واشنطن تطوي صفحة دعم الأكراد في سوريا وتراهن على السلطة الجديدة

 واشنطن تطوي صفحة دعم الأكراد في سوريا وتراهن على السلطة الجديدة

في تحول لافت في مقاربتها للملف السوري، أعلنت الولايات المتحدة عمليًا إنهاء دعمها العسكري للقوات الكردية، بالتزامن مع تصاعد المواجهات في شمال وشمال شرق البلاد بين القوات المسيطرة في دمشق ذات التوجه الإسلامي والقوى الكردية المحلية. ويعكس هذا التحول انخراطًا أمريكيًا متزايدًا في دعم السلطة السورية الجديدة بقيادة هيئة تحرير الشام، بعد سنوات من الاعتماد على الأكراد كشريك ميداني رئيسي.

وأكد المبعوث الأميركي الخاص توم باراك أن الأكراد يملكون “فرصة حقيقية” للاندماج في الدولة السورية الجديدة، مشيرًا إلى أن الحكومة المركزية ستكفل لهم “حقوقًا متساوية” في حال قبولهم الخضوع لسلطتها. تصريحات باراك لم تركز بقدر ما ركزت على مبررات هذا التحول، موضحًا أن دعم واشنطن السابق للأكراد جاء في سياق غياب شريك موثوق في دمشق خلال الحرب على تنظيم داعش، وهو ظرف قال إنه لم يعد قائمًا اليوم.

وبحسب باراك، فإن اعتبار الولايات المتحدة “هيئة تحرير الشام” طرفًا منسجمًا مع مصالحها الأمنية والسياسية جعل من استمرار الرهان على الأكراد خيارًا غير مبرر من وجهة نظر الإدارة الأمريكية. هذا التقييم الجديد، كما يبدو، أعاد رسم خريطة التحالفات في سوريا، على حساب حلفاء ميدانيين دام التعاون معهم أكثر من عقد.

في المقابل، عبّر مسؤولون محليون وقادة أكراد عن صدمة وخيبة أمل عميقة، معتبرين أن واشنطن “تتخلى” عنهم في لحظة حرجة، تحديدًا مع بدء هيئة تحرير الشام شن هجمات على مناطق كانت القوات الكردية قد سيطرت عليها بدعم أمريكي مباشر في سنوات سابقة. ويرى هؤلاء أن القرار يمثل تكرارًا لنمط أمريكي معروف في إدارة التحالفات المؤقتة.

وليس هذا التراجع الأول من نوعه. ففي عام 2019، سمحت إدارة الرئيس دونالد ترمب لتركيا بشن هجوم واسع على المناطق الكردية، عقب قرار أمريكي بسحب الدعم العسكري، في خطوة أثارت جدلًا واسعًا داخل الولايات المتحدة وخارجها. ويبدو أن المشهد يعيد نفسه اليوم، وإن اختلفت الذرائع والسياقات.

الخطوة الحالية لا تخلو من معارضة داخل واشنطن نفسها. فقد حذّر السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام هيئة تحرير الشام من مواصلة الهجمات على الأكراد، ملوّحًا بإمكانية إعادة فرض عقوبات على سوريا إذا استمر التصعيد. غير أن هذا الموقف يبدو معزولًا عن توجه البيت الأبيض، حيث أبدى الرئيس ترامب إعجابًا علنيًا بزعيم الهيئة أحمد الشرع، واصفًا إياه بأنه “شخصية قوية وجذابة”، في إشارة عكست بوضوح أولوية العلاقة مع القيادة الجديدة في دمشق.

وخلال الأشهر الماضية، عبّرت واشنطن أكثر من مرة عن استيائها من تمسك الأكراد بصيغة الحكم الذاتي، إذ صرّح باراك بأن الإدارة الأميركية خلصت إلى أن “الفيدرالية لا تصلح” في الحالة السورية، وأن على الأكراد التخلي عن طموحاتهم السياسية الخاصة والاندماج الكامل في الدولة المركزية.

من جانبه، منح أحمد الشرع الأكراد مهلة قصيرة للقبول بشروط الاندماج، وسط سجل سابق من التهميش السياسي، شمل استبعادهم من المناصب الحكومية وتأجيل الانتخابات البرلمانية في مناطقهم. ومع غياب أي ضمانات واضحة بشأن شكل تمثيلهم المستقبلي، يبقى مصيرهم السياسي معلقًا، في وقت ترى فيه واشنطن أن ما يُعرض عليهم كافٍ لإغلاق هذا الملف.

ويعكس الموقف الأميركي الجديد من الأكراد في سوريا منطقًا براغماتيًا صارمًا يحكم السياسة الخارجية لواشنطن، حيث تُقاس التحالفات بميزان المصلحة الآنية لا بسجل الشراكات الطويلة. فبعد أن أدّى الأكراد دورًا محوريًا في هزيمة تنظيم داعش، لم يعودوا اليوم ضرورة استراتيجية في نظر صناع القرار الأمريكي، ما يكشف هشاشة الضمانات التي توفرها واشنطن لحلفائها غير الدولتيين في مناطق النزاع.

ويعتقد الخبراء أن الرهان الأميركي على هيئة تحرير الشام يحمل في طياته مخاطر بعيدة المدى، إذ يمنح شرعية دولية لميليشيا كانت تصنف “إرهابية” ولا تزال بنيتها السياسية غير مختبرة. كما أن تهميش المكون الكردي قد يفتح الباب أمام جولات جديدة من عدم الاستقرار، ويقوّض أي تسوية مستدامة في سوريا. وبينما تسعى واشنطن لتبسيط المشهد عبر دعم مركز واحد للسلطة، قد تجد نفسها لاحقًا أمام تعقيدات أشد مما تحاول اليوم تجاوزه.

Al Enteshar Newspaper

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *