لماذا لم يجرؤ نتنياهو على قصف وتخريب “مهرجان” تشييع اكبر الشهداء في تاريخ ايران الحديث؟ ومن هما الرجلان اللذان وضعا أسس التغيير الجذري حاليا وزوال الكيان الإسرائيلي؟
عبد الباري عطوان
عبد الباري عطوان
لا بد ان بنيامين نتنياهو كان المتابع الأكبر، ومن موقع المحبط والمقهور والعاجز، بل والمهزوم، لمهرجان التشييع الأكبر والأطول والأكثر تنظيما للإمام الشهيد علي خامنئي، لان عملية اغتياله التي كان يتباهى بها أعطت نتائج عكسية تماما، أبرزها ان النظام الإيراني خرج من الحرب العدوانية الإسرائيلية الامريكية اكثر قوة وصلابة، محتفظا بصواريخه وبرنامجه ومخزونه النووي، والاهم من ذلك مشاركة اكثر من مئة وفد عالمي في “مهرجان” التشييع علاوة على عشرات الملايين من المواطنين الإيرانيين الذين راهنت “إسرائيل” ومعها الولايات المتحدة “المخدوعة” و”المضللة”، على انخراط هؤلاء في “ثورة” شعبية عارمة في معظم المدن الإيرانية للإطاحة بالنظام الحاكم والإتيان بآخر يتسم بالتبعية والولاء للمعسكر الأمريكي الإسرائيلي.
تقدم الشخصيات القيادية الإيرانية لطوابير المشيعين في اليوم الأول وفي فضاء مفتوح، وسماء خالية من أي طائرات، وأرض وميادين من أي دبابات او عربات مدرعة وقاذفات صاروخية، يؤكد كذب الادعاءات التي أطلقها الرئيس دونالد ترامب بأنه تعهد بحماية عملية التشييع هذه، ومنع دولة الاحتلال الإسرائيلي من الاقدام على أي عمليات اغتيال لهذه الشخصيات وخاصة الشخصيتين القائدتين للمفاوضات، محمد باقر قاليباف رئيس مجلس الشورى والبرلمان، والدكتور عباس عراقجي وزير الخارجية.
ولعل ظهور الجنرال أحمد وحيدي قائد الحرس الثوري للمرة الأولى في مقدمة المشاركين في طوفان العزاء، يؤكد ان القرار كان إيرانيا صرفا، فالقيادة الإيرانية اكدت اكثر من مرة، وعلى لسان اكثر من مسؤول كبير فيها، انها لا تثق مطلقا بالخصم الأمريكي، وهي محقة في ذلك، وتملك لائحة طويلة من الأدلة العملية والميدانية في هذا الصدد، لان النتائج التي ستترتب على أي هجوم على “مهرجان التشييع” من قبل إسرائيل وامريكا ستكون مكلفة جدا، سياسيا وعسكريا واقتصاديا، وستجر العالم وأمنه الى حرب عالمية ثالثة لا يستطيع أحد التنبؤ بفصولها او نقطة نهايتها.
ومن هذا المنطق فإننا نميل الى تصديق النفي الذي صدر عن مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لنبأ نشرته صحيفة “نيويورك تايمز” وقالت فيه ان الرئيس ترامب كان يخشى من اقدام إسرائيل على اغتيال المفاوضين الإيرانيين قاليباف وعراقجي، ولهذا حذرها من الاقدام على هذه الخطوة لما يمكن ان يترتب عليها من انعكاسات على العلاقات بين الطرفين.
الحكومة الإرهابية الإسرائيلية التي تحترف عمليات الاغتيال للقيادات السياسية والعسكرية العربية والإسلامية، ابتداء من الشهيد الامام علي خامنئي، ومرورا بابن عمه السيد الشهيد حسن نصر الله، زعيم “حزب الله”، وانتهاء بالسيد الثالث الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي، وعشرات من القادة العسكريين الإيرانيين واللبنانيين والفلسطينيين، لا يمكن ان تتحول بين ليلة وضحاها الى حمل وديع.
الحقيقة التي يجب عدم تجاهلها، هي ان إسرائيل اليوم ليست إسرائيل الامس، إسرائيل اليوم “مرعوبة” و”مهزومة” فشلت جميع خططها امام صخرة الصمود والمقاومة الإيرانية، ومعظم، ان لم يكن جميع، اوراقها قد اخترقت، وانفضح زيفها، وآخرها الرهان على جر أمريكا، القوة العظمى، الى الحرب ضد ايران للقضاء عليها كليا وقوتها العسكرية الصاروخية والمستقبلية النووية.
“إسرائيل” التي كانت عملية التوغل في الأراضي اللبنانية، وشن عدوان مباشر بمئات الطائرات على ايران، بمثابة نزهة، لا تستطيع هذه الأيام قصف الضاحية الجنوبية لبيروت العاصمة بصاروخ واحد، لأنها تعلم جيدا ان الرد المباشر بمئات الصواريخ الدقيقة والمسيّرات المتطورة جدا، لتدمير تل ابيب وحيفا وديمونا سيكون فوريا.
عملية التغيير هذه التي تتبلور حاليا في المنطقة، وتكشف، بل وتؤكد حدوث انقلاب جذري في موازين ومعادلات القوة في منطقة “غرب آسيا”، وليس الشرق الأوسط الاسم الاستعماري الكريه، يعود الفضل فيها الى قائدين أساسيين، ومجموعة من الادمغة المحيطة بهما:
الأول: الشهيد الأمام السيد علي خامنئي المرشد الايراني الأعلى الراحل، الذي تولى قيادة الثورة الإيرانية بعد وفاة مؤسسها السيد آية الله الخميني، وجمع بين الحسنيين، اي القيادة السياسية والعسكرية والتنفيذية بتوليه الرئاسة لعدة سنوات، ومن ثم القيادة الروحية بصفته “الامامية” الإسلامية كمرشد اعلى وآية الله، وطور القدرات النووية وجعل من بلاده قوة حافة نووية مدعومة برصيد مقداره 460 كغم من اليورانيوم عالي التخصيب، كما جعلها أيضا قوة صاروخية تملك المئات من الصواريخ والمسيّرات المتطورة جدا، وكان من أكثر الشخصيات انتصارا للقضية الفلسطينية، وداعما لها، ورجال مقاومتها وتسليحهم بكل ما يحتاجونه من الأسلحة ومعدات، وتكريس وحدة الساحات، ويؤمن ايمانا قويا بأن أمريكا وإسرائيل هما مصدر الخطر الرئيسي على الامة الإسلامية ويجب هزيمتهما.
الثاني: الشهيد يحيى السنوار ورفاقه، هؤلاء العباقرة الذين خططوا وهندسوا ونفذوا هجوم السابع من تشرين اول (أكتوبر) عام 2023، او “طوفان الأقصى” الذي دمر حرمة المدن والمستوطنات الإسرائيلية، واقتحموا الحدود المدعمة بالكاميرات، والاسلاك الكهربائية في اكبر عملية اختراق استخباري عسكري في تاريخ المنطقة، لا يضاهيها الا عملية اقتحام خط بارليف للجيش المصري العظيم في شهر رمضان تشرين اول عام 1973.
طبعا نحن لا نقارن بين الرجلين، او نساوي بينهما، بل نؤكد انهما أبناء مسيرة واحدة متكاملة متجذرة في عمق العقيدة والتاريخ الإسلامي المقاوم والمشرف، المسيرة على درب الكرامة والنصر، والمرحلة الثانية والاعمق والاعظم منها لمقاومة الاستعمار قد بدأت، وبدأت معها عملية التغيير الجذري التي ستعيد رسم خرائط منطقة غرب أسيا وافريقيا، وفق الرؤية الإسلامية والعربية، اما نتنياهو الذي كان مجرد فقاعة، عندما هدد بالقيام بهذه المهمة، وتوعد بإقامة إسرائيل الكبرى قبل بضعة أشهر فقط، فسيكون اول ضحايا هذا التغيير وكيانه، ويبحث حاليا عن انسحاب “مشرف” دون ان يظهر في صورة المهزوم، ولكن مصيره السجن حتما، هذا اذا بقي على قيد الحياة.. والأيام بيننا.
