واشنطن بوست: ضغوط سعودية وإسرائيلية مهّدت لقرار ترمب ضرب إيران
واشنطن – سعيد عريقات – 1/3/2026
تحليل إخباري
أفادت صحيفة واشنطن بوست يوم السبت أن قرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب شن هجوم عسكري واسع ضد إيران، والذي أسفر عن مقتل المرشد الأعلى علي خامنئي، جاء بعد أسابيع من ضغوط دبلوماسية مكثفة مارستها كل من السعودية وإسرائيل، في تطور يمثل تحولاً كبيراً في نمط صنع القرار الأميركي تجاه طهران، ويعكس انتقال واشنطن من سياسة الردع والاحتواء إلى محاولة فرض تغيير استراتيجي بالقوة العسكرية المباشرة.
وبحسب التقرير، الذي استند إلى مسؤولين مطلعين على النقاشات داخل الإدارة الأميركية، قاد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان مسارين متوازيين للتأثير في موقف البيت الأبيض. فقد واصل نتنياهو حملته العلنية التي طالبت مراراً بتوجيه ضربة حاسمة لإيران، معتبراً برنامجها النووي تهديداً وجودياً لإسرائيل، بينما فضلت الرياض التحرك عبر قنوات خاصة واتصالات مباشرة مع ترمب، شددت خلالها على ضرورة التحرك قبل أن تتمكن طهران من تعزيز موقعها الإقليمي.
وجاءت هذه التحركات في وقت كانت فيه واشنطن لا تزال منخرطة في مفاوضات غير مباشرة مع إيران بشأن برنامجها النووي والصاروخي. فقد عقد المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف، بمشاركة جاريد كوشنر، عدة لقاءات مع مسؤولين إيرانيين في جنيف، أملاً في التوصل إلى تفاهم يحد من التوتر المتصاعد. غير أن مسؤولين أميركيين خلصوا لاحقاً إلى أن طهران تسعى للحفاظ على قدرات تخصيب اليورانيوم، وهو ما اعتبرته الإدارة مؤشراً على نية الاحتفاظ بخيار نووي مستقبلي، الأمر الذي عزز حجج الداعين إلى الحسم العسكري.
الموقف السعودي بدا مركباً؛ إذ أعلنت الرياض علناً دعمها للمسار الدبلوماسي وأكدت أنها لن تسمح باستخدام أراضيها لشن هجمات على إيران، لكنها في محادثات مغلقة حذرت من أن التردد الأميركي قد يمنح طهران فرصة لتعزيز نفوذها الإقليمي. ويعكس هذا التوازن محاولة سعودية للجمع بين مواجهة الخصم الإيراني وتجنب ردود انتقامية قد تستهدف منشآتها النفطية الحساسة، وهو ما تحقق جزئياً عندما ردت إيران بهجمات عقب الضربة الأميركية.
ويمثل القرار الأميركي خروجاً واضحاً عن عقود من الحذر الاستراتيجي. فالتقييمات الاستخباراتية الأميركية لم تشير إلى تهديد وشيك للأراضي الأميركية، كما أن الإدارات السابقة امتنعت عن السعي لإسقاط النظام الإيراني بالقوة بسبب تعقيدات دولة كبيرة ذات بنية سياسية وأمنية متماسكة نسبياً. لذلك بدا قرار ترمب مقامرة سياسية وعسكرية في آن واحد، تراهن على تحقيق نتائج سياسية عبر تفوق جوي سريع من دون الانخراط في حرب برية طويلة.
وبرر ترمب العملية باعتبارها رداً على تاريخ طويل من الصراع بين واشنطن وطهران، مستحضراً أزمة الرهائن عام 1979 والهجمات التي استهدفت قوات أميركية في المنطقة. كما أكد أن إيران كانت تقترب من امتلاك قدرات نووية وصاروخية تهدد الولايات المتحدة مباشرة، وهي رواية واجهت تشكيكاً من منتقدين استندوا إلى تقييمات استخباراتية سابقة لم تثبت وجود برنامج نشط لإنتاج سلاح نووي.
ولم يقتصر خطاب ترمب على البعد العسكري، بل دعا الإيرانيين وأجهزة الأمن إلى الإطاحة بالنظام، واعداً بمنح الحصانة لمن ينشق عنه، من دون تقديم تصور عملي لكيفية تحقيق هذا الهدف في ظل غياب قوات أميركية على الأرض. ويكشف ذلك عن التناقض المركزي في الاستراتيجية الأميركية الجديدة: السعي إلى تغيير سياسي جذري بأدوات عسكرية محدودة.
داخل واشنطن، حرص مسؤولون كبار على التأكيد أن العملية لن تتحول إلى حرب مفتوحة. فقد شدد نائب الرئيس جي دي فانس على أن الإدارة لا تسعى إلى تدخل عسكري طويل، رغم مطالب مشرعين بالحصول على تفسيرات أوضح بشأن الأساس القانوني والاستراتيجي للهجوم، خاصة في ظل غياب أدلة علنية على تهديد فوري.
وأشار التقرير إلى أن توقيت الضربة تأثر أيضاً باحتمال تنفيذ إسرائيل هجوماً منفرداً، ما دفع واشنطن إلى المشاركة في العملية بدلاً من التعامل لاحقاً مع تداعيات تصعيد قد يعرّض القوات الأميركية في المنطقة للخطر. وهكذا تحول القرار إلى مزيج من الحسابات الأمنية والتحالفات السياسية والضغوط الإقليمية.
في المحصلة، تكشف هذه العملية عن محاولة أميركية للجمع بين إظهار الحزم العسكري وتجنب كلفة الاحتلال، وهي معادلة سعت إليها إدارات متعاقبة منذ نهاية الحرب الباردة. غير أن التجارب السابقة تشير إلى أن الضربات الجوية قد تضعف الأنظمة لكنها نادراً ما تعيد تشكيلها سياسياً، إذ إن غياب رؤية واضحة لمرحلة ما بعد الصراع قد يحول النجاح العسكري السريع إلى عدم استقرار طويل الأمد. وفي الوقت ذاته، قد يكون التصعيد وسيلة لإعادة صياغة شروط التفاوض مستقبلاً، بحيث يُقدَّم أي اتفاق لاحق مع إيران بوصفه نتيجة مباشرة للضغط العسكري لا استمراراً لمسار دبلوماسي سابق. غير أن هذه المقاربة تنطوي على مخاطر سوء التقدير، إذ قد تدفع طهران إلى تشدد أكبر بدلاً من التراجع، ما يزيد احتمالات التصعيد المتبادل. وبين رهان فرض واقع سياسي جديد بالقوة الجوية وحدها واحتمال انزلاق المنطقة إلى دورة صراع أوسع، يبقى السؤال مفتوحاً حول ما إذا كانت هذه المقامرة الاستراتيجية ستنجح في إعادة رسم التوازنات الإقليمية، أم ستعيد إنتاج دروس تدخلات سابقة أثبتت أن إنهاء الحروب غالباً أصعب بكثير من بدايتها.
