زلزال صامت في العلاقة الأمنية بين واشنطن وتل أبيب
واشنطن- سعيد عريقات –
تحليل إخباري
في مقال تحليلي لافت نشره على منصة “ساب ستاك” يوم الخميس 15 كانون الثاني 2026، كشف إيلان غولدنبيرغ، الزميل الأقدم ومدير برنامج الأمن في الشرق الأوسط في مركز الأمن الأميركي الجديد، عن تحوّل جوهري وغير مسبوق في مسار العلاقة الأمنية بين الولايات المتحدة وإسرائيل، تحوّل وصفه بأنه “زلزال كبير” مرّ من دون أن يلاحظه أحد تقريبًا، رغم ما يحمله من تداعيات إستراتيجية عميقة على مستقبل التحالف بين البلدين.
ينطلق غولدنبيرغ في تحليله من حدثين متزامنين شكّلا معًا نقطة تحوّل لافتة. تمثّل الحدث الأول في تصريح أدلى به رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو خلال مقابلة مع مجلة الإيكونوميست يوم الجمعة 9 كانون الثاني 2026، أعلن فيه صراحةً رغبة إسرائيل في إنهاء اعتمادها على المساعدات الأمنية الأميركية خلال العقد المقبل. أما الحدث الثاني، فكان أكثر إثارة للمفاجأة، إذ أعقبه تصريح علني للسيناتور الجمهوري ليندسي غراهام، رئيس اللجنة الفرعية للمخصصات في مجلس الشيوخ المختصة بالعمليات الخارجية والمساعدات الأمنية، دعا فيه إلى تسريع إنهاء التمويل العسكري الأجنبي لإسرائيل، وربما بوتيرة تتجاوز حتى ما طرحه نتنياهو نفسه.
بحسب غولدنبيرغ، لا تكمن خطورة هذا التطور في مضمونه فحسب، بل في السياق الذي جرى فيه. فقبل سنوات قليلة فقط، كان مجرد التشكيك في المساعدات العسكرية الأميركية لإسرائيل يُعد من المحرمات السياسية في واشنطن، ويُواجَه باتهامات جاهزة بـ”معاداة إسرائيل”. أما اليوم، فإن الدعوة الصريحة لإنهاء هذه المساعدات تصدر عن واحد من أكثر السياسيين الأميركيين قربًا من إسرائيل ومن دونالد ترمب، وتمرّ بصمت شبه مطبق.
عمليًا، يشدد الكاتب على أن إنهاء التمويل العسكري الأجنبي لا يعني تفكيك الشراكة الأمنية بين البلدين. فإسرائيل ستواصل شراء الأسلحة الأميركية المتقدمة، من مقاتلات F-35 وF-15 إلى الذخائر الذكية، وسيستمر التعاون في برامج الدفاع الصاروخي وتبادل المعلومات الاستخباراتية والبحث والتطوير. الاختلاف الجوهري، كما يوضح، لا يتعلق بطبيعة العلاقة بل بمن يدفع ثمنها: دافع الضرائب الأميركي أم الخزينة الإسرائيلية.
ويعيد غولدنبيرغ التذكير بالخلفية التاريخية لبرنامج التمويل العسكري الأجنبي، الذي أُنشئ أواخر سبعينيات القرن الماضي في إطار اتفاقيات كامب ديفيد، بوصفه ضمانة لاستقرار معاهدات السلام الهشة آنذاك، لا سيما بين مصر وإسرائيل. غير أن هذا السياق تغيّر جذريًا. فإسرائيل اليوم دولة ذات اقتصاد متقدم، ويقارب نصيب الفرد من ناتجها المحلي الإجمالي نظيره في دول صناعية كبرى مثل ألمانيا وفرنسا واليابان، ما يجعل حاجتها إلى أربعة مليارات دولار سنويًا أقل إلحاحًا مما كانت عليه في الماضي.
بل إن هذه المساعدات، وفق تحليل الكاتب، باتت تشكّل عبئًا سياسيًا على إسرائيل نفسها. فكونها أكبر متلقٍ للمساعدات العسكرية الأميركية في العالم جعل العلاقة محط تدقيق دائم، وأدخلها في قلب الاستقطاب السياسي الأميركي. ومن هذا المنظور، فإن التعامل مع إسرائيل بوصفها “حليفًا غنيًا طبيعيًا” قد يخفف من التوترات بدل أن يزيدها.
أما الصمت الذي رافق تصريحات غراهام ونتنياهو، فيربطه غولدنبيرغ مباشرة بالسياق السياسي المرتبط بدونالد ترمب. فنتنياهو، بحسب ما ينقل، كان قلقًا من أن إدارة ترمب المحتملة لن تكون مستعدة لتوقيع مذكرة تفاهم جديدة تضمن مليارات الدولارات من المساعدات طويلة الأمد، فاختار التكيف الاستباقي، والتخلي عن أحد أكثر عناصر العلاقة الأميركية – الإسرائيلية حساسية، بدل المخاطرة بمواجهة سياسية محرجة.
ورغم هذا التحول، يؤكد الكاتب أن النقاش حول المساءلة لن يتوقف. فالقوانين الأميركية، بما فيها قانون “ليهي”، تنطبق على مبيعات الأسلحة كما تنطبق على المساعدات. وستظل الأسئلة المتعلقة باستخدام الأسلحة الأميركية في غزة والضفة الغربية، وحول الانتهاكات المحتملة وعرقلة المساعدات الإنسانية، مطروحة بقوة، وإن انتقل النقاش من إطار “الهباتط إلى إطار “المبيعات”.
في الخلاصة، يرى غولدنبيرغ أن هذا التطور يكشف حقيقة طالما جرى تجاهلها: النفوذ الأميركي على إسرائيل لا ينبع أساسًا من المساعدات المالية، بل من الثقل السياسي والدبلوماسي والعسكري الأوسع، ومن موقع واشنطن في المحافل الدولية، وطبيعة العلاقة بين قيادتي البلدين. وقد أقرّ نتنياهو وغراهام، بشكل غير مباشر، بأن المساعدات لم تكن يومًا العامل الحاسم في القضايا التي تعتبرها إسرائيل وجودية.
ما يطرحه غولدنبيرغ يتجاوز توصيف حدث عابر، ليكشف عن انهيار تدريجي لـ”قدسية” المساعدات العسكرية لإسرائيل داخل واشنطن. فحين يصبح إنهاء الدعم المالي خيارًا مطروحًا من داخل المعسكر المؤيد لإسرائيل، فهذا يعني أن العلاقة دخلت مرحلة إعادة تعريف، حيث تُفصل الشراكة الإستراتيجية عن الدعم غير المشروط، وتُعاد صياغتها بلغة المصالح والقدرة الذاتية لا بلغة الاستثناء الدائم.
الصمت السياسي والإعلامي المحيط بهذا التحول يفضح ازدواجية المعايير في النقاش الأميركي حول إسرائيل. فالمساءلة حين تصدر عن إدارات ديمقراطية تُقابل بالتخوين، أما حين تأتي من حلفاء اليمين الجمهوري فتُستوعَب بهدوء. وهذا يؤكد أن الجدل حول المساعدات ليس نقاشًا أخلاقيًا بحتًا، بل انعكاس لصراعات القوة داخل السياسة الأميركية، حيث تُعاد صياغة “الثوابت” وفق هوية من يطرحها.
