عدوانية أمريكا ليست عشوائية بل بخطة جوهرها رأسمالية الحروب الدائمة
د. عادل سماره
د. عادل سماره
أمريكا الدولة الأقوى عسكريا والأكثر استهلاكا في الكوكب، عملتها لا تزال مطلوبة أكثر من مختلف عملات الدول التي تنتج سلعا مطلوبة أكثر على صعيد عالمي، سندات خزينتها تُشترى من قِبل المصارف المركزية وحتى رجال الأعمال.
ولكنها، أي أمريكا بدل أن تحافظ على هذه الهيمنة، والغياب النسبي لنقيض، كما كان الإتحاد السوفييتي، تتصرف بشكل عدواني يثير بلا شك خوف وقلق وعدم ثقة الأصدقاء فما بالك بالأعداء، وهذا يوجب السؤال لماذا؟
وهذا يستثير مسألتين هامتين:
الأولى: هل العالم متعدد الأقطاب كي يتم لجم أمريكا؟
أشرت في كتابي بالإنجليزية (أبعد من فك الارتباط: التنمية بالحماية الشعبية مقابل التنمية بالدولة 2005، ص 15)
BEYOUND DE-LINKING: Development by POPULAR PROTECTION VS DEVELOPMENT BY STATE 2005
بأن العالم مقبل على تعددية قطبية، وهذا صحيح، ولكن ما يبدو أن هذه عملية اقتصادية سياسية اجتماعية عسكرية معقدة ولذا يأخذ تبلورها وقتا بمعنى انها تدريجية لأن الإمبريالية تقاوم بلا شك، ولذا، تحصل منافسة أو مناوشات غير حربية ولكن الأقطاب الجديدة لم تصل حد الهيمنة المضادة.
والثانية: هل للولايات المتحدة خطة وخاصة في فترة دونالد ترامب؟ ذلك لأن البعض يرى بأن سياسة الولايات المتحدة متخبطة وغير منهجية. وأعتقد أن في هذا مبالغة من باب ان أية سياسة حتى لدولة عظمى في قوتها وعدوانيتها ليس بالضرورة أن تأخذ طريقها بسهولة دون صدمات ومقاومة. فالولايات المتحدة تحارب، كما سنرى أدناه، في أوكرانيا عبر أوروبا، وفي إيران مباشرة وبشراكة مع الكيان، وفي كوبا بالحصار والخنق، وفي فنزويلا بالاختطاف وفي البرازيل وغيرها بفرض الجمارك، ومن يضع هذه الأمور بجانب بعضها يرى أنها مصفوفة متماسكة لكن تنفيذها لا مركزيا. وهذا لا يعني أن الولايات المتحدة قبل ترامب لم تكن في عدوانياتها بلا خطة.
وهذا يفتح على رؤية تعايش المتناقضات في معدة أمريكا الداخلية الواسعة نفسها، مما يساهم في الإجابة على السؤال أعلاه. لنذكر هنا أحد عاملين أساسيين في هذا الصدد، أي الحرب.
راس المال وصناعة الحروب
النظام الاقتصادي الأمريكي هو الرأسمالية الإمبريالية الاحتكارية ولكنها توصلت إلى الهيمنة المذكورة عبر المحرك الأساسي للرأسمالية وهي الحرب سواء مباشرة أو إثارة وتمويل حروب الآخرين، وأحياناً تمويل النقيضين عبر تزويد عديد الدول المتصارعة بالسلاح أي تشغيل العديد من دول العالم عند أمريكا فيما يخص استيراد الأسلحة. فالمتحاربون لا بد أن يستوردوا السلاح من أمريكا أو من أدواتها المباشرة كالكيان الصهيوني الذي يتسلح ويحارب انسجاما مع سياسة أمريكا ويتعهد ببيع الأسلحة التي تحاول أمريكا عدم توسيخ” يدها” ببيعها مباشرة لتلك الدول وخاصة للدول ذات المسموعات السيئة.
لكن هذا السلاح، وهو مكون إيديولوجي في السياسة الأمريكية، فقد نصف فاعليته منذ الحرب العدوانية ضد فيتنام حيث أنفقت أمريكا مبالغ هائلة في تلك الحرب الأمر الذي أرهق ميزانيتها، ولكنها احتفظت بالنصف الآخر من هذه السياسة وهي تحريب الآخرين.
صحيح أن أمريكا لا تحارب في أوكرانيا، ولكنها تقود الحرب هناك ضد روسيا، بمعزل عن مغازلة ترامب لبوتين. فهي تزود أوروبا بالأسلحة التي يتم إرسالها إلى أوكرانيا، وتفرض عقوبات على روسيا وخاصة الطاقة لتبيع الطاقة لأوروبا بأعلى من سعر الطاقة الروسية، أي تحقق ريعا إضافيا نتيجة فرض الحصار على روسيا، لنسميه ريع الدّْور، وتعيق نقل النفط الروسي إلى الصين، وتبتز أوروبا فيما يخص نفقات الناتو وخاصة الدفاع عن أوربا، حيث غير ترامب النهج السابق أي حماية أوروبا بالقوة الأمريكية وأصر على رفع الإنفاق العسكري إلى 2.5% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2027 مع التطلع للوصول إلى نسبة 3% بحلول عام 2030 مما يقلص مساحة التوسع في الإنفاق العام في ظل ارتفاع مستويات الدين العام وتواصل التضخم وتوقع ارتفاع الفوائد البنكية.
والطريف أن أوروبا عاجزة عن الإعتراض نظرا لتراجع إقتصاداتها، مما يقلل السيولة المطلوبة لتمويل تنشيط إنتاجها للسلاح والذي كانت تركن به على أمريكا وبهذا تبقى أوروبا ضمن الإحتواء الأمريكي.
لكن هذا يطرح سؤالا: هل أوروبا بحاجة حقا للحرب ضد روسيا؟
أي أوروبا التي تعاني اقتصاديا وتتأخر تقنيا خلف أمريكا والصين بل إن كثيرا من براءات الاختراع تُطوى لعدم وجود فرص للاستثمار فيها، ولم تتمكن من جعل الإتحاد الأوروبي كتلة قوية تنافس الآخرين، بل حتى خرجت منه بريطانيا التي بدلت قيادتها السياسية سبع مرات منذ 2016.
وتواصل رغم أزمتها الاقتصادية زعم الدفاع عن أوكرانيا اعتماداً على التنسيق المباشر مع الحلفاء الأوروبيين. علاوة على سوء معاملة الدولة الأقوى في هذا الإتحاد، أي المانيا، للأعضاء الآخرين وخاصة اليونان التي رغم أزمتها الاقتصادية تتورط في تحالف مع الكيان الصهيوني متموضعة ضد العرب.
وربما يصح السؤال أكثر على النحو التالي:
من هي أوروبا التي تصر على محاربة روسيا رغم ضعفها؟
هنا يفرض البعد الطبقي نفسه في المعالجة مهما ارتفع الصوت القومي الشوفيني في إخفاء البعد الطبقي والذي يبرز أكثر في الأزمات الاجتماعية.
لعل من أهم إفرازات حقبة العولمة، والتي تتأزم هذه الفترة، هو شبه تبلور لطبقة رأسمالية عالمية (الأوليغارشية) التي تجمعها مصالحها المشتركة. بدأت ملامح هذه الطبقة منذ سبعينات القرن الماضي مع تبلور الشركات عابرة القوميات التي كان ستيفن هايمر أول من كتب عنها.
صحيح أن هذه الطبقة إن صح التعبير ليست بنفس المستوى من حيث الإمكانات والمداخيل وبالتالي القرارات، بل فيها مراتبية، أو تمفصل شرائح، تكاد تكون مراتبية طبقية. لذا، حتى اليوم يتمركز قرار إدارة هذه الشركات وتدفقها المالي في جيوب جناحها الأمريكي والذي بالمناسبة لا يعيد استثمار هذه السيولة في أمريكا إلا بدرجات بل يخزنها في الجزر الخارجة على القانون، وبالتالي لا يدفع ضرائب للدولة بما يستوجبه حجم مداخيلها ناهيك عن إعفاء الإدارة لهذه الشركات من دفع الضرائب أو تخفيفها وإلقاء العبء الضريبي على الطبقات الشعبية. ولذا، تفيد الاستطلاعات أن أكثرية الشعب في أمريكا ضد حرب العدوان على إيران ومع ذلك تُمعن الإدارة الأمريكية في هذه الحرب، وهذا يذكرنا بالعدوان الأمريكي الغربي العربي ضد العراق سواء 1990 او 2003 حيث كانت التظاهرات المضادة للحرب بالملايين بينما قررت الأنظمة وخاصة أمريكا وبريطانيا القيام بالعدوان! وهذا يؤكد مقولة لينين بأن السلطة البرجوازية هي ديكتاتورية هذه الطبقة. صحيح أن الطبقات الشعبية لم ترتقي لمقاومة ملموسة، ولكن التناقض يبقى قائما، ومن هنا تغول السلطة الأمريكية في العالم بالنهب لتبريد التناقضات الداخلية قدر الإمكان رغم أن ما يتساقط للطبقات الشعبية هو القليل.
وبالتالي فهذه الطبقة في أمريكا متحالفة ومستفيدة تبادليا مع الطبقات المالكة للشركات الكبرى في أوروبا واليابان، اما الشريحة/الطبقة الحليفة من الدرجة الثالثة فهي الرأسمالية الكومبرادورية في بلدان المحيط.
لذا أسمي تحالف هذه الشرائح الطبقية من الطبقة الواحدة إن جاز تعبير انها طبقة بالمعنى المألوف هو تحالف برجوازية العالم تقودها البرجوازية الغربية المنتجة وتتبعها برجوازية المحيط.
ولعل هذا ما يفسر لماذا تصر أوروبا على الحرب ضد روسيا ويكشف السر الآخر وهو حلم أوروبا العدواني بهزيمة روسيا واحتلالها وتقاسمها مع أمريكا، ولهذا الوهم جذوره في الحدث الأسوأ عالميا وهو انتصار راس المال على العمل والذي انتهى بتفكك الإتحاد السوفييتي والتغيرات في الصين الشعبية من نظام اشتراكي إلى حالة وسطية في أفضل الأحوال.
هنا لا بد من التذكير بما قالته إحدى ضواري الإمبريالية ميركل زعيمة ألمانيا السابقة “كنا قد وقعنا معاهدة مع روسيا وذلك للتغطية على ما قمنا به لتسليح أوكرانيا ضد روسيا” . أي خدعوا روسيا كما خدعوها عام 2011 في عدوان الناتو ضد ليبيا.
مقابل هذه “الطبقة” المتحالفة المتماسكة عالميا بمصالحها والتي تقود الحكومات ، وليس العكس، والكثير منها في رأس القرارات الحكومية، هناك الطبقات الشعبية سواء اسميناها العمالية والفلاحية أو البروليتاريا على مستوى العالم ولكنها طبقات مفككة كل طبقة في بلد معين محكومة بسلطة بلادها أي لا تجمعها أممية منظمة ولذا نادى الراحل سمير أمين قبيل رحيله بضرورة أممية جديدة.
بكلام آخر، هناك طبقة/قيادة للعالم هي برجوازية وغالبا امريكية غربية، وهي التي لا تقاتل في أوكرانيا ضد روسيا وحسب، بل تقاتل في عديد أماكن العالم أي تقوم بعدوان محركه مصالحها أي لا الدين ولا اللون ولا حتى الذكورية.
لعل العدوان ضد إيران حالة نموذجية على التحالف الطبقي الرأسمالي المعولم تحالف حرب تقوم به الولايات المتحدة والكيان الصهيوني بشكل متدرج وبأهداف متغيرة تتراوح بين حرب تصفية أو حرب استنزاف يقوم هذا التحالف بين الرأسمالية الأمريكية والصهيونية، تشاركها بشكل منخفض الفعل أوروبا الغربية، وتشاركها أنظمة الحكم العربية في الخليج عبر وجود قواعد أمريكية في تلك البلدان حيث تنطلق منها الطائرات الحربية الأمريكية.
وبينما كشف العدوان ضد إيران فشل حماية هذه القواعد لمصالح تلك الأنظمة، يصرّح ترامب مرارًا، بأن ما يريده حقًا هو أن تتحمل الدول العربية الأعضاء في منظمة أوبك تكاليف الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة ويضع صيغة اتفاق جديد مع الدول العربية الأعضاء في أوبك، يقضي بأن تدفع هذه الدول للولايات المتحدة تكاليف حمايتها العسكرية، ولكن ليس من خلال رسوم عبور، وإنما عبر الاستثمار في الاقتصاد الأمريكي، بينما ثبت أن الحماية لم تحصل. وهنا لا بد من معترضة وهي أن هذه القواعد هي مناطق محتلة أمريكيا لأن أنظمة الخليج لا تجرؤ على طردها فيما لو أرادت، كما أنها منطلق عدوان ضد إيران مما يؤكد لا سيادة لهذه الأنظمة على ارضها.
ملاحظة: لا يغطي مقال واحد دور الولايات المتحدة ضد العالم، مما يدفع لمقالات متتابعة. كما أنصح بالاطلاع على كتابي (الاقتصاد السياسي لصعود وتهالك النيولبرالية: الولايات المتحدة مثالاً) وهو ضمن موقع لولو LULU
لينك كتب عادل سماره في موقع “لولو”:
صفحة الكاتب على فيس بوك Adel Abdulhamid Samara
