خبراء وأكاديميون يناقشون مستقبل كولومبيا بين الديمقراطية والأمن والعدالة الاجتماعية

 خبراء وأكاديميون يناقشون مستقبل كولومبيا بين الديمقراطية والأمن والعدالة الاجتماعية

لوس أنجلوس – الانتشار العربي

نظمت مؤسسة American Community Media في 12 يونيو/حزيران ندوة حوارية حول الانتخابات الرئاسية المقبلة في كولومبيا، شارك فيها أكاديميون وصحفيون وباحثون متخصصون في شؤون أمريكا اللاتينية، حيث تناولوا التحديات السياسية والأمنية والاجتماعية التي تواجه البلاد، وانعكاسات نتائج الانتخابات على مستقبل الديمقراطية في المنطقة.

واستهلت الندوة البروفيسورة بياتريس ماغالوني، الباحثة البارزة في جامعة ستانفورد والمتخصصة في قضايا الديمقراطية والعنف السياسي والحكم الرشيد، بالتأكيد على أن توصيف الانتخابات الكولومبية على أنها مجرد مواجهة بين اليمين واليسار لا يعكس حقيقة المشهد السياسي في البلاد.

وأوضحت ماغالوني أن الانقسام الحالي في كولومبيا يرتبط بتجارب مختلفة يعيشها المواطنون مع الدولة. فالسكان في المدن والمناطق الحضرية يعانون من الجريمة والابتزاز وانعدام الأمن بشكل يومي، ما يدفعهم إلى تأييد المرشحين الذين يعدون بحلول أمنية سريعة وحازمة. في المقابل، تعيش المجتمعات الريفية، خصوصاً السكان الأصليين والأفارقة الكولومبيين، واقعاً مختلفاً يتمثل في سيطرة الجماعات المسلحة على الأراضي والموارد الطبيعية، واستمرار التهديدات التي تستهدف القادة المحليين والمدافعين عن الحقوق المجتمعية.

وأضافت أن ما تشهده كولومبيا اليوم يعكس أزمة ثقة متزايدة بالديمقراطية في أمريكا اللاتينية، حيث يشعر المواطنون بأن الأنظمة الديمقراطية غير قادرة على معالجة القضايا التي تمس حياتهم اليومية، وعلى رأسها الأمن والاستقرار الاقتصادي. ومع ذلك، شددت على أن غالبية المواطنين لا تزال تؤمن بالحريات الأساسية وحق التعبير والاحتجاج، لكنها أصبحت أكثر استعداداً لقبول إجراءات أمنية صارمة قد تتجاوز أحياناً الضمانات القانونية وحقوق الإنسان.

وخلال النقاش، تطرقت ماغالوني إلى قضية الهجرة، مشيرة إلى أن المهاجرين الفنزويليين في كولومبيا أصبحوا في بعض الأحيان هدفاً لخطابات سياسية تربط بينهم وبين ارتفاع معدلات الجريمة، رغم أن الأدلة لا تدعم هذه الصورة النمطية. كما رأت أن هذا الخطاب يشبه ما يحدث في الولايات المتحدة وبعض دول أمريكا اللاتينية، حيث يتم توظيف ملف الهجرة سياسياً لتحقيق مكاسب انتخابية.

من جانبه، قدم الصحفي مانويل أورتيز، الذي أمضى سنوات في تغطية الأوضاع الميدانية في كولومبيا، شهادات مباشرة من مناطق النزاع. واستعرض حادثة وقعت في إقليم كاوكا، حيث اندلعت مواجهات بين مجموعتين من السكان الأصليين بسبب نزاع على الأراضي، ما أدى إلى سقوط قتلى وجرحى.

وأوضح أورتيز أن وسائل الإعلام ركزت على المواجهات نفسها، لكنها تجاهلت الأسباب العميقة للنزاع، والتي ترتبط بتاريخ طويل من التهجير القسري والصراع على ملكية الأراضي. وأشار إلى أن المجتمعات المحلية التي التقاها لا تعتبر الطرف الآخر عدواً لها، بل ترى أن المشكلة الحقيقية تكمن في عقود من العنف والسياسات التي أدت إلى فقدان الأراضي وتفكك المجتمعات الريفية.

كما تحدث عن زيارته إلى منطقة مونتيس دي ماريا، حيث يسعى مزارعون من أصول أفريقية إلى استعادة أراضٍ يقولون إنها انتزعت منهم خلال سنوات الصراع المسلح. وأكد أن كثيراً من سكان هذه المناطق ينظرون إلى الانتخابات الحالية باعتبارها استفتاءً على مستقبل برامج إعادة الأراضي وتنفيذ اتفاقيات السلام.

واعتبر أورتيز أن السباق الرئاسي لا يتمحور حول قضايا اقتصادية أو أيديولوجية بقدر ما يتعلق بمستقبل عملية السلام والديمقراطية وحقوق المجتمعات الريفية، مشيراً إلى أن قطاعات واسعة تخشى من العودة إلى سياسات أمنية مشابهة لتلك التي سادت خلال سنوات العنف السابقة.

أما الباحث والأنثروبولوجي أليكس، المتخصص في دراسة التحولات السياسية بأمريكا اللاتينية، فقد ركز في مداخلته على تنامي نفوذ الحركات اليمينية الشعبوية في المنطقة. وقال إن العديد من هذه الحركات تستثمر في مخاوف المواطنين من الجريمة والتدهور الاقتصادي لتقديم حلول سريعة لمشكلات معقدة.

وأشار إلى أن كولومبيا تواجه تحديات أمنية حقيقية، من بينها وجود عشرات الجماعات المسلحة غير النظامية التي تسيطر على أجزاء من البلاد، مؤكداً أن معالجة هذه المشكلات تتطلب حلولاً شاملة تتجاوز المقاربات الأمنية التقليدية.

كما أعرب عن قلقه من تأثير الخطابات السياسية المتشددة التي تنتشر في عدد من دول المنطقة، معتبراً أن الديمقراطية تصبح أكثر هشاشة عندما تفشل الحكومات في الاستجابة للمطالب الاجتماعية والاقتصادية للمواطنين.

وشهدت الندوة نقاشاً حول تأثير السياسة الأمريكية على أمريكا اللاتينية، حيث أشار بعض المتحدثين إلى أن الخطابات المتشددة تجاه المهاجرين والجريمة في الولايات المتحدة تجد صدى لها في دول أخرى، بما فيها كولومبيا، ما يساهم في صعود تيارات سياسية تعتمد على التخويف والاستقطاب.

واختتم المشاركون الندوة بالتأكيد على أن الانتخابات الرئاسية المقبلة تمثل لحظة حاسمة في تاريخ كولومبيا، ليس فقط لتحديد هوية الرئيس القادم، بل أيضاً لتحديد المسار الذي ستسلكه البلاد في قضايا الأمن والسلام والديمقراطية والعدالة الاجتماعية

Al Enteshar Newspaper

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *