تصريح باسينت في دافوس يكشف المستور: العقوبات الأميركية على إيران تهدف تغيير النظام

 تصريح باسينت في دافوس يكشف المستور: العقوبات الأميركية على إيران تهدف تغيير النظام

سعيد عريقات:

تحليل إخباري

في لحظة نادرة من الصراحة السياسية، أقرّ وزير الخزانة الأميركي سكوت باسينت، خلال مشاركته في منتدى دافوس يوم الأربعاء 21 كانون الثاني ، بأن الهدف من العقوبات الأميركية المفروضة على إيران هو دفع الإيرانيين إلى أوضاع معيشية قاسية تحفّزهم على الإطاحة بحكومتهم. هذا التصريح، الذي كسر تقليدًا طويلًا من اللغة الدبلوماسية المواربة، أعاد فتح النقاش حول حقيقة سياسة “الضغط الأقصى” التي أعادت إدارة الرئيس دونالد ترامب تفعيلها منذ عودته إلى البيت الأبيض مطلع عام 2025.

ويأتي هذا الاعتراف في وقت تؤكد فيه واشنطن رسميًا أن العقوبات تهدف إلى منع إيران من امتلاك سلاح نووي وكبح نفوذها الإقليمي. غير أن ما قاله باسينت يضع هذه السياسة في سياق مختلف، ويُظهرها بوصفها أداة لإحداث تغيير سياسي من الداخل عبر إنهاك المجتمع اقتصاديًا، لا مجرد وسيلة ضغط تفاوضي.

من الضغط إلى الحصار

تعتمد الإستراتيجية الأميركية الحالية على حزمة واسعة من العقوبات التي تستهدف ركائز الاقتصاد الإيراني الأساسية، وفي مقدمتها صادرات النفط، النظام المصرفي، شبكات النقل والتأمين، والوصول إلى العملات الأجنبية. كما تشمل هذه السياسة ما يُعرف بـ”العقوبات الثانوية”، التي تُفرض على دول وشركات أجنبية تواصل التعامل مع إيران، ما يحوّل العقوبات الأميركية إلى نظام شبه عالمي مفروض بالقوة.

بهذا المعنى، لم تعد العقوبات مجرد أداة سياسية تقليدية، بل تحوّلت إلى شكل من أشكال الحرب الاقتصادية متوسطة الشدة. غير أن هذا النوع من الضغط لا يصيب مراكز القرار السياسي وحدها، بل ينعكس أساسًا على المجتمع. فالنخب الحاكمة غالبًا ما تمتلك وسائل التفاف وحماية، في حين يتحمّل المواطن العادي العبء الأكبر من التضخم، البطالة، وتراجع الخدمات الأساسية.

اقتصاد يتهاوى

بحلول أواخر عام 2025، تجاوز معدل التضخم في إيران 40%، مع ارتفاع حاد في أسعار الغذاء والدواء. كما تراجعت قيمة العملة الوطنية إلى مستويات غير مسبوقة، ما أدى إلى تآكل مدخرات الطبقة الوسطى واتساع رقعة الفقر. ورغم أن سوء الإدارة الاقتصادية والفساد الداخلي ساهما في تفاقم الأزمة، فإن العقوبات الأميركية كانت العامل الحاسم في تحويل اختلالات مزمنة إلى أزمة معيشية شاملة.

هذا الانهيار لم يكن نتيجة غير مقصودة، بل أثر متوقع لسياسة صُممت لتجفيف الموارد المالية للدولة وتقويض قدرتها على إدارة الاقتصاد وتقديم الحد الأدنى من الحماية الاجتماعية.

الشارع كمساحة ضغط

انعكست الأزمة الاقتصادية سريعًا على الوضع الاجتماعي. فمنذ أواخر 2025، شهدت عدة مدن إيرانية احتجاجات متكررة على غلاء المعيشة ونقص السلع الأساسية وتراجع الخدمات. وتكمن خطورة العقوبات هنا في أنها تُضعف قدرة الدولة على تمويل الدعم الاجتماعي، من الوقود والخبز إلى الرواتب والتوظيف العام، وهو ما يقوّض ما تبقى من العقد الاجتماعي بين الدولة والمواطنين.

غير أن الرهان الأميركي على أن الفقر واليأس سيقودان تلقائيًا إلى انتفاضة شعبية يظل موضع شك. فالتجارب السابقة في المنطقة تُظهر أن الأنظمة السلطوية كثيرًا ما توظف الحصار الخارجي لتعزيز خطاب “الاستهداف الخارجي”، ما يؤدي في بعض الأحيان إلى التفاف داخلي بدل الانهيار السياسي.

تغيير النظام… بلا إعلان رسمي

رغم أن الإدارة الأميركية تتجنب استخدام مصطلح “تغيير النظام” في بياناتها الرسمية، فإن مضمون السياسة، كما عكسه تصريح باسينت، يشير بوضوح إلى هدف يتجاوز تعديل السلوك السياسي إلى السعي لإحداث تغيير في بنية الحكم نفسها. إنها مقاربة تقوم على تغيير النظام عبر الاقتصاد لا عبر القوة العسكرية، وعلى الضغط الاجتماعي بدل التدخل المباشر.

لكن التجربة التاريخية، من العراق إلى كوبا وفنزويلا، تُظهر أن هذا النهج غالبًا ما يُنتج نتائج عكسية، أبرزها تعزيز التيارات المتشددة داخل الأنظمة المستهدفة وإضعاف فرص التحول التدريجي.

البعد القانوني: هل تُعد العقوبات عقابًا جماعيًا؟

يثير هذا النهج تساؤلات قانونية جدية في إطار القانون الدولي. فمفهوم “العقاب الجماعي” محظور صراحة في القانون الدولي الإنساني، ولا سيما في اتفاقيات جنيف، التي تحظر فرض عقوبات على السكان المدنيين بسبب أفعال حكوماتهم. ورغم أن العقوبات الاقتصادية لا تُصنّف قانونيًا كعمل عسكري، فإن استخدامها المتعمد لإلحاق أذى واسع النطاق بالمدنيين يضعها في منطقة رمادية قانونيًا وأخلاقيًا، خاصة عندما تُصمَّم لإحداث معاناة اجتماعية بهدف تحقيق غاية سياسية. وقد حذّرت منظمات حقوقية دولية مرارًا من أن العقوبات الشاملة قد ترقى، في آثارها، إلى شكل من أشكال العقاب الجماعي غير المشروع.

سابقة دولية وتداعيات أوسع

يتجاوز أثر العقوبات الأميركية على إيران حدود الحالة الإيرانية نفسها، إذ تُرسّخ نموذجًا لاستخدام الاقتصاد العالمي كسلاح سياسي مباشر. ويخشى مراقبون من أن يؤدي تعميم هذا النموذج إلى إضعاف النظام الدولي القائم على التعددية، وفتح الباب أمام قوى أخرى لاعتماد سياسات مماثلة، ما يهدد الاستقرار الاقتصادي العالمي.

ويكشف تصريح وزير الخزانة الأميركي في دافوس عن الوجه غير المعلن لسياسة العقوبات على إيران: إستراتيجية تقوم على إنهاك المجتمع لدفعه إلى تغيير النظام. وبينما قد تنجح هذه السياسة في إضعاف الاقتصاد الإيراني، فإن قدرتها على تحقيق تحول سياسي حقيقي تظل موضع شك، في مقابل كلفة إنسانية وقانونية متزايدة، تُلقي بظلالها على شرعية العقوبات ودورها في النظام الدولي المعاصر.

Al Enteshar Newspaper

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *