بقيادة طليب، تصويت مرتقب في مجلس النواب لإنهاء الدعم الأميركي للحرب الإسرائيلية على لبنان
واشنطن – سعيد عريقات-2/6/2026
تحليل إخباري
يستعد مجلس النواب الأميركي خلال الأيام المقبلة للتصويت على مشروع قرار يستند إلى قانون صلاحيات الحرب، ويهدف إلى إنهاء أي مشاركة أميركية في الحرب الإسرائيلية على لبنان لم تحصل على تفويض صريح من الكونغرس، في خطوة تعكس تنامي الانقسام داخل المؤسسة السياسية الأميركية بشأن الانخراط المتواصل لواشنطن في النزاعات الإقليمية المرتبطة بإسرائيل.
ويقود هذه المبادرة التشريعية النائبة الديمقراطية رشيدة طليب، الفلسطينية الأصل، التي تحولت إلى أحد أبرز وجوه المعارضة داخل الكونغرس للسياسات الإسرائيلية وللغطاء السياسي والعسكري الذي توفره لها واشنطن. وتشتهر طليب بمواقفها الجريئة في مواجهة ما يعتبره منتقدون انحيازاً راسخاً داخل المؤسسة التشريعية الأميركية لمصلحة إسرائيل، إذ لم تتردد في تحدي ضغوط جماعات الضغط المؤيدة لها والدفاع عن حقوق الفلسطينيين واللبنانيين في المحافل التشريعية. ومن هذا المنطلق، تقدمت بمشروع قرار يهدف إلى إنهاء أي مشاركة أميركية في الحرب الإسرائيلية على لبنان لم تحصل على موافقة الكونغرس، بما في ذلك التعاون الاستخباري والعسكري الذي ترى أنه يجعل الولايات المتحدة شريكاً مباشراً في النزاع.
ويأتي التحرك التشريعي في وقت تتزايد فيه الانتقادات الموجهة إلى إدارة الرئيس دونالد ترمب بسبب ما يعتبره معارضون تجاوزاً لصلاحيات السلطة التنفيذية في إدارة النزاعات الخارجية. وتستند هذه الانتقادات إلى قانون صلاحيات الحرب الصادر عام 1973، والذي يفرض قيوداً على قدرة الرئيس على إشراك الولايات المتحدة في عمليات عسكرية أو دعم نزاعات مسلحة دون موافقة الكونغرس.
ووفق مذكرة أعدها مكتب النائبة طليب، فإن إدارة ترمب لم تكتف بدعم العمليات الإسرائيلية سياسياً وعسكرياً، بل شاركت بصورة مباشرة في اتخاذ قرارات تتعلق بالموافقة على بعض العمليات العسكرية الإسرائيلية في لبنان أو رفضها، فضلاً عن توفير معلومات استخبارية استخدمت في تنفيذ هجمات عسكرية وتنسيق مستمر مع الجيش الإسرائيلي خلال مجريات الحرب.
وتشير المعطيات التي يستند إليها مؤيدو القرار إلى أن استمرار هذا الانخراط يجعل الولايات المتحدة طرفاً فعلياً في النزاع، وليس مجرد داعم خارجي لإسرائيل. ويؤكد هؤلاء أن حجم التنسيق العسكري والاستخباري القائم يتجاوز حدود الدعم التقليدي بين الحلفاء، ما يضع الإدارة الأميركية في مواجهة أسئلة قانونية وسياسية متزايدة داخل الكونغرس.
وتقول طليب إن الحرب الإسرائيلية على لبنان أسفرت منذ مطلع آذارالماضي عن مقتل أكثر من 3400 لبناني، بينهم أعداد كبيرة من المدنيين، معتبرة أن الولايات المتحدة تتحمل جزءاً من المسؤولية عن استمرار العمليات العسكرية نتيجة الدعم الذي تقدمه لإسرائيل. وتعهدت النائبة الديمقراطية بدفع المجلس إلى التصويت على إنهاء المشاركة الأميركية الفورية في ما وصفته بـ”الحرب غير القانونية وغير الأخلاقية” على لبنان.
ولا يقتصر التحدي الذي تواجهه إدارة ترمب على الملف اللبناني. فالمجلس يستعد أيضاً للنظر في مشروع قرار منفصل يهدف إلى تقييد الحرب الدائرة مع إيران وإنهاء العمليات العسكرية الأميركية المرتبطة بها. ويأتي ذلك في ظل استمرار المواجهات العسكرية المتبادلة بين واشنطن وطهران، رغم الحديث عن وقف إطلاق نار هش ما زال مهدداً بالانهيار في أي لحظة.
وكان الجمهوريون في مجلس النواب قد نجحوا سابقاً في تأجيل التصويت على مشروع القرار المتعلق بإيران قبل عطلة “يوم الذكرى”، بعدما تبين أن عدداً من النواب لا يؤيدون مساعي القيادة الجمهورية لمنع طرحه. إلا أن عودة الكونغرس إلى الانعقاد أعادت الملف إلى الواجهة وسط تصاعد الضغوط الشعبية والسياسية المطالبة بإعادة تأكيد دور السلطة التشريعية في قرارات الحرب والسلم.
ويأتي هذا التحرك التشريعي في واشنطن فيما تتزايد المؤشرات إلى احتمال اتساع رقعة المواجهة الإقليمية إذا استمرت الحرب الإسرائيلية على لبنان. فقد حذر رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف، الاثنين، من أن طهران قد تنتقل إلى مرحلة “المواجهة المباشرة مع العدو” إذا لم توقف إسرائيل هجماتها على الأراضي اللبنانية. وجاءت تصريحات قاليباف عقب اتصال أجراه مع رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري، أكد خلاله أن “استمرار العدوان الإسرائيلي لن يؤدي فقط إلى وقف مسار المفاوضات الجارية، بل سيدفع إيران إلى الانخراط بصورة مباشرة في المواجهة”. وتعكس هذه التصريحات حجم الترابط المتزايد بين الساحتين اللبنانية والإيرانية، وتؤكد أن أي تصعيد إضافي في لبنان قد يتحول سريعاً إلى عامل تفجير لمواجهة إقليمية أوسع تشمل أطرافاً عدة، في وقت تبذل فيه جهود دبلوماسية مكثفة لمنع انهيار التهدئة الهشة القائمة بين واشنطن وطهران.
كما تضفي هذه التهديدات الإيرانية بعداً إضافياً على الجدل الدائر داخل الكونغرس، إذ يرى مؤيدو مشروع القرار أن استمرار الدعم الأميركي للعمليات الإسرائيلية في لبنان لا يهدد بإطالة أمد الحرب فحسب، بل قد يجر الولايات المتحدة نفسها إلى مواجهة إقليمية مفتوحة تتجاوز حدود النزاع اللبناني، وهو ما يجعل التصويت المرتقب اختباراً حقيقياً لقدرة المؤسسة التشريعية على كبح الانزلاق نحو حرب أوسع في الشرق الأوسط.
ولا تقتصر أهمية هذه المعركة التشريعية على الحرب في لبنان أو المواجهة مع إيران، بل تمتد إلى جوهر التوازن الدستوري داخل النظام السياسي الأميركي. فمنذ عقود توسعت صلاحيات الرؤساء المتعاقبين في استخدام القوة العسكرية خارجياً دون تفويضات واضحة من الكونغرس، مستفيدين من ظروف الطوارئ والحروب المفتوحة. ويعتبر مؤيدو القرار أن التصويت المرتقب يشكل اختباراً حقيقياً لقدرة الكونغرس على استعادة صلاحياته الدستورية. أما فشله فقد يكرس سابقة جديدة تسمح للبيت الأبيض بالاستمرار في إدارة الحروب الإقليمية عبر الشراكات العسكرية والتحالفات دون رقابة تشريعية فعالة.
ويكشف طرح مشروع القرار عن تحول سياسي مهم داخل واشنطن يتمثل في تراجع قدرة إسرائيل على الاحتفاظ بالإجماع التقليدي الذي تمتعت به لعقود داخل الحزبين الجمهوري والديمقراطي. فالأصوات المنتقدة للدعم العسكري غير المشروط أصبحت أكثر جرأة وتنظيماً، خصوصاً بين الديمقراطيين التقدميين وجزء من الناخبين الشباب. وبينما ما زالت الأغلبية في الكونغرس تؤيد التحالف الاستراتيجي مع إسرائيل، فإن النقاش انتقل من مستوى الهامش السياسي إلى قلب المؤسسة التشريعية، وهو تطور يعكس تغيراً تدريجياً في المزاج السياسي الأميركي تجاه الحروب الإقليمية وتكاليفها الإنسانية.
يشار إلى أن الرئيس ترمب يواجه معضلة سياسية متنامية تتمثل في محاولة الجمع بين دعم إسرائيل والمحافظة على صورته أمام قاعدته السياسية التي طالما رفعت شعار تجنب الحروب الخارجية المكلفة. فكلما ازداد الانخراط الأميركي في النزاعات الإقليمية، تعززت الانتقادات التي تتهم الإدارة بالتورط في صراعات لا تحظى بتأييد شعبي واسع. كما أن استمرار العمليات العسكرية في لبنان وإيران قد يضعف خطاب ترمب القائم على تقديم نفسه باعتباره رئيساً قادراً على إنهاء الحروب لا توسيعها. ولذلك فإن نتائج التصويت المرتقب قد تحمل تداعيات سياسية تتجاوز السياسة الخارجية إلى الحسابات الانتخابية الداخلية.
