه إذا بقي في قلب شعبه فإنه لم يمت.
لقد علمتني بولندا شيئا عميقا: أن الوطن يمكن أن يغيب عن الخريطة أكثر من قرن، ثم يعود. وأن النشيد الذي كتب في زمن الهزيمة يمكن أن يصبح بعد أجيال نشيد دولة حرة.
لذلك، عندما أسمع البولنديين يقولون: «لم تمت بولندا بعد، ما دمنا نحن أحياء»، أشعر أنني أستطيع أن أقول بصوت فلسطيني، ولكن أيضا بصوت إنساني: لم تمت فلسطين بعد، ما دمنا نحن أحياء.
هذه ليست مجرد كلمات. إنها ذاكرة، وهي أيضا أمل. لأن الشعوب التي تحافظ على ذاكرتها، وتحافظ على إنسانيتها، وتؤمن بالحرية والعدالة، لا تموت.
