حرب الهارت لاند الجنوبي وآفاقها
موفق محادين
على أهمية كل المعطيات المتداولة حول الحرب الجارية الآن بين إيران ومحور المقاومة وبين تحالف الشر الأمريكي الصهيوني وامتداداته الإقليمية، إلا أن ثمة ما يكتب ويقارب من زاوية أخرى تتعلق بالإطار والسياق العام الدولي له، وهو دور الهارت لاند الجنوبي (قلب العالم الآخر) كما صاغه الجغرافي الإستراتيجي البريطاني، ماكندر، وجدل علاقته مع الهارت لاند الشمالي الأوراسي، فمن يسيطر عليه وعلى الآخر الجنوبي يسيطر على العالم بحسب معطيات أخرى يستمد الهارت لاند الجنوبي قيمته المضافة من إعتبارات خاصة لها أهميتها الإستراتجية:
– موقع هذا الهارت على طريق الهند الشرقية في صورته وتحولاتها الجديدة.
– تأسيس الكيان الصهيوني بعد الحرب العالمية الثانية، من زاوية المصالح الإمبريالية.
– الطاقة
إنطلاقاً من ذلك صاغت الإمبريالية الأمريكية الجديدة بعيد الحرب العالمية الثانية، إستراتيجيتها للشرق الأوسط وحرصت على الإمساك بالمفاتيح الأقليمية لهذا الشرق.
– إيران الشاه ولا سيما بعد تطويق حالة الدكتور مصدق.
– تركيا بعد إزاحة حزب مصطفى كمال أتاتورك لمصلحة توليفه إمبريالية بالكامل ممثلة بحكومة عدنان مندريس المتأسلمة والأطلسية في الوقت نفسه.
– الوافد الجديد ممثلاً بالكيان الصهيوني.
– محميات النفط الجديد وخاصة بعد إتفاق الباخرة مع روزفلت.
بيد أن عقد الخمسينيات لم يمر برداً وسلاماً على الإمبريالية وأدواتها المذكورة، فمع ثورة الناصرية في مصر بدأت واشنطن ولندن تفقد سيطرتها على الهارت لاند الجنوبي، بالتزامن مع ظهور وتطور الإتحاد السوفياتي وسيطرته الكاملة على الهارت لاند الأوراسي الشمالي.
وسيمر عقدان من السنوات العجاف على الإمبرياليين، تمكنت الناصرية خلالهما من كسر السيطرة الإمبريالية على الهارت لاند الجنوبي، قبل أن تنجح الإمبريالية بوضع يدها عليه من جديد، ويفقد العرب فرصتهم السابقة مع رحيل عبد الناصر، وسيطرة الساداتيه على مصر بعنوان الخصخصه والأسلحة والصهيونية والأمركة.
إلى ذلك، وكما قامت الناصرية بكسر الهيمنة الأطلسية على الشرق الأوسط والهارت لاند الجنوبي، كررت الثورة الإيرانية الدرس الناصري، ولكنها سرعان ما تعرضت للمخاطر والتدخلات ذاتها تقريباً، لا سيما بعد أن نجحت موسكو مؤقتاً بإقامة أكبر محور إستراتيجي آسيوي في التاريخ يتضمن الهارت لاند الجنوبي، ويمتد إلى أفغانستان بعد الإنقلاب اليساري، مروراً بإيران بعد الثورة، وبتفاهم عراقي – سوري بزعامة البكر – الأسد بدعم روسي وإنتهاءً بلبنان الذي كان عملياً تحت سيطرة الحركة الوطنية والمقاومة الفلسطينية.
نعرف أن هذا المحور الإستراتيجي تعرض لهجوم مضاد، أميركي، أطلسي، صهيوني والمحميات النفطية، فاخترعت أقلام الإستخبارات الأمريكية والباكستانية والنفطية ظاهرة الإسلام التكفيري في أفغانستان.
ثم أطاحت بالتفاهم السوري – العراقي بين البكر وحافظ الأسد، وفتحت معركة مع إيران قبل أن يتوج العدو الصهيوني هذا المسلسل بالعدوان عى لبنان وإغراق سوريا بالدم والحرائق، وصولاً إلى تعميم كامب ديفيد بإتفاق مع لبنان (إتفاق 17 أيار)، وأخيراً تفكك الإتحاد السوفياتي وإقتراب واشنطن من السيطرة على الهارت لاند الأوراسي.
بالمقابل كما تمكنت الناصرية والثورة الإيرانية من كسر الحلف الأطلسي، الصهيوني، الرجعي ومحاولاته السيطرة علىة الهارت لاند الجنوبي، شكل صعود المقاومة اللبنانية بقيادة حزب الله الحلقة الثالثة من تاريخ الصراع على هذا الهارت، وسرعان ما تحول هذا الصعود إلى محور إستراتيجي يمتد من إيران مروراً بالعراق وسوريا وصولاً إلى لبنان، ثم إلى بوابتين وخاصرتين هامتين لهذا الهارت لاند، وهما ميناء غزة وباب المندب.
الهارت لاند الجنوبي ما قبل العدوان الأميركي الصهيوني على المنطقة
بالتزامن تقريباً دخلت الإمبريالية الأمريكية ودولة العدو الصهيوني في أزمات بينوية لا تشبه سابقاتها من أزمات دورية، فالثورة المعلوماتية المتسارعة أدت إلى طرد عشرات بل مئات الملايين من العمال والياقات الزرقاء والبيضاء وشرائح الطبقة الوسطى من سوق العمل، وما كان ممكنا أيضاً العودة إلى الوراء وعصر التصنيع الرأسمالي حيث كانت تتشكل القيمة المضافة والأرباح بمعيار الدورة الاقتصادية على المستوى العالمي وليس على مستوى الدورة المالية والتجارية وحدها.
وكان العدو الصهيوني، من جهته قد شهد خللاً إستراتيجياً في تركيبته الاجتماعية التي أقصت الكتله الحيوية لدوره الوظيفي ممثلة بالإشكناز لصالح القوى الأكثر تخلفاً وأشد عنصرية.
في هذه الظروف والمناخات كان الهروب إلى الخارج كما في كل مرة حتمياً ومتوقعاً، فتزامنت إستراتجية الهجوم المضاد على المحور مع التصعيد على روسيا (الأوراسية)، ومركز قلب العالم الهارت لاند الشمالي، من أوكرانيا قبيل الضربة الروسية نفسها، وذلك بناءً على نصائح مبكرة قدمها بريجينسكي قبل عقود، إنطلاقاً من تحويل أوكرانيا إلى محطة الهجوم الأمريكي على موسكو وقطع الطريق على صحوتها القومية.
وأخذت الإستراتيجية الإمبريالية أشكالاً جديدة تعدت السياسات التقليدية إلى لعبة الخرائط الديموغرافية وحرب الطوائف والأثنيات، وهي أن الحديث الأمريكي عن شرق أوسط مختلف غير شرق سايكس- بيكو (الأوروبي) صار علنيا وبدون أي مواربة واستبدل بحدود جديدة هي حدود الدم المرتبطة بتشكيلات من البافر ستيتات الطائفية الدموية.
بهذا المعنى بقدر ما كان المشروع الصهيوني للشرق الإبراهيمي الجديد، مشروعاً إقليمياً لتل أبيب ومحميات النفط والغاز المسال، بقدر ماكان جزءاً من المشروع الإمبريالي لربط الهارت لاند الشمالي الأوراسي بالهارت لاند الجنوبي.
أيضاً، إذا كان العدو الصهيوني قد ركز خلال مرحلة الصهيونية السياسية بقيادة (المعراخ) والتجمعات العمالية العلمانية المزعومة، على إسترتيجية الهيمنة من خلال إتفاقات كامب ديفيد وأوسلو ووادي عربة. ومشروع بيريز (البنيلوكس) والعنوان الاقتصادي ومؤتمرات عمان والدار البيضاء والدوحة، فقد اخذت مرحلة الصهيونية الدينية بقيادة الليكود والجماعات الدينية التكفيرية (الوجه الآخر للأصولية المتأسلمة التكفيرية)، عناوين جديدة في مشروع الشرق الأوسط الإبراهيمي.
وحل مفهوم السيطرة محل مفهوم الهيمنة والحاق المنطقة بتل أبيب، بدل دمجها في المنطقة من موقع الهيمنة، والأخطر تسويق الخطابات والسرديات الطائفية بكل تعبيراتها من الصهيونية الدينية إلى الصهيونية الإسلاموية التكفيرية (التي جرى تسليمها دمشق)، إلى الصهيونية المسيحية ومعقلها الأمريكي.
هكذا، وفي السياق الأميركي لإضعاف الهارت لاند الأوراسي، والسيطرة على الهارت لاند الشرق أوسطي وربط حرب الطاقة، وخاصة الغاز مع حرب الجيوبولتيك والممرات الإسترتيجية، جرى إستهداف المحور المقاوم الذي تمكن من الإمساك بالممرات المذكورة مثل غزة وباب المندب ومضيق هرمز والساحل السوري، إضافة للدلات الخاصىة بحرب الغاز، حيث تسيطر روسيا وإيران على الإحتياطي الأعظم، إضافة للإحتياطي الجديد قبالة ساحل غزة حيث تسيطر حماس والمقاومة وقبالة الساحل اللبناني الجنوبي حيث يسيطر حزب الله.
إلى ذلك وارتباط فكرة (المجال الحيوي) المباشر للعدو، ودائرته الفلسطينية والأردنية، يمكن الحديث المعلن والسافر عن إسرائيل الكبرى ضمن خرائط ديموغرافية جديدة تنسجم مع الرؤية الإمبريالية الأمريكية لشكل جديد من سايكس – بيكو (امريكي) لا يشبه سابقه (البريطاني، الفرنسي).
ومقابل سايكس – بيكو القديم ومشروع المعراخ وبيريز (السيطرة على الشرق الأوسط المتصهين) فإن شرق الصهيونية الدينية يتجاوز دول الجغرافيا السياسية المجاورة إلى جغرافيات سكانية إنطلاقاً من المفهوم العنصري ومعادلته الأرض- الشعب- الدولة كمفهوم إمبريالي – صهيوني خاص بالبيض واليهود مقابل معادة الجغرافيا، السكان، والإدارة الذاتية.
وبالتالي إنهاء القضية الفلسطينية كحالة جماعية سكانيه (بربرية) برسم الإبادة أو الترويض ضمن محميات أمنية، إدارية، بل والتعامل مع المحيط برمته إنطلاقاً من ذلك، بما يحقق للعدو أيضاً سيطرته على الغاز (حقل غزة وجنوب لبنان)، وعلى الماء حوض شبعا والليطاني شمالاً وجنوباً، وحوض الجولان واليرموك.
هكذا، كانت مشاريع العدو تزداد توحشاً وعنصرية من مرحلة إلى أخرى، من مرحلة الصهيونية الدينية، أي مرحلة التطبيع والإخضاع عبر الهيمنة والإتفاقيات المعروفة، وشرق بيريز والبنيلوكس، إلى مرحلة الإقتلاع والإبادة والتهجير والتهويد.
وذلك عبر السيطرة، وتجاوز الإتفاقات نفسها وصولاً إلى إسرائيل الكبرى المزعومة، وفق العقل التوراتي العنصري وإحتكاره لمفهوم الأرض، الشعب مقابل مفهوم الجغرافيا، السكان (البرابرة) الذي لا يستحقون شكلاً للدولة المدنية بل سكلاً من الإدارة في محميات تابعة.
هذا ما يراد له أن ينتظرنا جميعاً وينتظر الأردنيين والفلسطينيين خصوصاً، ولم تعد المسألة صهيونياً شكل حل الدولتين وكيف نحول سلطة الحكم الذاتي الفلسطينية إلى دولة موهومة، بل كيف نحول الدولة الأردنية إلى شكل من السلطة المحدودة، فلا يبقى الأردن وطناً سياساً ولا بديلاً جغرافيا وسكان، وحسب يدارون من “تل أبيب”، ناهيك عن السيطرة على حوض الماء من الليطاني إلى اليرموك والغور الشمالي، والغاز في غزة.
تداعيات العدوان
من تداعيات العدوان بشكل عام تكريس الحرب التقنية كسمة عامة للحروب المقبلة وضرورة أحداث إنقلاب كبير على صورة وتركيب الجيوش الكلاسيكية وإعادة هيكلتها على غرار حزب الله والمقاومة في المنطقة مع تقنيات متقدمة في السماء وعلى الأرض.
إضافة لذلك، فإن العالم اليوم كله يدفع ثمن العدوان الأمريكي الصهيوني على إيران بسبب التداعيات الخاصة بالطاقة والتجارة الدولية.
وفي ما يخص اللاعبين الأساسيين مثل العدو الصهيوني، وإيران والحزب والمقاومة في المنطقة، فالمشهد لم يكتمل حتى الأن ولكنه متاح بحسب المقاربات التالية:
على صعيد العدو، لم تكن (نجاحاته) التقنية جديدة فمنذ تأسيسه وهو متقدم مقارنة بالآخرين ولكن الثورة المعلوماتية نقلته خطوات خطيرة إلى الأمام على هذا الصعيد، لكنها غير قابلة للترجمة الإستراتيجية في ضوء إخفاقات من ذات الطبيعة أمام الصواريخ الإيرانية وصواريخ حركات المقاومة، وكذلك في ضوء تجريف الكتلة الحيوية (الاجتماعية) لدوره الوظيفي على مستوى الإقليم، وهي كتلة الإشكناز التي يتضاءل دورها شيئاً فشيئاً وسجلت أعلى نسبة للهجرة المعاكسة.
أيضاً وفيما يخص الظلال العربية الرسمية وغير الرسمية لمشروع الشرق الأوسط الإبراهيمي، فالذهاب بعيداً ومجدداً في هذا المشروع محفوف بمخاطر حقيقية مفتوحة على ما لا يحمد عقباه صهيونياً من مكر التاريخ وإنفجار الشارع العربي.
وعلى صعيد الحزب، يعرف معسكر الأعداء وأدواته وتحالفاته أن المعركة معه لا تقتصر على خبراته العسكرية مهما كانت جراحه، بل أعمق بكثير من ذلك ونتائجها تتراوح بين خيارين لا ثالث لهم، الأول، إنزلاق واشنطن وتل أبيب ومحميات النفط والغاز المسال إلى تحريض دموي يأخذ لبنان والمنطقة إلى فوضى طويلة مرشحة للإنقلاب عليهم، والثاني استعادة الحزب لكامل حضوره وتداعيات ذلك على الإقليم كله.
أما في يخص رأس المحور وقوته الأساسية، إيران، فخسائرها داخل الأسوار، بل أنها بعد ضربات التحالف الأمريكي، الصهيوني استعادت توازنها بسرعة قياسية وحطمت أسطورة الدفاع الجوي الصهيوني ووجهت ضربات كبيرة للبنية الحيوية للعدو.
ولم تعد التجربة الأميركية البريطانية للإطاحة بحكومة مصدق قابلة للتكرار، وسبق أن فشلت بعد الحرب العراقية-الإيرانية، التي كان من أهدافها بعث الحياة في كتل سياسية، اجتماعية وفسيسفائية معروفة، بل ان إيران عززت علاقتها مع المراكز الدولية للبريكس وشنعهاي ومن ثم تعزيز استقلالية الهارت لاند الشمالي الأوراسي بقوة أساسية من غرب أسيا.
