مراسلات إبستين–باراك: وثائق تثير أسئلة حول النفوذ والذكاء الاصطناعي والديموغرافيا

 مراسلات إبستين–باراك: وثائق تثير أسئلة حول النفوذ والذكاء الاصطناعي والديموغرافيا

سعيد عريقات

كشفت وثائق ومراسلات وتسريبات من ملفات مرتبطة بجيفري إبستين عن طبيعة علاقة امتدت لسنوات بينه وبين إيهود باراك، رئيس الوزراء ووزير الدفاع الإسرائيلي الأسبق. وتُظهر المواد المتداولة أن التواصل بين الطرفين لم يكن اجتماعيًا فحسب، بل تخللته نقاشات ذات طابع سياسي واستراتيجي، شملت ملفات حساسة تتعلق بالمنطقة وتوازناتها الديموغرافية والتكنولوجية.

ووفق ما ورد في أجزاء من تلك التسريبات، دار حديث بين إبستين وباراك منذ عام 2013 حول قضايا متعددة، من بينها تصورات تتعلق بإيران، والاستفادة من التكنولوجيا المتقدمة بما فيها أدوات الذكاء الاصطناعي، إضافة إلى أفكار ترتبط بالتحولات الجيوسياسية في العالم العربي بعد موجة الاضطرابات الكبرى التي شهدتها المنطقة.

غير أن أخطر ما في هذه القضية لا يكمن فقط في مضمون النقاشات، بل في نموذج النفوذ الذي تعكسه: حيث يصبح المال منصة للولوج إلى غرف القرار، وتتحول “الاستشارات” إلى ستار لتمرير المصالح. وحتى لو لم تُثبت الوثائق وجود قرار عسكري أو خطة رسمية، فإن مجرد استمرار التواصل بين مسؤول رفيع وشخصية ذات سجل جنائي وإجرامي موثق يطرح أسئلة أخلاقية وسياسية ثقيلة حول حدود الفصل بين “الحوار” و”التخطيط”، وبين “النصيحة” و”التوجيه”.

ومن أبرز ما أثار الانتباه في تلك المواد، ما نُسب إلى باراك بشأن إمكانية نقل ما يقارب مليون مهاجر من أصول روسية إلى إسرائيل، ضمن سياق حديث عن الهجرة والتوازن السكاني. ويُعد هذا الملف من صميم الحسابات السياسية الإسرائيلية الداخلية، إذ لطالما ارتبطت سياسات الهجرة بمسائل الهوية وتوزيع القوة الانتخابية، فضلاً عن إعادة تشكيل الواقع الديموغرافي بما يخدم تصورات الدولة طويلة المدى.

في المقابل، تُظهر المعطيات المتداولة أن إبستين لم يكن مجرد شخصية مالية أو اجتماعية، بل حاول – بحسب التسريبات – لعب دور الوسيط الذي يربط بين النفوذ السياسي وشبكات التكنولوجيا ورأس المال. وقد وردت إشارات إلى اهتمامه بتوجيه باراك نحو شركات تكنولوجية أميركية ذات صلة بتحليل البيانات والذكاء الاصطناعي، في سياق يبدو أقرب إلى بناء نفوذ متعدد الأدوات منه إلى نقاشات فكرية مجردة.

وهنا تبرز نقطة بالغة الحساسية: الحديث عن الذكاء الاصطناعي في هذا السياق ليس تفصيلًا تقنيًا بريئًا، بل علامة على انتقال النفوذ من السياسة التقليدية إلى “سلطة البيانات”. فعندما يصبح الذكاء الاصطناعي جزءًا من النقاش السياسي، يصبح السؤال الحقيقي: لصالح من تُبنى هذه الأدوات؟ ومن يُستهدف بها؟ وتزداد الخطورة حين يظهر إبستين—المرتبط تاريخيًا بشبهات الابتزاز والاستغلال—كحلقة وصل بين التكنولوجيا والقرار السياسي، بما يجعل القصة أقرب إلى إنذار مبكر من مجرد فضيحة عابرة.

أما الادعاءات الأكثر حدّة المتداولة على منصات التواصل—مثل الحديث عن التخطيط لضربة عسكرية ضد إيران، أو السعي للربح المنهجي من فوضى الدول العربية—فلا تقدم الوثائق المنشورة حتى الآن أدلة قاطعة عليها، إلا أن هامش “الاحتمال” يتسع مع كل رزمة تسريبات جديدة عن ملفات لإبستين.

لكن ذلك لا يقلل من خطورة المشهد العام الذي تعكسه هذه المراسلات: التعامل مع الشرق الأوسط كمساحة قابلة لإعادة الهندسة، بشرًا وحدودًا وديموغرافيا، وبأدوات تُدار بعيدًا عن الرقابة العامة والمساءلة. فحتى عندما لا تُعلن “الخطط” بشكل مباشر، تكشف طبيعة اللغة المستخدمة وطريقة التفكير عن عقل سياسي لا يرى في المنطقة سوى مادة خام للترتيب وإعادة التوزيع.

وبينما لا يمكن الجزم بأن هذه النقاشات تحولت إلى سياسات رسمية أو قرارات تنفيذية، فإنها تكشف على الأقل جانبًا مظلمًا من شبكة العلاقات التي قد تتشكل خلف الستار: حيث تتقاطع المصالح، وتتشابك التكنولوجيا مع السلطة، وتُختزل الشعوب في أرقام وخرائط، وليس في حقوق .

Al Enteshar Newspaper

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *