لماذا غابت مظاهر الاحتفالات والابتسامات عن وجهي ترامب ونتنياهو بعد ختام قمة حربهما في البيت الأبيض؟ ولماذا كان خامنئي الحاضر الغائب الفاعل في هذه القمة؟ وما هو السبب الحقيقي لتمسك الرئيس الأمريكي “المعلن” بخيار المفاوضات؟

 لماذا غابت مظاهر الاحتفالات والابتسامات عن وجهي ترامب ونتنياهو بعد ختام قمة حربهما في البيت الأبيض؟ ولماذا كان خامنئي الحاضر الغائب الفاعل في هذه القمة؟ وما هو السبب الحقيقي لتمسك الرئيس الأمريكي “المعلن” بخيار المفاوضات؟

عبد الباري عطوان

عبد الباري عطوان
لا مظاهر احتفالية.. لا مؤتمر صحافي.. لا زخم اعلامي.. لا ابتسامات امام الكاميرات، بل وجوه مكفهّرة، ومغادرة بنيامين نتنياهو البيت الأبيض الى طائرته في مطار واشنطن والعودة فورا الى تل ابيب مختصرا زيارته السابعة للعاصمة الامريكية في 30 ساعة فقط، لتدخل التاريخ كأقصر زيارة لرئيس الوزراء الإسرائيلي الذي كان يصول ويجول فيها بإعتباره حاكمها.

هذا هو الانطباع الاولي الذي يلخص هذه الزيارة “التاريخية” لنتنياهو الذي قدم موعدها أسبوعين من اجل توجيه الأوامر، ومن موقع القوة، الى الرئيس الأمريكي بالذهاب الى الحرب ضد ايران فورا اذا لم ترضخ للشروط الإسرائيلية الثلاثة: وقف كامل لتخصيب اليورانيوم، وتقليص اعداد المنظومات الصاروخية الإيرانية، وحصر مداها بـ300 كيلومتر فقط، حتى لا تصل للعمق الفلسطيني المحتل، ووقف الدعم الإيراني لفصائل المقاومة في لبنان، وغزة، واليمن، والعراق.
الحاضر الغائب، والفاعل، في لقاء القمة بين ترامب وضيفه الثقيل المتغطرس نتنياهو هو الامام السيد علي خامنئي المرشد الأعلى للثورة الإسلامية، وصواريخه الباليستية المتطورة جدا التي أظهرت تفوقها المفاجئ في اختراق كل الدفاعات الجوية الإسرائيلية ووصلت الى اهدافها في قلب تل ابيب وغيرت بذلك كل معادلات القوة في الشرق الأوسط.


هذا الصمود الإيراني، السياسي والعسكري والدبلوماسي، وإعطاء الأولوية القصوى لقصف تل ابيب فور بدء العدوان الأمريكي هو الذي شكل قوة الردع الإيرانية الهائلة، التي هددت بأن كلفة هذا العدوان ستكون عالية جدا بشريا وعسكريا، واقتصاديا ومعنويا، لأن الصواريخ والمسيّرات الايرانية لن تفرق في هجماتها بين المدني والعسكري، مما يعني قصف الأبراج السكنية وليس القواعد العسكرية فقط.
اعلان انسحاب جميع القوات الامريكية من قاعدة “التنف” جنوب شرق سورية اليوم وقبلها من عين الاسد في العراق، هو أحد المؤشرات الرئيسية على حالة الرعب والقلق أمريكيا واسرائيليا من تبعات الرد الإيراني الصاعق والمؤكد، فهذه “ام الحروب” وربما آخرها.
ندرك جيدا ان الحرب خدعة، وان مواعيد إشعال فتيلها تعتبر من الاسرار، ولكن ما ندركه أيضا ان العدوان الثنائي الإسرائيلي في حزيران (يونيو) الماضي (حرب الـ 12 يوما) لم يحتج الى تحشيد حاملات الطائرات والسفن الحربية، وانطلقت الطائرات في وضح النهار من القواعد الامريكية المتواجدة على الساحل الشرقي للخليج، أي من أراض عربية، بمعنى ان القيادة العسكرية الامريكية لا تحتاج الى هذه الحاملات، والتهديد بإرسالها الى المنطقة، ويأتي في إطار الترهيب لإيران وقيادتها وإجبارها على الرضوخ للمطالب والضغوط الامريكية الإسرائيلية، ولكن هذا الأسلوب الساذج والمفضوح أعطى نتائج عكسية تماما، وأبرز الأدلة هرولة نتنياهو الى واشنطن للتسريع بضرب ايران، وحرف المفاوضات الى ملف الصواريخ الأخطر، ووقف المساعدات لفصائل المقاومة.
ترامب لا يريد الحرب، فمن يكّبر حجره لا يضرب، ولا يهدد، وتراجع لأسباب عديدة أبرزها الخوف من الرد الإيراني وتجنب السقوط في مصيدة الحرب الإقليمية الشاملة والطويلة الأمد التي تؤكد عليها القيادة الإيرانية، أي انها لن تكون حربا سريعة وقصيرة الأمد، وخالية من الخسائر البشرية، مثلما تقول العقيدة القتالية الامريكية الجديدة التي بات يتبناها البنتاغون (وزارة الحرب)، فهناك حالة من الانقسام في الحزب الجمهوري الحاكم، وصعود جناح جيه دي فانس نائب الرئيس “المعارض” لخوض حرب نيابة عن “إسرائيل” لا ناقة لامريكا فيها ولا بعير، ومقتل الآلاف من الجنود الأمريكيين فيها، على غرار ما حدث في العراق وأفغانستان.
لا نعتقد ان ترامب الذي كان يهدد بسحق ايران وازالتها من الخريطة كان “مُضللا” عندما أعلن بعد لقائه المغلق مع نتنياهو في البيت الأبيض بأنه لم يتم التوصل الى قرار نهائي بشأن الحرب على ايران، وانه اختار الاستمرار في المفاوضات باعتبارها الطريق الأقصر للوصول الى اتفاق يمنع امتلاك ايران لأسلحة نووية، واذا لم يتم التوصل اليه سيتم بحث الخيارات الأخرى، وحتى كتابة هذه السطور لم يعط أوامره بإرسال حاملة طائرات ثانية الى بحر العرب قبالة السواحل الإيرانية.


دولة الاحتلال الإسرائيلي بدأت صباح اليوم الخميس بإجراء مناورات عسكرية في ام الرشراش (ايلات) ربما استعدادا لخوض حرب منفردة ضد ايران لتوريط ترامب فيها رغما عن أنفه والا سيتم فضحه وبث بعض فيديوهات “الموساد” التي جرى تصويرها له في جزيرة المجون التي يملكها “شكليا” الماجن ابستين.
الإيرانيون احتفلوا بالملايين في جميع المحافظات يوم امس الأربعاء بمناسبة الذكرى السابعة والأربعين لانتصار الثورة الإسلامية، وربما تكون هذه الاحتفالات تدريب (بروفة) للاحتفال الانتصار الأكبر على محور الشر الأمريكي الإسرائيلي، وليس هذا على الله بكثير.. والأيام بيننا.

Al Enteshar Newspaper

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *