لا حاجة لانتظار مفاوضات واشنطن – نقاط على الحروف
ناصر قنديل
ناصر قنديل
- لن يصدر عن مفاوضات واشنطن ما يمكن تطبيقه ويحفظ مصلحة لبنان، ولذلك لم يعد ضرورياً انتظار نتائج مفاوضات واشنطن اللبنانية ـ الإسرائيلية لمعرفة حدودها. لأن المسار ولد محكوماً بتناقض لا يمكن تجسيره بسهولة، حيث إسرائيل لا تقبل اتفاقاً لا يحفظ لها فكرتين تأسيسيتين؛ الأولى هي حرية الحركة العسكرية داخل لبنان، بما ينسف أي معنى جدي لوقف إطلاق النار، ويجعل لجنة المتابعة الناتجة عن تفاهمات سويسرا بلا وظيفة فعلية. والثانية هي الاحتفاظ بالمناطق العازلة وربط أي انسحاب إسرائيلي بنزع سلاح حزب الله، بما يفرغ ما ورد في تفاهمات سويسرا عن الانسحاب الإسرائيلي من مضمونه.
- هذا التناقض ليس نظرياً. فقد سبقت جولات واشنطن الأخيرة صيغ أميركية منحت إسرائيل عملياً حق الدفاع عن النفس وحرية العمل، وطرحت نزع السلاح كشرط مركزي، فيما قدّم لبنان مطلبه على قاعدة وقف شامل للنار وانسحاب إسرائيلي كامل. وفي الجولة الأخيرة، عاد الحديث عن «مناطق تجريبية» يتسلمها الجيش اللبناني، بينما ربطت إسرائيل أي انسحاب بنزع بنى حزب الله و تجريد المنطقة من السلاح، في حين نفت تل أبيب وبيروت معاً إعلاناً أميركياً عن حصول انسحاب إسرائيلي من جزء من الجنوب. والأهم أن إسرائيل قالت صراحة إن أي انسحاب لاحق مشروط بنزع سلاح حزب الله وتجريد المنطقة من السلاح.
- في المقابل، جاء مسار سويسرا الأميركي ـ الإيراني على منطق مختلف. طالما أن المذكرة التي ولدت بعد الحرب مع إيران لم تقارب لبنان بوصفه ساحة لتطبيق المطالب الإسرائيلية، بل بوصفه عقدة يمكن أن تفجر التفاهم كله إذا بقيت الحرب مفتوحة. ولذلك ربطت مناخات سويسرا بين وقف النار، والانسحاب الإسرائيلي، وآلية متابعة الشكاوى والخروقات، بما يعني أن جوهرها هو منع إسرائيل من تحويل وقف النار إلى غطاء لحرية حركة عسكرية مفتوحة. وقد لاحظت تقارير أميركية وعربية أن التصعيد الإسرائيلي في لبنان كان من أبرز ما يهدد التفاهم الأميركي ـ الإيراني.
- هنا تظهر وظيفة مؤتمر المنامة. فخروج وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو من جولة خليجية ـ أميركية ببيان يتحدث عن أمن الخليج وحرية الملاحة في هرمز بلا رسوم أو قيود، وعن ضرورة معالجة الصواريخ الإيرانية والطائرات المسيّرة ودعم الحلفاء، وعن دعم مفاوضات لبنانية ـ إسرائيلية مستقلة ونزع سلاح المجموعات غير الدولتية، لا يمكن فصله عن توقيته. فالمنامة لم تكن مساراً لتسهيل سويسرا، بل سقفاً موازياً لها، يراد منه تطويق مفاعيلها وتقييد حدودها بأطر خليجية وإسرائيلية موازية.
- والدليل الأوضح أن روبيو نفسه لم يتعامل مع الملف اللبناني من زاوية وقف النار والانسحاب أولاً، بل من زاوية أن المشكلة هي حزب الله. فقد قال أمام لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ إن إسرائيل ولبنان يمكنهما التوصل إلى اتفاق سلام «غداً» لولا حزب الله، مضيفاً أن إسرائيل لا تملك مطالب إقليمية في لبنان وأن حزب الله هو العقبة. وهذه اللغة لا تشبه لغة سويسرا، بل تشبه محاولة إعادة تعريف المشكلة اللبنانية: ليست الاحتلال ولا الاعتداءات، بل سلاح المقاومة.
- لذلك تبدو احتمالات بيان واشنطن محصورة بثلاثة. الأول، فشل إصدار بيان تفاهم، إذا تمسكت إسرائيل بحرية الحركة والمناطق العازلة، وتمسك لبنان بوقف شامل وانسحاب غير مشروط وترك السلاح شأناً داخلياً. الثاني، صدور بيان إنشائي لا لون له ولا طعم، يرضي الجميع لفظياً، يتحدث عن السيادة والاستقرار والجيش اللبناني والقرار 1701، لكنه لا يتضمن آليات تنفيذية ولا جداول انسحاب ولا تعريفاً ملزماً لوقف النار. الثالث، صدور بيان إجرائي يستجيب للشروط الإسرائيلية، لكنه لا يجد طريقه إلى التنفيذ، لأنه يفقد شرعيته اللبنانية فوراً، ويضع الجيش اللبناني في موقع لا يريده: تعاون ميداني مع إسرائيل أو صدام مع المقاومة.
- المشكلة الأعمق أن الأميركي لا يبدو مخلصاً لمسار سويسرا. فلو كان مخلصاً له، لجعل واشنطن اللبنانية ـ الإسرائيلية آلية تطبيقية له: وقف نار كامل، انسحاب إسرائيلي متزامن، لجنة متابعة للشكاوى، وتسلم الجيش اللبناني للأرض المحررة بلا دور في صراع داخلي. لكن واشنطن، عبر روبيو والمنامة، تضيف شروطاً لم ترد في مسار سويسرا و التفاهم الأميركي ـ الإيراني.
- بهذا المعنى، ليست مفاوضات واشنطن امتحاناً للبنان فقط، بل انها امتحان للتفاهم الأميركي ـ الإيراني نفسه. فإذا قبل لبنان الصيغة الإسرائيلية سقط التنفيذ. وإذا رفضها سقط الاتفاق. وإذا خرج بيان رمادي بقيت الأزمة مكانها. أما الحقيقة السياسية فهي أن مسار المنامة لم يأتِ صدفة، ومسار واشنطن ليس منفصلاً عنه. كلاهما محاولة أميركية لتطويق سويسرا، لا لترجمتها.
