لماذا أقدمت القيادة الإيرانية فجأة على كشف أسرار “حرب الأيام الـ12” مع إسرائيل وامريكا وفي هذا التوقيت والاعتراف بالخسائر؟ وما هي التطورات الأربعة التي قد تعيد رسم خرائط القوة في المنطقة؟
عبد الباري عطوان
عبد الباري عطوان
عندما تكشف دولة إقليمية عظمى من وزن ايران عن اسرار حرب الـ 12 يوما في حزيران (يونيو) الماضي، وتعترف بوقوع شهداء من كبار قادتها العسكريين، خاصة في سلاح الدفاع الجوي، فهذا دليل على الثقة بالنفس، والقدرات الحربية، والشفافية، والحرص على اشراك القاعدة الشعبية في التعرف على الحقائق، السلبية قبل الإيجابية، وتقديم صورة مختصرة عن الاستعدادات للمواجهات المستقبلية المتوقعة، بينما دولة الاحتلال الإسرائيلي التي بدأت هذا العدوان مطمئنة الى إنجاز نصر ساحق، والحاق هزيمة كبرى بالخصم، وتغيير النظام واقتلاعه من جذوره، لم تجرؤ مطلقا على مصارحة “مستوطنيها” بالحقائق والتخلي عن الغطرسة الكاذبة والاعتراف بالخسائر، والسماح بنشر صورة واحدة للدمار الذي الحق بها، وعاصمتها تل ابيب، من جراء اختراق 500 صاروخ إيراني والوصول الى أهدافها بدقة غير مسبوقة.
العميد رضا خوجة نائب قائد عمليات الدفاع الجوي في الجيش الإيراني، ظهر على شاشة التلفزيون الرسمي امس ليكشف اسرار حرب الـ 12 يوما ضد أمريكا وإسرائيل وللمرة الأولى، ليس في تاريخ ايران، وانما منطقة الشرق الأوسط كلها، وكانت هذه الاسرار صادمة، ليس للشعب الإيراني وانما للأعداء، ويمكن تلخيص هذه الاسرار في النقاط التالية كمقدمة لتحليلها والتعليق عليها لاحقا:
أولا: كشف العقيد خوجة ان 33 دولة شاركت في هذه الحرب معظمها من حلف الناتو والغرب، قدمت دعما عسكريا واستخباريا مباشرا لدولة الاحتلال، وتوظيف كل التكنولوجيا العسكرية الغربية في مختلف المجالات ضد ايران قبل واثناء الحرب.
ثانيا: الدفاع الجوي الإيراني تعرض لهجمات مكثفة استهدفت منظوماته، وقياداته، مما أدى الى سقوط عدد من الشهداء من كبار القادة والضباط في الجيش والحرس الثوري، ولكن هذا الاستهداف لم يقض على الشبكة الدفاعية مثلما كان مقررا، وظلت فعالة وتعمل دون انقطاع طوال أيام العدوان.
ثالثا: الدفاع الجوي الإيراني أسقط 196 مسيّرة وطائرة اسرائيلية من طراز هيرون وهرمس 450.
رابعا: جرت معالجة فورية لكل الثغرات فور انتهاء الحرب، وتطوير المنظومات الدفاعية بشكل عاجل.
خامسا: تخضع المنظومات الدفاعية الإيرانية حاليا لتحديثات جذرية، واي عدوان مستقبلي سيقابل برد أقوى وأكثر حسما.
سادسا: ما لم يقله الجنرال خوجة ان ايران حصلت على منظومات صاروخية جوية من روسيا والصين وكوريا الشمالية، لسد الثغرات في دفاعاتها الجوية، علاوة على تصنيع صواريخ محليا، مثلما كشف لنا مصدر نثق بمعلوماته.
ما يعزز حالة الثقة بالنفس التي تسود ايران حاليا، وخروجها من هذه الحرب (الـ12 يوما او الوعد الصادق) أكثر قوة وصلابة، أربعة تطورات إيجابية نوجزها فيما يلي:
الأول: التصريحات التي أدلى بها السيد الامام آية الله علي خامنئي المرشد الأعلى للثورة الإسلامية مؤخرا، بالصوت والصورة، واكد فيها “ان إدارة الرئيس الأمريكي ترامب “غير جديرة” بالتواصل او التعاون مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وكل الشائعات والتسريبات حول توجيه رسائل من ايران لواشنطن تتضمن استئناف المفاوضات “محض كذب”، وامريكا وإسرائيل فشلتا في تحقيق أيا من اهدافهما خلال حرب الـ 12 يوما في حزيران (يونيو) الماضي.
الثاني: فشل جميع فصول حرب الاغتيالات الإسرائيلية في القضاء على المقاومة اللبنانية، او نزع سلاحها، فالمقاومة (حزب الله) ما زالت قوية، وسلاحها يتطور، ويتوسع، عددا وكفاءة، على الصعيدين القيادي، والكوادري، وبات على درجة عالية من الجاهزية، وقد يتأخر الرد، ولكنه قادم حتما مثلما أكد الشيخ نعيم قاسم الأمين العام في خطابه الأخير امس.
الثالث: أذرع محور المقاومة، وخاصة اليمني منها (انصار الله) باتت أكثر قوة، وطورت وعززت ترسانتها العسكرية بصواريخ أكثر تطورا، وبسرعة غير متوقعة، بدعم من شبكات التهريب الإيرانية الواسعة والمتفرعة، في البحرين العربي والاحمر، عبر مسارات أرضية وجوية وبحرية سرية، وما يؤكد هذه الحقيقة جاء في تقرير امريكي نشرته صحيفة “إسرائيل هيوم” يوم الخميس، وعدة صحف ومنابر إعلامية أخرى، ان حركة “انصار الله” دخلت مرحلة جديدة من التنظيم وتعزيز قدراتهم الصاروخية وتطويرها وتحديثها استعدادا لاستئناف الهجمات ضد دولة الاحتلال التي ستكون مفاجئة، وباتت وشيكة جدا، بسبب انهيار وقف اطلاق النار في قطاع غزة، وتصاعد احتمالات الهجوم الإسرائيلي الموسع على لبنان.
الرابع: فتح الجبهة السورية ضد الاحتلال، والفشل الكبير للتسلل الإسرائيلي الى بلدة “بيت جن” على سفح جبل الشيخ المحتل والحاق المجاهدين خسائر كبيرة وغير متوقعة في صفوف القوات الإسرائيلية المغيرة، بشريا (3 ضباط و3 جنود جروح معظمهم خطيرة جدا)، ومعنويا، فهذه هي المرة الثالثة التي يتكبد فيها الجيش الإسرائيلي خسائر بشرية بعد احتلاله “غير المعلن” للجنوب السوري، ووصول قواته الى أبواب دمشق الجنوبية وبرصاص المقاومة الإسلامية الوطنية، وفي الذكرى السنوية الأولى لسقوط النظام، وتولي النظام البديل المؤقت للسلطة بدعم امريكي عربي.
ما نريد ان نصل اليه من خلال عرض كل ما تقدم، الجزم بأن الخناق يضيق على دولة الاحتلال، وجبهات المواجهة ضده تتوسع وتزداد قوة وتسليحا وسخونة، رغم المحاولات الاستعراضية المفضوحة لإخفاء هذه الحقيقة من خلال عمليات الاغتيال بين الحين والآخر بدليل انها لم تُضعف أذرع محور المقاومة في لبنان وغزة وايران واليمن، بل زادتها صلابة وتطورا وتحديثا على جميع الأصعدة، ولعل ما يجري حاليا في أمريكا من أزمات أمنية، وتفككات داخلية، وانهيارات أخلاقية وسياسية بسبب فاشية إدارة ترامب وعنصريتها، وإنحسار شعبيتها هو بداية التغيير الأهم على الصعيدين العالمي والإقليمي، وهو تغيير لا يصب في مصلحة حرب الإبادة الإسرائيلية على الاطلاق التي سيكون ثمنها غاليا جدا.
نختم بلفت الأنظار الى حقيقة لافتة ومهمة وهي خفة حدة التهديدات الامريكية والإسرائيلية بالعدوان على ايران، وتدمير منشآتها النووية ولمعرفة الأسباب.. الرجاء إعادة قراءة المقال.
