بين هدنة هشة واستنزاف مفتوح: الخليج على حافة مواجهة أميركية–إيرانية طويلة

 بين هدنة هشة واستنزاف مفتوح: الخليج على حافة مواجهة أميركية–إيرانية طويلة

رسالة واشنطن

واشنطن – سعيد عريقات-11/5/2026

تحليل إخباري

رغم الهدنة الهشة التي تم التوصل إليها بوساطة باكستانية بين الولايات المتحدة وإيران، فإن مسار الأحداث في الخليج لا يعكس اتجاهاً نحو التهدئة بقدر ما يكشف انتقال الصراع إلى مرحلة استنزاف طويلة، تتداخل فيها أدوات الدبلوماسية مع الوقائع العسكرية والاقتصادية على الأرض. فالتصعيد البحري، والهجمات بالطائرات المسيّرة، والتوتر المستمر حول مضيق هرمز، جميعها تشير إلى أن المنطقة ما تزال عالقة في حالة مواجهة غير معلنة، تُدار بحدود دقيقة لكنها قابلة للانفجار في أي لحظة، في ظل غياب ثقة متبادلة بين واشنطن وطهران.

في هذا السياق، جاء الرد الإيراني على المقترح الأميركي الأخير عبر الوساطة الباكستانية دون إعلان تفاصيله، بعد أن كانت واشنطن قد طرحت تصوراً تفاوضياً يتضمن إطاراً لإعادة فتح مسار المحادثات حول البرنامج النووي، إلى جانب ترتيبات تتعلق بممرات الملاحة في مضيق هرمز. غير أن هذا المسار السياسي بدا منفصلاً عن الواقع الميداني الذي يتجه نحو مزيد من التعقيد، حيث تتواصل الحوادث الأمنية والاشتباكات غير المباشرة، ما يعكس فجوة متزايدة بين الدبلوماسية والواقع العسكري.

بدوره، تعامل الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع الرد الإيراني بحدة واضحة، معلناً رفضه له “رفضاً كاملاً” وفق تعبيره، معتبراً أن طهران لم تقدم ما يمكن البناء عليه في أي عملية تفاوضية جادة. هذا الموقف يعكس رؤية أميركية ترى أن إيران تحاول فرض وقائع ميدانية على الأرض قبل الدخول في أي تسوية سياسية، غير أن هذا التشدد في الخطاب لا يخفي في المقابل محدودية الخيارات الأميركية، في ظل إدراك أن أي تصعيد واسع قد يتحول إلى حرب إقليمية معقدة يصعب التحكم في مسارها أو نتائجها.

وفي موازاة ذلك، شهدت المنطقة سلسلة تطورات ميدانية عززت من هشاشة الهدنة القائمة. فقد تم اعتراض طائرات مسيّرة في أكثر من دولة خليجية، وتعرضت سفينة قرب السواحل القطرية لهجوم محدود، كما وقع استهداف في محيط أربيل مرتبط بجماعات معارضة إيرانية. هذه الأحداث، رغم محدوديتها، تعكس استمرار استخدام أدوات الضغط العسكري منخفض الحدة، بما يجعل وقف إطلاق النار الحالي أقرب إلى إدارة مؤقتة للتصعيد منه إلى تسوية فعلية.

ولم تتمكن الولايات المتحدة من فرض معادلة ردع جديدة عبر عملية “مشروع الحرية”، إذ اصطدمت العملية بعقبات إقليمية واضحة، أبرزها رفض المملكة العربية السعودية السماح باستخدام قواعدها أو أجوائها لدعم هذه المساعي في فتح وتأمين مضيق هرمز. هذا الرفض شكل مؤشراً مهماً على تزايد الحذر الإقليمي من الانخراط في مواجهة مفتوحة مع إيران، وعلى تحول في حسابات دول الخليج التي باتت أكثر ميلاً لتجنب الانجرار إلى حرب لا يمكن التنبؤ بنتائجها.

في المقابل، واصلت إيران تعزيز موقعها في معادلة الضغط عبر المضيق، حيث تسعى إلى تحويله إلى ورقة استراتيجية في مواجهة الولايات المتحدة. فطهران تتعامل مع هرمز ليس كممر ملاحي دولي فحسب، بل كأداة سيادية قادرة على التأثير المباشر في الاقتصاد العالمي، من خلال التحكم بحركة السفن وفرض ترتيبات ميدانية جديدة. هذا التطور، إلى جانب الإجراءات الأميركية الموازية لاعتراض السفن المتجهة إلى إيران، أدى إلى حالة ضغط مزدوجة انعكست على حركة التجارة والطاقة.

ولم يكن تراجع الملاحة في مضيق هرمز مجرد تطور تقني، بل تحول إلى أزمة اقتصادية عالمية صامتة، حيث ارتفعت تكاليف الشحن والتأمين بشكل كبير، وتراجعت حركة ناقلات النفط، فيما بقيت مئات السفن عالقة داخل الخليج. هذا الوضع كشف مجدداً هشاشة النظام الاقتصادي العالمي واعتماده على ممرات بحرية محدودة يمكن أن تتحول بسهولة إلى نقاط اختناق استراتيجية في حال استمرار التصعيد.

في موازاة ذلك، يبقى الملف النووي الإيراني هو العقدة المركزية التي تعيد إنتاج الأزمة. فواشنطن تصر على وقف التخصيب وتفكيك مخزون اليورانيوم عالي التخصيب، بينما تعتبر طهران أن هذا المخزون يمثل ضمانة استراتيجية لردع أي محاولة لفرض شروط سياسية عليها بالقوة. وهكذا يتحول الخلاف من مسألة تقنية إلى صراع على ميزان الردع الإقليمي، حيث يرتبط مستقبل التفاوض مباشرة بموازين القوة لا بالتفاهمات الفنية.

يشار إلى أن رئيس وزراء إسرائيل ، بنيامين نتنياهو، طالب الولايات المتحدة على برنامج “ستون دقيقة” على شبكة سي.بي.إس نيوز الأحد، باستخلاص اليورانيوم المخصب من إيران بالقوة عبر استخدام قواتها الخاصة. 

التقديرات داخل واشنطن تشير إلى وجود خطط عسكرية محتملة لاستهداف البنية النووية الإيرانية، إلا أن المؤسسة العسكرية تدرك أن أي عملية من هذا النوع قد تتطلب تدخلاً برياً واسعاً، مع احتمالات عالية لتوسع الحرب إلى العراق ولبنان والخليج. هذا الإدراك يفسر الحذر الأميركي في الانتقال من التهديد إلى التنفيذ، رغم استمرار الخطاب التصعيدي من جانب الإدارة.

على المستوى الإقليمي، امتدت تداعيات الأزمة إلى جبهات أخرى، خصوصاً لبنان، حيث استمرت التوترات رغم إعلان ترمب أن وقف إطلاق النار يجب أن يشمل الساحة اللبنانية. غير أن استمرار الغارات الإسرائيلية يوضح أن الصراع لم يعد محصوراً في الخليج، بل بات شبكة مترابطة من الساحات القابلة للاشتعال المتزامن.

دولياً، بدأت بريطانيا وفرنسا تحركات لتعزيز حماية الملاحة في الخليج، في ظل إدراك متزايد بأن استمرار الأزمة قد يهدد الاقتصاد العالمي. غير أن هذه التحركات تبقى محدودة، لأنها تعالج الأعراض أكثر مما تعالج جذور الصراع.

في المحصلة، تبدو المنطقة أمام مرحلة استنزاف طويلة، حيث لا تسوية قريبة ولا حسم عسكري واضح، بل إدارة صراع منخفض الحدة قد يطول أمده. وبينما تراهن واشنطن على الضغط، وتراهن طهران على الصمود، تبقى المنطقة كلها في حالة توازن هش قابل للانهيار في أي لحظة.

وتكشف الأزمة الحالية أن الصراع بين الولايات المتحدة وإيران لم يعد خلافاً حول البرنامج النووي فقط، بل تحول إلى مواجهة شاملة على شكل النظام الإقليمي في الشرق الأوسط. فإيران تسعى إلى تثبيت معادلة ردع تقوم على التحكم بالممرات البحرية ورفع كلفة أي مواجهة عسكرية ضدها، بينما تحاول واشنطن منع هذا التحول لأنه يهدد أسس نفوذها التقليدي في الخليج. هذا التداخل بين الجغرافيا والسياسة يجعل أي تسوية تقنية غير كافية ما لم تُعالج مسألة توزيع القوة في الإقليم بشكل أعمق.

ويعكس رفض المملكة العربية السعودية استخدام قواعدها في عملية “مشروع الحرية” يعكس تحولاً مهماً في الحسابات الإقليمية، حيث باتت دول الخليج أكثر ميلاً لتجنب الانخراط المباشر في صراعات كبرى لا يمكن ضبط نتائجها. هذا التغير لا يعني ابتعاداً عن التحالفات التقليدية، لكنه يعكس إعادة تقييم لمخاطر التصعيد، خصوصاً في ظل إدراك أن أي مواجهة واسعة في الخليج قد تتحول سريعاً إلى تهديد مباشر للاستقرار الاقتصادي والأمني الداخلي للدول الخليجية نفسها، وليس فقط ساحة لصراع القوى الكبرى.

ولعل أخطر ما في المرحلة الحالية هو أن جميع الأطراف تتحرك على أساس افتراض القدرة على ضبط التصعيد ومنع الانفجار الشامل، بينما تشير التجارب التاريخية إلى أن الحروب الكبرى غالباً ما تبدأ من حوادث محدودة وسوء تقدير متبادل. فالتوتر حول مضيق هرمز، والاشتباكات غير المباشرة، والتصريحات التصعيدية، كلها عناصر ترفع احتمالات الخطأ في الحسابات. ومع غياب قناة تفاوض مستقرة وفعالة، يصبح احتمال الانزلاق إلى مواجهة أوسع قائماً، حتى دون قرار سياسي مباشر من أي طرف

Al Enteshar Newspaper

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *