ما هي خيارات ترامب بعد بدء العد التنازلي للهزيمة في ايران؟ وكيف حوله نتنياهو الى “دمية” وورطه في حرب استنزاف إقليمية دمرت اكبر أدوات الردع الامريكية؟ وهل بدأ تحرك الدولة العميقة لعزله؟
عبد الباري عطوان
عبد الباري عطوان
تتصاعد حدة الانتقادات الموجهة الى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في أوساط النخبة الامريكية الحاكمة لارتمائه في أحضان بنيامين نتنياهو واليمين العنصري الحاكم في دولة الاحتلال والرضوخ لضغوطه بوضع إسرائيل أولا، وتجنيد جميع القدرات العسكرية والدبلوماسية الامريكية لخدمة حروبها في منطقة الشرق الأوسط، وايران على وجه الخصوص.
الرئيس الأمريكي تحول الى اضحوكة بسبب جهلة بمنطقة الشرق الأوسط، وتاريخها بشقيه القديم والمعاصر، وآخر فصول هذا الجهل هو افاقة أمريكا، قيادة وشعبا على صمود عسكري إيراني مذهل في جبهات القتال، ونجاح قواتها في تدمير كل القواعد العسكرية الامريكية، والأخطر من ذلك صمود المؤسسة الايرانية الحاكمة، وعدم انهيار النظام رغم الضربات العسكرية الامريكية ونجاحها في اغتيال السيد علي خامنئي المرشد الأعلى للثورة الإسلامية الإيرانية.
لا نعرف ما هو سر ضعف ترامب امام نتنياهو، وتحوله الى دمية في يديه، ينفذ دون تردد أوامره، فقد نقل السفارة الامريكية الى القدس المحتلة اثناء ادارته الأولى، واعترف بضم إسرائيل لهضبة الجولان، والغى الاتفاق النووي مع ايران، وفي ولايته الثانية دعم حرب الإبادة في قطاع غزة، وارسل قاذفاته لشن عدوان مرتين على ايران، الأولى في حزيران (يونيو) الماضي (حرب الأيام الـ12)، والثانية قبل عشرة أيام، وذهب ترامب الى ما هو أبعد من ذلك عندما استجدى الرئيس الإسرائيلي لإصدار عفو عن نتنياهو ينهي مثوله امام المحكمة الإسرائيلية العليا في أربع قضايا فساد.
هناك نظرية سائدة وتحظى بدعم الغالبية من المراقبين تفسر هذا الرضوخ لنتنياهو من قبل رئيس اكبر دولة في العالم، تقول ان هذا الخنوع يعود الى ملفات فضائحية لدى الموساد الإسرائيلي، تدين ترامب بأعمال اغتصاب لقاصرين وقاصرات فيما عُرف بوثائق المجرم “ابستين”، وجرى استخدام هذه الفيديوهات لابتزازه.
الشيء الوحيد الذي تعلمه ترامب من “معلمه” نتنياهو هو الكذب، والاندفاع في إتخاذ القرارات، وإحتقار الطرف الآخر والتعالي عليه وامكانياته، وهناك أمثلة عديدة في هذا المضمار، أبرزها قصف المنشآت النووية الإيرانية في حزيران (يونيو) الماضي، والادعاء بتدميرها كليا، ليتبين انها ما زالت على حالها، والعدوان الحالي على ايران بعد 6 أشهر هو أكبر دليل، ولا ننسى طالما اننا نتحدث عن ايران، تعهُد ترامب واصراره على حتمية موافقته على المرشد الإيراني الجديد، ووضع “فيتو” على اختيار مجتبي نجل المرشد الشهيد السيد علي خامنئي، وها هي الدولة الإيرانية العميقة توجه صفعة قوية مذلة له بالتصويت له في الانتخابات الداخلية التي اجراها مجلس الخبراء في مكان سري وتحت القصف الامريكي الإسرائيلي، ومن المؤكد ان ترامب لن ينجح في اغتياله وعدم بقائه في السلطة لزمن طويل.
سيدخل ترامب التاريخ على انه القائد الأمريكي الذي دمر هيبة أمريكا وكل قواعدها في العالم، وسلاح الردع العسكري المتفوق عالميا، وهزيمة بلاده للمرة الثالثة في الشرق الأوسط، أي بعد أفغانستان العراق، والآن ايران، وكل هذه النكسات لانه كسر تعهداته بوضع أمريكا أولا، وعدم التدخل وخوض حروب خارجية.
أيام ترامب تبدو معدودة جدا، لان الشعب الامريكي ودولته العميقة لن تسمح له بالاستمرار في سياساته التخريبية لأمنها واقتصادها وهيبتها، فهزيمته في ايران باتت واضحة، وليس امامه الا خيارين، اما الاستمرار في الحرب وتلقي المزيد من الهزائم والخسائر، او وقف سريع غير مشروط لها مع ايران، وتوقيع اتفاق “استسلام” معها.
هناك مؤشران على انه قد يختار الانسحاب والتراجع، والاعتراف بشكل غير مباشر بالهزيمة والفشل اعترافا بالخطأ:
الأول: الغاء سريع ومفاجئ للزيارة التي كانت مقررة لمساعديه ستيف ويتكوف وصهره جاريد كوشنر الى تل ابيب في اللحظة الأخيرة، لان الهدف منها كان التنسيق بتصعيد العدوان على ايران.
الثاني: تدمير أكثر من 17 قاعدة أمريكية في الشرق الأوسط بالصواريخ الإيرانية مما يعني اقتلاع كل أنياب أمريكا ومخالبها العسكرية.
إسرائيل ورطت أمريكا في حرب استنزاف لن تخرج منها الا مثخنة الجراح، وعلى حافة الإفلاس، بسبب ازمة الطاقة التي تجتاح العالم حاليا، نتيجة اغلاق ايران لمضيق هرمز، وارتفاع أسعار الغاز والنفط بمعدلات قياسية، وانهيار كبير للأسواق المالية العالمية، والفضل في كل ذلك للدهاء والصمود والاستعدادات الإيرانية العسكرية والسياسي، وفوق كل هذا وذاك القتال حتى النصر ومهما كان الثمن.
