قرار السلطة بالتفاوض و اتفاق 17 أيار
ناصر قنديل
نقاط على الحروف
ناصر قنديل
يركز رئيسا الجمهورية والحكومة في خطاب كل منهما وفي خطاب الحكومة مجتمعة على أن قرار التفاوض لا يهدف الى اتفاق سلام مع اسرائيل، باعتبار أن خطوة من هذا النوع تتوقف لبنانيا على خطوات عربية مشتركة يريد لبنان أن يكون جزءا منها، ممتنعا عن أي اتفاق سلام خارج سياق عربي عام، او اي خطوة تطبيعية مع كيان الاحتلال خارج سياق عربي مماثل، ويعتقد مؤيدو التوجه التفاوضي للحكم والحكومة ان هذا التعهد شيئا عظيما يضع الخطوة التفاوضية خارج نموذج 17 أيار، وفي ذلك مجافاة للحقيقة والواقع وظلم للرئيس السابق أمين الجميل ومعه لاتفاق 17 أيار، حيث كان الرئيس الجميل ومعه الاتفاق يقومان على معادلة تفادي التحول الى معاهدة سلام، أو إلى اتفاقية تطبيع، لكن كما اتفاق 17 أيار سوف يكون اي اتفاق ناجم عن هذه المفاوضات، معاهدة سلام بتعابير مخففة واتفاقية تطبيع مموهة.
نص اتفاق 17 أيار 1983 صراحةً على إنهاء حالة الحرب بين لبنان وإسرائيل، لكنه تجنب استخدام كلمة “معاهدة سلام” (Peace Treaty) بشكل مباشر، واصفاً نفسه بأنه “اتفاق حول الانسحاب والترتيبات الأمنية”، وهو التوصيف الذي لن يجد أفضل منه جماعة التفاوض المباشر اليوم، وقد جهد الرئيس الجميل في تسويق الاتفاق بصفته اتفاق انسحاب و ترتيبات أمنية لا معاهدة سلام، وبذلك يمكن علميا وسياسيا وصف الاتفاق الذي تسعى إليه السلطة اللبنانية بأنه نسخة جديدة من اتفاق 17 أيار، رغم السعي إلى تصوير عدم القبول بمعاهدة سلام انتصارا وطنيا، كما فعل الرئيس الجميل عام 1983.
بدلا من النص على اعتراف لبنان بحق اسرائيل بالوجود نصت المادة الأولى من اتفاق 17 أيار 1983 على أن الطرفين يتعهدان باحترام سيادة واستقلال وسلامة أراضي كل منهما، و الاعتراف بالحدود الدولية القائمة، وبدلا من نص واضح عن تطبيع العلاقات مع اسرائيل تضمن الاتفاق ملحقاً يدعو لتشكيل “لجنة اتصال مشتركة” لتنظيم انتقال الأفراد والبضائع، وتحت عنوان انسحاب بلا تنازل عن السيادة، ربطت اسرائيل انسحابها بانسحاب القوات السورية من لبنان، وهي تربط اليوم انسحابا مماثلا بنزع سلاح المقاومة، ومثلما تطلب اسرائيل منطقة عازلة تحت سيطرتها الكاملة، وحق التحرك وحرية الملاحقة في منطقة تمتد الى نهر الليطاني وربما الى نهر الأولي، أنشأ اتفاق 17 أيار 1983 عبر ملحق أمني، المنطقة الأمنية (Security Region) – “منطقة الرقابة والقيود المشددة”وهي المنطقة الأكثر حساسية، وتمتد من الحدود الدولية شمالاً حتى خط جغرافي يصل لعمق 45 كيلومتراً تقريباً (شملت مناطق صور، النبطية، و حاصبيا).ونص الاتفاق على إنشاء “لجنة الترتيبات الأمنية” التي تضم ضباطاً إسرائيليين ولبنانيين بمشاركة أمريكية. كما كان لإسرائيل الحق في القيام بجولات تفتيشية والتحقق من أي “خرق” أمني. وتقرر إنشاء مركزين دائمين ل التحقق والمراقبة (في حاصبيا و ميفدون) يتواجد فيهما عسكريون إسرائيليون بانتظام. ومُنع لبنان من وضع رادارات متطورة، وصواريخ مضادة للطائرات، ومدافع بعيدة المدى في هذه المنطقة الممتدة حتى نهر الأولي بينما منع في سائر مناطق لبنان إنشاء رادارات تكون موجهة جنوبا، بما في ذلك تلك المخصصة لأغراض الملاحة المدنية
الطلبات الإسرائيلية اليوم تشبه تلك الطلبات من مفاوضات اتفاق 17 أيار، سواء طلب معاهدة سلام أو التطبيع، و سبق ان تم تقديم تفاديها إنجازا وطنيا كبيرا وهو ما يتم اليوم وسوف يتم عند التوصل الى اتفاق لا يتضمن هذه الطلبات، لكن في الحالة الراهنة تكون إسرائيل قد حصلت على ما تريده فعلا كما حصلت عليه في اتفاق 17 أيار، حيث التزمت السلطة اللبنانية يومها وسوف تلتزم السلطة اليوم مثلها، بمكافحة وملاحقة وتفكيك كل مجموعات شبه نظامية وغير نظامية تناصب اسرائيل العداء، او تنوي تنظيم اعمل تنال من أمن اسرائيل او من قواتها، وهي صورة تم تنفيذها في الضفة الغربية وفقا لاتفاقيات أوسلو، التي تشكل مع الخبرة الناتجة عن تطبيقها زادا جديدا لجيش الاحتلال لم يكن متوفرا عند مفاوضات اتفاق 17 أيار.
المقدمات التي تسوقها السلطة اليوم لتبرير تفاوض من أجل “الانسحاب وترتيبات أمنية”، هي ذات المقدمات التي تضمنها خطاب السلطة عام 1982 و1983 لتبرير التفاوض وصولا لتوقيع اتفاق 17 أيار، وجوهرها يقول بلا جدوى الرهان على الحرب والمقاومة، والتذرع بحجم الخسائر وغياب سياق عربي يتيح المواجهة، والحديث المبالغ به عن اهمية الدعم الأميركي وصدقية هذا الدعم في الحرص على السيادة اللبنانية، ولكن الفارق أنه كان لهذه المقدمات درجة أعلى بكثير من المصداقية مع اتفاق 17 أيار، حيث كانت اسرائيل تحتل لبنان حتى عاصمته، وكانت المقاومة مجرد مولود ناشئ ليست لديه تجربة تثبت جدوى الرهان على هذا الخيار كما قال التحرير عام 2000، بحيث كان يبدو أن خيار التفاوض والاتفاق هو مجرد خيار سياسي براغماتي عام 1983، يستند إلى شبه حصرية لصالحه بين الخيارات الواقعية، وإلى أن حجم الضرر الناشئ عن حجم الاحتلال اكبر بكثير من أي مخاطر تنتج عن التفاوض والاتفاق، بينما تبدو اليوم كل الوقائع معاكسة له ويبدو الإصرار عليه ترجمة لخيار عقائدي أكثر مما هو خيار سياسي، بما في ذلك الاستعداد للمخاطرة بالنتائج الكارثية للصدام الذي يؤسس له بين السلطة والمقاومة، تعبيرا عن هذا البعد العقائدي غير المفهوم؟
الأكيد أن ما نحن بصدده هو نسخة من مفاوضات اتفاق 17 أيار، والأكيد أن الرئيس أمين الجميل كان معذورا أكثر مما هي السلطة اليوم، مع ملاحظة دستورية تحتاج للفحص بخصوص صلاحية رئيس الجمهورية بالتفاوض على المعاهدات الدولية، ومدى انطباقها على صلاحية هذا التفاوض مع تصنيف اسرائيل عدوا في الدستور اللبناني وهو ما لم يكن قائما في مفاوضات اتفاق 17 أيار، وما يستدعي في حالة اليوم اجازة خاصة بنص دستوري تمنح رئيس الجمهورية صلاحية خاصة ومشروطة موضوعا وزمانا للتفاوض مع العدو، وتمنح معه الحصانة القانونية للموظفين الذي يكلفهم بالاتصال بالعدو من الملاحقة بجرم الاتصال؟
