غياب الديمقراطية أقل دموية من زيفها

 غياب الديمقراطية أقل دموية من زيفها

د. خالد الفقيه

مفارقة التحول وإنفجار الدم بين أوروبا الشرقية والاتحاد السوفيتي والعالم العربي

بقلم الإعلامي: د. خالد الفقيه

حكمت النظم الشمولية الاشتراكية الاتحاد السوفيتي، والدول الشرقية التي دارت في فلك موسكو قرابة السبعين عاماً بصورة لم يكن للمواطنين يد فيها، وخلالها منعت الأحزاب وممارسة حرية الاختيار، وأقتصر الأمر على مجالس السوفييت والأحزاب الحاكمة. وطال الأمر منع تشكيل النقابات والبرلمانات. وخلال هذه الفترة ولدت وعاشت أجيال وماتت دون أن ترى أو تتعامل مع صناديق الانتخابات أو تمارس العملية الديمقراطية.

ومع الإنهيار والتصدع الذي أصاب هذه المنظومة من مركزها (الاتحاد السوفيتي) وحتى أطرافها (الدول الشرقية) مع بداية تسعينيات القرن الماضي إنتهت عقود من الحكم الشمولي الصارم الذي صادر الحقوق السياسية للمواطنين، ومنع التعددية الحزبية، وألغى عمليًا حق الانتخاب الحر. إلا أن المفارقة كانت في التحول الديمقراطي والتعددية التي إنتهجتها شعوب هذه المنظومة (رغم تعددها العرقي والإثني والديني والطبقي) دون أن تسيل قطرة دم -باستثناء ما جرى مع الرئيس الروماني نيكولا تشاشيسكو الذي أعدمته القوات المسلحة هناك مع زوجته-. وكانت النتيجة توجه هذه الشعوب نحو بناء نظم ديمقراطية تعددية، سمحت بتأسيس الأحزاب، وتنظيم انتخابات حرة، وكتابة دساتير جديدة، حمت البلاد من الانزلاق إلى حروب أهلية أو سفك دماء شامل.

ففي الاتحاد السوفيتي السابق وأوروبا الشرقية، لم يكن المواطن يُخيَّر بين بدائل سياسية، ولم يكن الحزب الحاكم ينافسه أحد، ولم تكن الانتخابات سوى طقس شكلي بلا معنى. ومع ذلك، حين انهار هذا النظام، سقط دفعة واحدة، وترك المجال لتحولات سياسية عميقة، اعترفت بإرادة الشعوب وفتحت الطريق أمام التعددية والدساتير الجديدة، من دون أن تتحول الجغرافيا إلى ساحات حرب مفتوحة.

عربياً

وفي المقابل كان التحول في النظام السياسي عربياً مثقلاً بالدماء بعد ما سمي ب”الربيع العربي” وحتى قبل ذلك في الانقلابات التي شهدتها الدول العربية منذ عقود سبقت ذلك. وكانت المقاربة معاكسة. فمعظم الدول العربية من العراق إلى مصر فتونس وليبيا والسودان واليمن وسوريا كانت النظم الحاكمة فيها رغم ديكتاتوريتها تسمح نظريًا وشكلياً بقدر محدود من الممارسات الديمقراطية: أحزاب مرخّصة، انتخابات برلمانية ونقابية، وصحف معارضة، وبإشراف مباشر من السلطة والسقف الذي تحدده دون المساس ببقاء النظام السياسي والاجتماعي أو تهديده.

ولكن النتائج بعد ذلك جاءت أنهاراً من الدماء وزعزعة للاستقرار وتقسيم للبلاد. وبنظرة متفحصة وهادئة يمكن ملاحظة أن ديكتاتورية النظم العربية قبل هذه التحولات حافظت على تماسك دولها وأرست سبل التعايش الطائفي والإثني والعرقي ووحدة أراضيها رغم القمع ومصادرة الحريات وهو ما يمكن وصفه بأن غياب الديمقراطية أقل دموية من زيفها.

سوريا وليبيا والعراق والسودان ومصر واليمن، الصراع فيها على السلطة بات نزاعات مسلحة وحروب داخلية طويلة الأمد وتقسيم للبلاد وضعف لقدراتها العسكرية والاقتصادية وإقصاء لمكونات مواطنية فيها، ومهدت للتدخل في شؤونها من دول متعددة الرغبات والأيدولوجيات. واللافت أن هذه الدماء أُريقت في أنظمة كانت، على الورق، أكثر انفتاحًا من أنظمة أوروبا الشرقية الشيوعية التي لم تعرف أصلًا التعددية أو التداول السلمي للسلطة.

ربما يعود الأمر في المقاربة بين تحولات المنظومة الشرقية وما يشهده العالم العربي إلى طبيعة الدولة ففي أوروبا الشرقية، ورغم استبداد الحزب الواحد، كانت الدولة قائمة على مؤسسات واضحة، وجيوش وطنية بعيدة نسبيًا عن الصراعات الداخلية، وهو ما سهّل الانتقال السياسي عند سقوط النظام. أما في العالم العربي، فقد تماهت الدولة مع النظام الحاكم، واختُزلت المؤسسات في شخص أو نخبة ضيقة، ما جعل أي محاولة تغيير تُفسَّر كتهديد وجودي، وتُواجَه بالقوة. وهذا يقود للاستنتاج أن “قشور الديمقراطية” لا يعني بالضرورة استعدادًا حقيقيًا للتحول السلمي، كما أن غياب الديمقراطية الكامل لا يمنع، انتقالًا أقل دموية إذا توفرت المؤسسات والإرادة السياسية. وبين التجربتين، يبقى السؤال مفتوحًا حول قدرة العالم العربي على بناء مسار إصلاحي حقيقي يتجنب كلفة الدم، ويحوّل التعددية من واجهة شكلية إلى ممارسة فعلية، تحفظ الدولة وتصون حق المواطن في الاختيار الحر.

والمفارقة السياسية تكاد تكون قاسية وصادمة بين دول عاشت عقودًا طويلة تحت أنظمة شمولية، نجحت في الانتقال إلى الديمقراطية بأقل كلفة بينما غرقت دول عربية، كانت تتباهى بوجود انتخابات وأحزاب وبرلمانات، في الدم والفوضى والانقسام. فالشعوب العربية عاشت عقوداً تحت أنظمة رفعت شعارات “الديمقراطية الموجّهة” و”التعددية المنضبطة”، وسمحت بأحزاب لا تصل إلى السلطة، وبرلمانات لا تحكم، وانتخابات تُدار نتائجها مسبقًا. فليبيا انهارت فيها الدولة مع سقوط النظام، لأن النظام كان هو الدولة. وفي العراق، جرى تفكيك المؤسسات والجيش الوطني، فكانت النتيجة نزيفًا دمويًا لم يتوقف. وفي السودان تقسمت البلاد ودخل أوصياء خارجيين على السياسة. أما في مصر وتونس، فقد جاءت التحولات بجماعات أقصت الجميع سواهم فبقيت الأمور تدور في حلقة بلانهاية ولا إستقرار. وفي سوريا تسير الأمور إلى دويلات بأسس طائفية بلا قوة عسكرية واقتصادية تحمي مقدراتها جعلت منها مطمعاً للعدو الأبدي “إسرائيل”.

وهنا من حقنا طرح السؤال التالي: ما مدى استعداد الشعوب في حالتي المقارنة للانتقال السياسي والمسار الديمقراطي التعددي؟

تُظهر المقارنة أن وجود انتخابات أو أحزاب لا يشكّل بالضرورة مؤشرًا على قابلية التحول الديمقراطي، كما أن غيابها لا يمنع انتقالًا سلميًا إذا توفرت مؤسسات قادرة على إدارة التغيير. فالعامل الحاسم يبدو مرتبطًا بمدى استقلال الدولة عن النظام، وقدرة النخب السياسية على التوصل إلى تسويات تاريخية، تحمي المجتمع من الانقسام والعنف. والفارق بين التجربتين في الثقافة السياسية متعلق بوعي الشعوب، وبنية السلطة وطبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع.

في العالم العربي، لم يكن المواطن مغيّبًا بالكامل كما في التجربة الاخرى، بل مُنح المشاركة وإن كانت محدودة من حيث الشكل: بطاقة انتخاب، نقابات تحت الرقابة، جعلت منه جزءًا من المشهد السياسي. ومع هذا تحوّل المواطن إلى وقود لصراعات لم يكن طرفًا حقيقيًا في صناعتها. وفي دول أخرى، أصبح رهينة الاستقطاب أو الانقسام أو الخوف. بينما في أوروبا الشرقية، كان المواطن هو نقطة الارتكاز في الانتقال، لا ضحيته الأساسية.

المجتمع المدني والمعتقد الديني

ومما لا يمكن القفز عنه وتجاوزه في المقارنة بين التجربتين، مسألتي مؤسسات المجتمع المدني، والمعتقد الديني. فعلى صعيد المجتمع المدني في الحالة السوفياتية – الشرقية كان غائباً بالكامل ولا يسمح له بالعمل من منطلق هيمنة الدولة ومنع التمويل المشروط كأحد أدوات العمل الأمني والتجسسي الموجه، فيما في الحالة العربية تدثر المجتمع المدني بظلال التمكين والمشاركة والرقابة وسمح له بصورة أو بأخرى بالعمل لعقود وبموازنات تكاد تكون مليارية في دولاراتها ويوروهاتها، ولكن دون أن تؤتي ثمارها في خضم ما عرف بالتحولات السياسية أو “الربيع العربي”. بل كانت هذه المؤسسات والمنظمات بيدقاً في إشعال الشوارع والتعبئة نحو العنف والدم والإقصاء.

هذه المؤسسات لعبت على مسارين متناقضين الأول في ظل الأنظمة السياسية السابقة حيث حافظت على تدفق أموال مموليها وأبقت على علاقة مع النظام بحيث لا يغضب ويخرجها عن العمل، وبعد سقوط النظم السياسية في الدول العربية تحولت لتصدر المشهد وكأنها قوى جماهيرية تطمح بالوصول لكرسي الحكم.

وفيما يخص المعتقد الديني: في التجربة السوفيتية- الشرقية ذابت المعتقدات الدينية لصالح المواطنة رغم نعددية المعتقدات الدينية والطائفية وإقفال دور العبادة على مدى سبعين عاماً، ومع هذا عاد مواطنوا هذه الدول لعباداتهم ومعتقداتهم التي إنقطعت عنها أجيال وبدون دم وتهميش وإقصاء وتفجيرات.

أما في الحالة العربية فقد تحول المعتقد الديني المتقارب والمتجانس إلى حد ما إلى وقود معركة لا تعرف نهايتها وتحول إلى منظومة “دينسياسي” بيد الحكام الجدد يمهرون في توظيفه وقد تكون الساحات السورية والعراقية مثالاً ساطعاً على تجييش المعتقد الديني لصالح الطائفية السياسية التي لم تكن ظاهرةً في الماضي على السطح.

وفي النهاية تبقى التساؤولات المفتوحة: هل المواطن العربي غير مؤهل للانتقال نحو الديمقراطية والتعددية؟ وما سبب ذلك؟ وهل هذا التحول المطلوب بنظر العرب يكمن في تغيير النظام السياسي على حساب السلم الأهلي ووحدة جغرافيا البلد وبقاء الجيش الوطني وعلى حساب الأقليات الدينية والعرقية التي أسهمت في سيرورة الحياة لقرون؟

Al Enteshar Newspaper

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *