منظر فلسطيني مشرف ومعبر ضاع في زحمة حدثين مهمين.. الأول: تحشيد الاساطيل الامريكية لـ”سحق” ايران.. والثاني: اغتيال شهيد ليبيا سيف الإسلام القذافي والجنازة المليونية لوداعه.. ما هو؟
عبد الباري عطوان
عبد الباري عطوان
منظر المعبر المشرف الذي غطت عليه دون قصد الاحداث الإقليمية التي وقعت في المنطقة في الأيام الأربعة الماضية، وأبرزها تهديدات ترامب بسحق ايران وازالتها من الكرة الأرضية وحشده الاساطيل لهذه المهمة، وعملية اغتيال الشهيد سيف الإسلام القذافي في مدينة الزنتان في جنوب غرب ليبيا، وجنازته المليونية، هذا المنظر يتمثل في الافتتاح “المزور والمخجل” لمعبر رفح على الحدود المصرية مع قطاع غزة، ومشاعر الفرحة العفوية الصادقة للعائدين الى القطاع بعضهم على كراسيهم المتحركة، والاهانات التي تعرضوا الها على أيدي الإسرائيليين وعملائهم.
لنبدأ أولا بالفرحة التي تعكس عظمة هذا الشعب الفلسطيني وتمسكه الإعجازي بأرضه وقضيته، وموقفه البطولي الرافض لكل مشاريع التهجير الإسرائيلية المدعومة أمريكا، فجميع هؤلاء العائدين الى القطاع، ويعدون على أصابع اليدين فقط بسبب القيود الإسرائيلية، كان القاسم المشترك في كل مقابلاتهم وردودهم هو التعبير عن سعادتهم الغامرة بالعودة الى القطاع، ووجود عشرات، ومئات الآلاف مثلهم، ان لم يكن أكثر ينتظرون، وعندما سئلوا بأنهم لن يجدوا منازلهم التي جرى تدميرها إسرائيليا اجابوا بأنهم يفضلون العودة والعيش في الخيام او على ركام بيوتهم، رغم الصقيع، والفيضانات، وعدم وجود الدواء والمستشفيات على ان يعيشوا في قصور خارج القطاع.
اما اذا انتقلنا الى الجانب الآخر من الصورة، أي العذاب والاهانات التي تعرضوا لها من قبل الجيش الإسرائيلي وعملائه من الجواسيس “الفلسطينيين”، فحدث ولا حرج، ونكتفي بالاستماع الى شهادات أعضاء مكتب الأمم المتحدة لحقوق الانسان في قطاع غزة، حتى لا نتهم بالمبالغة، الذين قالوا انه وضع الاصفاد في ايدي هؤلاء العائدين فور عبورهم المعبر، وعصّبوا عيونهم، وانهالوا عليهم بالشتائم والسباب، وعرضوهم لتحقيق مهين، وسرقوا ممتلكاتهم واموالهم على قلتها، وأجبروا بعضهم على التبول وقضاء حاجتهم في العلن، وحاولوا تجنيدهم كمخبرين وعملاء للجيش الإسرائيلي بالإغراءات المالية والتهديد، او الاثنين معا.
مجلس السلام الذي شكله رئيس “العالم الحر” وقيم الحرية والديمقراطية وحقوق الانسان دونالد ترامب، وعضوية اكثر من 21 زعيما من مختلف انحاء العالم على رأسهم بنيامين نتنياهو وعدد من الزعماء العرب للأسف الى جانب رجل السلام والتسامح توني بلير رئيس الوزراء البريطاني الأسبق، الملطخة اياديه بدماء مليوني عراقي شقيق، و”طيب الذكر” جاريد كوشنر صهر ترامب، والقائمة تطول، هذا المجلس من المفترض ان يفرض الالتزام والاحترام لاتفاق وقف اطلاق النار وفتح المعبر الذي صدر بناء على مبادرته وخطته للسلام، ادار وجهه الى الناحية الأخرى، ولم يوجه كلمة انتقاد واحدة لنتنياهو، او يطالبه بوقف المجازر التي ارتكبها جيشه منذ توقيع الاتفاق، مما أدى الى استشهاد 500 من أبناء القطاع حتى الآن، اضيفوا الى قوائم الشرف والعزة والكرامة التي تحتوي على 75 الف شهيد من ضحايا حرب الإبادة والتطهير العرقي.
الشعب الفلسطيني الذي قدم ويقدم كل هذه التضحيات والشهداء، ويواجه كل هذه العذابات بإرادة قوية جبارة مرفوع الهامة، لا يمكن ان يتخلى عن المقاومة، ويتنازل عن أرضه ووطنه وحقوقه المشروعة رضوخا للمؤامرات الإسرائيلية والأمريكية وبعض العربية للأسف.
هذا الشعب الذي يعود بعضه سعيدا فرحا الى خيمة في العراء في منطقة المواصي، او على انقاض بيته في غزة ورفح وخان يونس وجباليا ودير البلح والمعسكرات الوسطى الأخرى، لن يسلّم سلاحه رمز الكرامة والشهامة وعزة النفس، ولا يريد ريفييرا ترامب، وتحويل القطاع الى “وجهة سياحية” دولية، فقط يريد العيش على تراب ارضه، وتغميس لقمة خبزه بالملح والزعتر وزيت الزيتون لا غير.
فأي “مجلس سلام” هذا الذي يضم نتنياهو اكبر جزار وسفاك الدماء في التاريخ، ويترأسه ترامب الذي زوده بالقنابل الاثقل والاعظم والأخطر في التاريخ لتسهيل حرب إبادته وتنفيذها وتجربتها في القطاع المحتل، ويهدد بسحق دولة إسلامية، اسمها ايران، و90 مليون من شعبها، دعما وحماية للكيان الإسرائيلي الغاصب؟
هذا الزبد سيذهب جفاء، اما ما ينفع الناس “المقاومة” سيمكث في الأرض.. والنصر صبر وصمود ساعة.. والأيام بيننا.
