غزة تواجه ‘إرهاباً بيئياً’: القوارض تنهش أجساد الأطفال
لم تعد غزة مجرد ساحة للعمليات العسكرية، بل تحولت إلى بيئة خصبة لكارثة صحية وبيئية تتصاعد أبعادها يوماً بعد آخر. تتكدس أطنان النفايات في الشوارع ومحيط مراكز الإيواء، مما أدى إلى انهيار كامل في منظومة النظافة العامة وغياب أبسط مقومات الحياة الكريمة للنازحين.
في ظل هذا الواقع المرير، بات السكان يواجهون خطراً صامتاً يتمثل في الانتشار الكثيف للقوارض والحشرات التي بدأت تغزو الخيام المتهالكة. وتتفاقم هذه الأزمة مع استمرار الاحتلال الإسرائيلي في منع إدخال المبيدات الحشرية والمواد الكيميائية اللازمة لمكافحة الآفات منذ بدء العدوان في أكتوبر 2023.
شهدت مدينة غزة حادثة مأساوية هزت مشاعر المواطنين، حيث تعرض الرضيع آدم الأستاذ، الذي لم يتجاوز شهره الأول، لنهش مباشر من جرذ ضخم داخل خيمته. وقد نُقل الطفل إلى المستشفى في حالة صحية حرجة بعد إصابته بتسمم كاد يودي بحياته، مما يعكس حجم التهديد الذي يتربص بالأطفال.
تروي والدة الطفل آدم تفاصيل تلك الليلة المرعبة، مشيرة إلى أنها استيقظت على صراخ طفلها لتجده غارقاً في دمائه وسط ظلام الخيمة. وبعد تفتيش المكان، عثرت العائلة على جرذ كبير يختبئ تحت إحدى الطاولات، في مشهد يجسد انعدام الأمان حتى داخل أماكن النزوح المفترضة.
هذه الحادثة ليست معزولة، إذ تتواتر الشهادات من مختلف مخيمات النزوح حول هجمات مماثلة للقوارض والبراغيث التي باتت تنهش أجساد النازحين. ويشكو المواطنون عبر منصات التواصل الاجتماعي من حالة ذعر دائمة، خاصة مع رصد حشرات سامة وزواحف تقترب من الأطفال أثناء نومهم.
أفادت مصادر محلية بأن الوضع الإنساني في المخيمات تجاوز حدود الاحتمال، حيث تنتشر الحشرات السامة والبعوض بشكل غير مسبوق. كما تم رصد حيوانات برية مؤذية مثل ‘ابن عرس’ تتجول بين الخيام، مستغلة تراكم الركام وغياب الرقابة الصحية والبيئية.
يربط مراقبون وناشطون بين هذا الانتشار المخيف وبين تراكم الجثث تحت الأنقاض وفي المناطق التي يصعب الوصول إليها نتيجة القصف المستمر. إن تحلل الأجساد في الشوارع يجذب القوارض ويسرع من دورة حياة الحشرات الناقلة للأمراض، مما ينذر بكارثة وبائية وشيكة.
استيقظت على صراخه في ظلام الخيمة، وحين أضأت الكشاف فوجئت بوجهه مغطى بالدماء.. وجدنا جرذًا كبيرًا تحت الطاولة.
تؤكد بلدية غزة أن قوات الاحتلال تمنع طواقمها بشكل منهجي من الوصول إلى مكبات النفايات الرئيسية الواقعة شرق القطاع. هذا المنع أدى إلى تحول التجمعات السكانية إلى مكبات عشوائية، تختلط فيها النفايات الصلبة بمياه الصرف الصحي الملوثة، مما يجعل المناطق غير صالحة للسكن البشري.
من جانبه، أطلق وزير الصحة الفلسطيني ماجد أبو رمضان تحذيراً شديد اللهجة من تفاقم المخاطر الصحية الناجمة عن هذا التدهور البيئي الحاد. وأشار الوزير إلى أن تراكم الركام والنفايات غير المعالجة خلق بيئة مثالية لتكاثر الفئران والجرذان التي تحمل أمراضاً قاتلة.
أوضحت وزارة الصحة أن الظروف الراهنة تزيد من احتمالية تفشي أمراض خطيرة مثل فيروس ‘هانتا’، والطاعون، وداء البريميات، والسالمونيلا. وتنتقل هذه الأوبئة إما عبر العض المباشر أو من خلال الفضلات والطفيليات الناقلة كالقراد والبراغيث التي تغزو ملابس وأغطية النازحين.
وجه الوزير نداءً عاجلاً إلى منظمة الصحة العالمية والجهات الدولية للتدخل الفوري لإدخال مواد المكافحة وتعزيز إجراءات الوقاية الصحية. وشدد على أن أكثر من مليون مواطن يعيشون في ظروف هشة للغاية، مما يجعلهم عرضة للإصابة السريعة بالأمراض المعدية في ظل سوء التغذية الحاد.
تعاني العائلات النازحة من تلف ملابسها ومخزونها المحدود من المواد الغذائية بسبب قضم القوارض لها، مما يزيد من أعبائهم الاقتصادية والنفسية. وباتت ‘المعاناة اليومية’ لا تقتصر على البحث عن الطعام والماء، بل تشمل خوض معركة ليلية ضد الحشرات والقوارض التي لا تهدأ.
ناشدت بلدية غزة المنظمات الإنسانية بضرورة توفير الوقود اللازم لآليات النظافة والمبيدات الحشرية التي انعدمت تماماً من الأسواق المحلية. وأكدت البلدية أن استمرار الوضع الحالي يعني حكماً بالإعدام الصحي على آلاف العائلات التي لا تملك وسيلة لحماية نفسها من هذه الآفات.
يبقى المجتمع الدولي أمام مسؤولية أخلاقية وإنسانية لوقف هذه الكارثة البيئية التي تتكامل مع آلة الحرب لتدمير ما تبقى من حياة في غزة. إن تأمين المستلزمات الصحية وفتح المعابر لإدخال مواد التعقيم والمكافحة يمثل ضرورة قصوى لإنقاذ آلاف الأطفال والرضع من خطر الأوبئة الفتاكة.
