إلغاء زيارة ويتكوف وكوشنر إلى إسرائيل: ما الذي تكشفه الخطوة عن حسابات واشنطن وتباينات التحالف؟

 إلغاء زيارة ويتكوف وكوشنر إلى إسرائيل: ما الذي تكشفه الخطوة عن حسابات واشنطن وتباينات التحالف؟

واشنطن – سعيد عريقات -10/3/2026

 تحليل إخباري

أثار إلغاء الزيارة التي كان من المقرر أن يقوم بها المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف وصهر الرئيس والمستشار السابق في البيت الأبيض جاريد كوشنر إلى إسرائيل تساؤلات واسعة في الأوساط السياسية والإعلامية، خصوصاً في ظل التصعيد المتسارع في المنطقة والتوتر المتزايد المرتبط بالمواجهة مع إيران. فقد أفادت وسائل إعلام إسرائيلية بأن الزيارة، التي كان يفترض أن تتضمن لقاءات مع مسؤولين إسرائيليين لبحث التطورات الأمنية والسياسية، ألغيت بشكل مفاجئ دون تقديم تفسير رسمي من قبل واشنطن أو تل أبيب.

وفي العادة، لا يُنظر إلى مثل هذه القرارات على أنها مجرد ترتيبات لوجستية عادية، خاصة عندما يتعلق الأمر بزيارات دبلوماسية رفيعة المستوى وفي توقيت سياسي وأمني بالغ الحساسية. فالزيارات من هذا النوع غالباً ما تحمل في طياتها رسائل سياسية وإستراتيجية تتجاوز الإطار البروتوكولي، وتُستخدم لإظهار مستوى التنسيق بين الحلفاء أو لتأكيد مواقف سياسية في لحظات إقليمية دقيقة. ومن هنا، فإن إلغاء زيارة بهذا المستوى يفتح الباب أمام قراءات متعددة تتعلق بما قد يجري خلف الكواليس في هذه المرحلة.

أحد التفسيرات المحتملة لهذا القرار يرتبط بالاعتبارات الأمنية المتزايدة. ففي ظل التوترات الحالية والتهديدات المتبادلة في المنطقة، قد تكون الأجهزة الأمنية الأميركية والإسرائيلية قد خلصت إلى أن زيارة شخصيات أميركية بارزة قد تنطوي على مخاطر أمنية غير محسوبة. ومع تصاعد احتمالات الردود الانتقامية أو العمليات العسكرية المتبادلة، قد ترى الجهات المعنية أن تقليل الظهور العلني لشخصيات سياسية بارزة يمثل خطوة احترازية لتفادي أي تطورات غير متوقعة قد تُحرج الطرفين أو ترفع منسوب التوتر.

إلا أن البعد الأمني لا يشكل التفسير الوحيد المحتمل. فإلغاء الزيارة قد يعكس أيضاً حالة من إعادة التقييم داخل الإدارة الأميركية بشأن كيفية التعامل مع المرحلة المقبلة من الأزمة. ففي العادة، تعكس الزيارات السياسية العلنية درجة من الوضوح في الإستراتيجية المتبعة، بينما قد يشير إلغاؤها إلى أن النقاشات داخل واشنطن لا تزال جارية حول طبيعة الخطوات المقبلة وحدود التصعيد الممكن.

وقد تكون الإدارة الأميركية بصدد مراجعة خياراتها بين الاستمرار في دعم مسار التصعيد العسكري أو البحث عن مسارات دبلوماسية يمكن أن تسهم في احتواء الأزمة. وفي مثل هذه الحالات، قد تفضل واشنطن تأجيل التحركات العلنية إلى حين اتضاح الصورة الإستراتيجية بشكل أكبر، خصوصاً إذا كانت هناك اعتبارات تتعلق بردود الفعل الدولية أو الإقليمية التي قد تترتب على أي تصعيد إضافي.

 كما أن توقيت القرار قد يعكس توجهاً أميركياً لإعطاء أولوية لمشاورات أوسع مع شركاء إقليميين آخرين. فالتوترات الحالية لا تقتصر على إسرائيل وإيران فحسب، بل تمتد آثارها إلى عدد من دول المنطقة، خاصة تلك التي تستضيف قواعد عسكرية أميركية أو تشكل جزءاً من الترتيبات الأمنية الإقليمية. ومن هذا المنطلق، قد تكون واشنطن تسعى إلى إجراء سلسلة من المشاورات الهادئة مع حلفائها في المنطقة قبل القيام بزيارة سياسية علنية إلى إسرائيل.

غير أن القراءة الأعمق لإلغاء الزيارة قد تقود أيضاً إلى تساؤلات حول طبيعة العلاقة بين واشنطن وتل أبيب في لحظات التصعيد الحاد. فعلى الرغم من متانة التحالف الاستراتيجي بين الطرفين، إلا أن هذا التحالف لا يخلو في كثير من الأحيان من تباينات في التقدير أو في ترتيب الأولويات. وغالباً ما تظهر هذه التباينات في لحظات الأزمات الكبرى عندما تتداخل الحسابات الأمنية مع المصالح السياسية والاقتصادية الأوسع.

وفي هذا السياق، قد يكون من المبسط افتراض أن الولايات المتحدة تلعب دائماً دور “الموازن” الذي يسعى إلى تهدئة التصعيد في مقابل اندفاع إسرائيلي أكبر نحو المواجهة. فالواقع السياسي خلال السنوات الماضية يظهر أن واشنطن لم تكن دائماً قوة كبح للتصعيد، بل كانت في كثير من الأحيان شريكاً مباشراً في سياسات الضغط والمواجهة، سواء من خلال الدعم العسكري الواسع أو من خلال توفير الغطاء السياسي والدبلوماسي لإسرائيل في المحافل الدولية.

كما أن الحديث عن سعي الولايات المتحدة الدائم إلى الحفاظ على الاستقرار الإقليمي يواجه انتقادات متزايدة في المنطقة، حيث يرى كثير من المراقبين أن السياسات الأميركية غالباً ما تجمع بين خطاب يدعو إلى الاستقرار وبين ممارسات على الأرض قد تؤدي إلى نتائج معاكسة. فالدعم غير المشروط تقريباً لإسرائيل في عدد من الملفات الحساسة، إلى جانب السياسات العقابية تجاه خصومها الإقليميين، ساهم في بعض الأحيان في تعميق الاستقطاب الإقليمي بدلاً من احتوائه.

ومن هذا المنظور، فإن أي تباين محتمل بين واشنطن وتل أبيب في هذه المرحلة قد لا يتعلق بالضرورة بمبدأ التصعيد بحد ذاته، بل ربما بدرجته وتوقيته وتداعياته المحتملة على المصالح الأميركية الأوسع. فالولايات المتحدة، بوصفها قوة عالمية لها التزامات وشراكات متعددة في الشرق الأوسط، مضطرة إلى أخذ حسابات دول أخرى في الاعتبار، سواء تعلق الأمر بأمن الطاقة أو باستقرار الحلفاء الإقليميين أو بتوازناتها مع قوى دولية أخرى.

وفي حال كانت هناك اختلافات في الرؤى بشأن حدود العمليات العسكرية أو توقيتها، فإن تأجيل زيارة من هذا النوع قد يمنح الجانبين وقتاً إضافياً لتنسيق المواقف وتضييق فجوة التباينات قبل الانتقال إلى مرحلة التحركات السياسية العلنية. كما أن تأجيل الزيارة قد يساعد في تجنب إرسال إشارات متناقضة في لحظة سياسية حساسة قد تُفسَّر فيها أي خطوة دبلوماسية على أنها دعم غير مشروط لمسار معين من التصعيد.

وفي نهاية المطاف، قد لا يكون إلغاء زيارة ويتكوف وكوشنر مجرد قرار بروتوكولي عابر، بل قد يعكس مؤشراً على أن المشهد الإقليمي لا يزال في حالة سيولة كبيرة وأن العديد من القرارات المهمة المتعلقة بمسار الأزمة لم تُحسم بعد. وفي مثل هذه الظروف، غالباً ما تتحرك الدبلوماسية في مسارات غير مرئية، حيث تُتخذ القرارات الحاسمة بعيداً عن الأضواء إلى أن تتضح ملامح المرحلة التالية.

 وبينما يبقى السبب الحقيقي وراء إلغاء الزيارة غير معلن حتى الآن، فإن هذه الخطوة تعكس على الأرجح حجم التعقيدات التي تحيط بالأزمة الحالية، وتشير إلى أن حسابات القوى الكبرى في المنطقة قد تكون أكثر تشابكاً وحذراً مما توحي به التصريحات السياسية العلنية.

Al Enteshar Newspaper

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *