الديمقراطيون في الكونغرس يحثّون إدارة ترامب على كبح مسار ضمّ الضفة الغربية
سعيد عريقات
وجّه أكثر من خمسة وسبعين نائبًا وسيناتورًا ديمقراطيًا من مجلسي الكونغرس الأميركي رسالة علنية نُشرت يوم الثلاثاء، دعوا فيها إدارة الرئيس دونالد ترمب إلى اتخاذ موقف أكثر صلابة في مواجهة المساعي الإسرائيلية الرامية إلى فرض سيادة الأمر الواقع على الضفة الغربية، محذّرين من تداعيات ذلك على فرص الاستقرار وإمكانية تحقيق تسوية سياسية عادلة. وطالب الموقّعون بتدخل أمريكي واضح يعيد ضبط البوصلة ويمنع الانزلاق نحو خطوات أحادية تُغلق أبواب الحلول الدبلوماسية.
وقد أُرسلت الرسالة أصلًا يوم الجمعة الماضي (16/1/2026) إلى وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، وجاءت بمبادرة من السيناتور بيتر ويلش والنائب رو خانا، حيث شدّدت على ضرورة اتخاذ إجراءات عاجلة وملموسة للحفاظ على وقف إطلاق النار في قطاع غزة، ومنع انهياره تحت وطأة الاستقطاب المتزايد، بما يضمن بقاء أفق حل الدولتين حاضرًا كخيار قابل للحياة، لا كشعار سياسي يتآكل مع الزمن.
وأكد المشرّعون في رسالتهم أن الدور الأميركي في هذه المرحلة بالغ الحساسية، معتبرين أن واشنطن قادرة ـ إذا أرادت ـ على التأثير الفعلي في القرارات الإسرائيلية. وكتبوا أن “القيادة الأمريكية حاسمة في هذه اللحظة”، مطالبين وزارة الخارجية بأن تُبلغ الحكومة الإسرائيلية بصورة لا لبس فيها أن سياساتها في الضفة الغربية ستُفضي إلى نتائج سلبية لا تقتصر على فرص السلام والأمن الإقليمي، بل تمتد إلى تفاصيل الحياة اليومية للفلسطينيين، وإلى طبيعة العلاقة الإستراتيجية بين إسرائيل والولايات المتحدة.
وأشار أعضاء الكونغرس إلى أن ثمة تشريعات إسرائيلية يجري التحضير لها أو مناقشتها، من شأنها أن تكرّس الضم تدريجيًا، سواء بصورة مباشرة أو عبر تكريس مسارات “الضم الفعلي”. وفي هذا السياق، دعوا الولايات المتحدة إلى إعادة فرض العقوبات التي كانت قد اعتمدتها إدارة بايدن، وإلى إدانة ما وصفوه بتوسع المستوطنين الإسرائيليين عبر وسائل الضغط والعنف وفرض الوقائع على الأرض، بما يجعل الضفة الغربية ساحة مفتوحة لتغيير جغرافي وسياسي متسارع.
ولفتت الرسالة إلى أن إسرائيل ـ رغم إعلان الولايات المتحدة رفضها الرسمي للضم ـ شهدت في الآونة الأخيرة أصواتًا داخل الحكومة الإسرائيلية تؤكد التزامها بتوسيع “السيادة” في الضفة الغربية. كما أشار المشرّعون إلى تصويت تمهيدي في الكنيست لصالح مشروعي قانون يهدفان إلى فرض السيادة الإسرائيلية على الضفة، فضلًا عن عشرات المشاريع الأخرى التي إذا ما أُقرّت، ستمنح الضم غطاءً قانونيًا رسميًا بأشكال متعددة، وتفتح الباب أمام تحويل الاستيطان من سياسة توسع إلى بنية حكم دائم.
وأبدى الموقّعون قلقًا بالغًا من مشاريع قوانين تسعى إلى ضم المستوطنات شمال القدس المحتلة وشرقها وجنوبها، بهدف إنشاء بلدية موسّعة تحت السيطرة الإسرائيلية، وهو ما يعدّ ـ وفق قراءتهم ـ خطوة مركزية نحو إحكام السيطرة على القدس ومحيطها وإعادة رسم خارطة الأرض والهوية معًا. وقد سبق لأحد رعاة هذه المشاريع أن وصفها بأنها “محطة رئيسية باتجاه السيادة الكاملة”.
وفي السياق ذاته، أشار المشرّعون إلى أن حكومة بنيامين نتنياهو دفعت باتجاه البناء الاستيطاني في منطقة “E1” الواقعة شرقي القدس، وهي مساحة تُقدّر بنحو 12 كيلومترًا مربعًا، كما طُرحت مناقصة لوحدات سكنية في وقت سابق من هذا الشهر. واعتبروا أن هذا النوع من المشاريع، مقترنًا بتوسعات أخرى، سيؤدي عمليًا إلى تقسيم الضفة الغربية إلى جيوب شمالية وجنوبية منفصلة، ويقطع التواصل الجغرافي للأراضي الفلسطينية، بما يقوّض ـ بصورة متعمدة ـ إمكانية قيام دولة فلسطينية مستقبلًا.
ولم تقتصر الرسالة على التحذير من التشريعات المقترحة، بل أكدت أن واقع “الضم الفعلي” قائم بالفعل على الأرض، عبر أنماط متكررة من العنف المنهجي وترهيب المجتمعات الفلسطينية والتهجير القسري. وذكرت أن المستوطنين في مناطق عدة من الضفة الغربية يعملون على إزاحة الفلسطينيين عن أراضيهم وتوسيع نطاق المستوطنات، بما في ذلك في الطيبة ووادي فوكين وسلوان والولجة، الأمر الذي يفاقم الاحتقان ويهدد بإشعال المنطقة بصورة أوسع.
وقد حظيت الرسالة بدعم جماعات يهودية أميركية ليبرالية تُعرّف نفسها على أنها مؤيدة لإسرائيل، لكنها تعارض سياسات الضم والاستيطان. وقالت هانا موريس، ممثلة منظمة “جي ستريت”، إن منظمتها تقدّر قيادة السيناتور ويلش في الضغط على إدارة ترامب ووزير الخارجية روبيو لضمان وقف جهود الضم الفعلي، مؤكدة أن قيام دولة فلسطينية ـ لا استمرار الاحتلال أو تكريس الضم ـ هو المسار الوحيد القادر على توفير سلام عادل ومستدام للطرفين.
من جانبه، قال هادار سوسكيند، رئيس منظمة “نيو جويش ناراتيف” (الرواية اليهودية الجديدة) ، إن إدارة ترمب فشلت في وضع حد لتوسع المستوطنات وزعزعة استقرار الضفة الغربية، مضيفًا أن عام 2025 شهد مستويات قياسية من هجمات المستوطنين على الفلسطينيين، وأن الرسالة بمثابة جرس إنذار مباشر لوزير الخارجية روبيو. كما أثنى على ويلش وخانا لمبادرتهما، معربًا عن أمله في أن تتعامل الإدارة بجدية مع هذا النداء الصريح.
وتنبع أهمية هذه الرسالة من كونها صادرة عن كتلة ديمقراطية واسعة داخل الكونغرس، ما يمنحها ثقلًا سياسيًا وأخلاقيًا، ويعكس اتساع الفجوة داخل واشنطن حول كيفية إدارة العلاقة مع إسرائيل. فالضم، سواء اتخذ شكل قرار قانوني صريح أو تم عبر التمدد الاستيطاني المتدرج، يضع الولايات المتحدة أمام اختبار مصداقيتها: هل تستطيع الدفاع عن خطاب “حل الدولتين” بوصفه سياسة، أم تكتفي بتكراره كعبارة دبلوماسية لا تمنع انهيار الواقع على الأرض؟
المفارقة، بحسب الخبراء، أن “الضم الفعلي” لا يحتاج دومًا إلى إعلان رسمي كي يصبح حقيقة؛ إذ يكفي أن تتحول الأرض إلى كانتونات منفصلة، وأن تُفرض قيود الحركة، ويُطرد السكان تحت ضغط العنف أو “القوانين”، حتى يصبح المستقبل محكومًا بموازين قوة لا بقرارات الشرعية الدولية. لذلك فإن مطالبة المشرعين بإعادة العقوبات والتدخل الحازم ليست تفصيلًا بروتوكوليًا، بل محاولة متأخرة لوقف مسار تراكمي إذا اكتمل، فلن يبقى للتسوية سوى شكلها، بينما يضيع مضمونها.
