واشنطن والمسارات المتعددة – التعليق السياسي

 واشنطن والمسارات المتعددة – التعليق السياسي

ناصر قنديل

التعليق السياسي – كتب ناصر قنديل

  • ليس من قبيل الصدفة أن يتزامن بدء تنفيذ تفاهمات سويسرا الأميركية ـ الإيرانية مع فتح واشنطن مسارين سياسيين موازيين. الأول في المنامة، حيث عقد وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو اجتماعاً خليجياً ـ أميركياً مع وزراء خارجية دول مجلس التعاون، عنوانه المعلن أمن الخليج وحرية الملاحة في مضيق هرمز وترتيبات ما بعد الحرب مع إيران. والثاني في واشنطن، حيث انعقدت جولة تفاوض لبنانية ـ إسرائيلية برعاية أميركية، للبحث في وقف النار، والانسحاب الإسرائيلي، ودور الجيش اللبناني، والترتيبات الأمنية في الجنوب. ظاهرياً، يبدو المساران امتداداً طبيعياً لتفاهم سويسرا. لكن التدقيق في النصوص والعناوين والتوقيت يكشف وظيفة مختلفة: تطويق سويسرا لا تنفيذها.
  • مسار سويسرا هو تفاهم مع الخصم. جاء بعد حرب فرضت على واشنطن الاعتراف بأن الاستمرار في التصعيد مكلف عسكرياً واقتصادياً وسياسياً. لذلك كانت لغته لغة إطفاء الحرب: وقف إطلاق النار، رفع الحصار، إعادة فتح الملاحة في مضيق هرمز، الانتقال خلال مهلة الستين يوماً إلى اتفاق نهائي، ومعالجة انعكاسات الحرب على الجبهات المرتبطة بها، وفي مقدمها لبنان. في هذا النص، لا تظهر إيران كملف أمني خاضع للشروط الأميركية، بل كطرف مقابل يمتلك أوراق قوة فرضت التفاهم. ولا يظهر لبنان كساحة لتصفية حسابات إسرائيلية، بل كملف يجب إقفاله بوقف شامل للنار وانسحاب إسرائيلي وآلية متابعة تمنع عودة الحرب.
  • جاء مسار المنامة ليقول شيئاً آخر. فبدلاً من طمأنة إيران إلى أن واشنطن ماضية في تنفيذ ما قبلته في سويسرا، اتجهت الإدارة الأميركية إلى طمأنة دول الخليج واستنهاضها. مضمون الرسالة كان أن تفاهم سويسرا لا يعني التسليم بنفوذ إيران الإقليمي، ولا إقفال ملفات الصواريخ والطائرات المسيّرة والحلفاء الإقليميين، ولا التسليم بأن لطهران دورا حاسما في تنظيم أمن الخليج أو الملاحة في هرمز. لذلك جاءت لغة المنامة مشددة على حرية الملاحة بلا رسوم ولا قيود، وعلى أمن الخليج، وعلى ضرورة معالجة مصادر التهديد المرتبطة بصواريخ إيران وحلفائها. وهذه لغة لا تلغي سويسرا، لكنها تضع فوقها سقفاً موازياً.
  • الأمر نفسه يتكرر في مسار واشنطن اللبناني ـ الإسرائيلي. فلو كانت الإدارة الأميركية مخلصة تماماً لتفاهمات سويسرا، لتحولت مفاوضات واشنطن إلى آلية تطبيقية واضحة: وقف نار كامل وشامل، انسحاب إسرائيلي غير مشروط أو متزامن، تسلم الجيش اللبناني المناطق المحررة، ولجنة متابعة الشكاوى والخروقات تمنع أي طرف من التصرف الأحادي. لكن العناوين التي حملتها واشنطن أعادت إدخال الشروط الإسرائيلية من الباب اللبناني، نزع سلاح حزب الله، حرية الحركة العسكرية الإسرائيلية، المناطق العازلة، ربط الانسحاب الإسرائيلي بترتيبات أمنية، وتحويل دور الجيش اللبناني من استعادة الأرض إلى اختبار أمني ضد المقاومة.
  • هنا تظهر المفارقة. ففي سويسرا، كان وقف النار يعني وقف الاعتداءات. أما في الصيغة الإسرائيلية التي تحضر في واشنطن، فإن حرية الحركة العسكرية تنسف أي وقف نار جدي، لأنها تجعل إسرائيل صاحبة الحق في الغارة والاغتيال والتوغل كلما قالت إنها ترى تهديداً او تحتمل وجوده. وفي سويسرا، كان الانسحاب الإسرائيلي جزءاً من تثبيت التهدئة. أما في واشنطن، فيصبح الانسحاب مشروطاً بنزع سلاح حزب الله، أي إن الاحتلال يتحول إلى ورقة تفاوضية لا إلى وضع يجب إنهاؤه. وبذلك يُفرغ مضمون سويسرا من داخله، من دون إعلان الانقلاب عليه.
  • عملياً، لا تتصرف واشنطن كمن يريد طمأنة إيران إلى جدية تنفيذ التفاهم، بل كمن يقول لحلفائه إن قبولها بما كُتب في سويسرا كان مؤقتاً، اضطرارياً، ومرتبطاً بميزان قوى فرضته الحرب. أما الرؤية الأميركية الأصلية، كما تظهر في المنامة وواشنطن، فلا تزال قائمة، تقييد إيران في الخليج، ومنعها من تحويل هرمز إلى ورقة نفوذ دائمة، وتقييد حزب الله في لبنان، ومنح إسرائيل ضمانات أمنية لا تتسع لها نصوص سويسرا. بهذا المعنى، تبدو سويسرا في الحساب الأميركي محطة انتقالية لا نهاية مسار.
  • لهذا تصبح المقارنة بين النصوص ضرورية. سويسرا تقول: إنهاء الحرب أولاً. المنامة تقول: لا مكاسب إقليمية مجانية لإيران. واشنطن تقول: لا انسحاب إسرائيلي بلا ترتيبات تمس حزب الله. سويسرا تتعامل مع إيران كطرف تفاوضي. المنامة تتعامل معها كمصدر تهديد. سويسرا تجعل لبنان جزءاً من التهدئة الإقليمية. واشنطن تعيد لبنان إلى منطق الشروط الإسرائيلية. الفارق هنا ليس لغوياً، بل سياسي واستراتيجي.
  • من هنا، فإن خطر الانتكاسة قائم. فإذا واصلت واشنطن إدارة مساري المنامة وواشنطن كأدوات لتعديل نتائج سويسرا، لا لتطبيقها، فإن إيران ستتعامل مع مهلة الستين يوماً بوصفها اختباراً لجدية الولايات المتحدة لا جسراً مضموناً إلى الاتفاق النهائي. وإذا شعرت طهران بأن واشنطن تستخدم الحلفاء لتقييد ما قبلته معها، فإن التفاهم سيبقى مهدداً بالانهيار أو التعليق أو التصعيد.
  • أميركا تقود المسارات الثلاثة، لكنها لا تمنحها الوظيفة نفسها. في سويسرا فاوضت تحت ضغط التوازن مع إيران. في المنامة تحدثت بلغتها الأصلية مع الخليج. وفي واشنطن تحدثت بلغة أقرب إلى المطالب الإسرائيلية. لذلك لا تكمن المشكلة في تعدد المسارات، بل في أن المسارين الموازيين لا يبدوان مكملين لسويسرا، بل محاولة لاستنهاض الحلفاء حول فكرة أن سويسرا ليست سوى محطة مؤقتة بانتظار تعديل الموازين.

Al Enteshar Newspaper

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *