هل الاستدعاء العاجل والمفاجئ لنتنياهو من قِبل ترامب مقدمة للعدوان على ايران وتغيير الحكم فيها؟ وما هي الأسباب التي دفعت لذلك؟

 هل الاستدعاء العاجل والمفاجئ لنتنياهو من قِبل ترامب مقدمة للعدوان على ايران وتغيير الحكم فيها؟ وما هي الأسباب التي دفعت لذلك؟

عبد الباري عطوان

عبد الباري عطوان
منذ إنهيار الاتفاق النووي بين ايران والدول الست العظمى بزعامة الولايات المتحدة الذي جرى توقيعه عام 2015 بعد قرار إدارة ترامب الأولى بالانسحاب منه وتمزيقه عام 2018، ونحن نواجه سيلا من التهديدات والتسريبات عن عدوان امريكي إسرائيلي وشيك لتدمير ايران وتغيير النظام فيها، وتزايدت وتيرة هذه التهديدات وحدتها منذ استلام الرئيس ترامب السلطة مطلع هذا العام، وبلغت ذروتها بإعطائه مهلة شهرين للسيد علي خامنئي المرشد الأعلى للتوقيع على اتفاق جديد او مواجهة “ضربة قاضية”.
الجديد في هذا السيناريو الزيارة المفاجئة التي سيقوم بها بنيامين نتنياهو الى واشنطن، وتبدأ بعد غد الاثنين بلقاء قمة مع الرئيس ترامب في البيت الأبيض، والموضوع الرئيسي تنسيق عسكري امريكي إسرائيلي لتوجيه “الضربة الساحقة” لإيران، الى جانب مسائل أخرى ثانوية، وربما بهدف التمويه، مثل حرب الإبادة في قطاع غزة، والضرائب الجمركية التي فرضتها إدارة ترامب على الواردات من دولة الاحتلال وتصل الى 17 بالمئة.
هذه ليست زيارة، وانما استدعاء، من قبل ترامب لرئيس الوزراء الإسرائيلي، بعدما تردد عن رفض ايران الشروط الأربعة التي تضمنتها رسالة الأول (ترامب) لتهديداته لإيران، واولها رفض السيد خامنئي للمفاوضات المباشرة، وثانيها تفكيك المنشآت النووية الإيرانية وكل أعمال تخصيب اليورانيوم بنسية تزيد عن 3 بالمئة، وإعادة 276 كيلوغراما من اليورانيوم المخصب بنسبة 60 بالمئة، والثالث، الغاء وتفكيك منظومة الصواريخ الباليستية والمجنحة، الفرط صوتية، والرابع والأهم، الضغط على “انصار الله” اليمنية بوقف الهجمات على حاملات الطائرات الامريكية في البحرين الأحمر والعربي، والملاحة بشكل طبيعي فيهما لجميع السفن، عسكرية او مدنية، ودون أي استثناء للإسرائيلية منها خاصة.
معظم هذه اللقاءات بين الجانبين الأمريكي والإسرائيلي كانت، وما زالت، تصب في خانة الاستعراضات وإرغامه على قبول الشروط الامريكية دون نقصان، فنتنياهو زار واشنطن عدة مرات وتحت عنوان الهدف نفسه، أي ايران، ناهيك عن جنرالات جيشه ولقاءاتهم مع نظرائهم الإسرائيليين سواء في العاصمة الامريكية او تل ابيب، ولكن القيادة الإيرانية لم ترضخ مطلقا لمثل هذا الترهيب، ومضت قدما، وبخطى متسارعة، نحو رفع معدلات التخصيب، وتزويد حلفائها في اليمن بأحدث الصواريخ والمسيّرات الانغماسية المتطورة مما شجعها على مواصلة الحرب على حاملات الطائرات والسفن الامريكية، وقصف العمق الإسرائيلي في يافا وحيفا وتل ابيب وإيلات بالصواريخ الفرط صوتية دون توقف.
لا أحد يريد الحرب، ولكن اذا ارادتها أمريكا ودولة الاحتلال الصهيوني فلا بد من المواجهة من منطلق حق الدفاع المشروع عن النفس من قبل الإيرانيين، لان نتائج التردد تحت عنوان “ضبط النفس” ستكون له عواقب وخيمة، وكان من أبرز كوارثه ضياع سورية وتغيير النظام الموالي لإيران ومحور المقاومة فيها، وإضعاف “حزب الله” الذي كان يشكل رعبا استراتيجيا للعدو الإسرائيلي.
ايران وقعّت مفتوحة العينيين في مصيدة الاتفاقات والمفاوضات النووية ودفعت ثمنا غاليا، تمثل في الحصار الخانق، فالقاسم المشترك بين أمريكا وإسرائيل هو توقيع الاتفاقات بنية مسبقة بعدم الالتزام ببنودها، وهذا ما حدث في الاتفاق النووي الأول، وربما الأخير، واتفاقي وقف اطلاق النار في لبنان وغزة الأخيرين برعاية أمريكية وتوقيع إسرائيلي.
ترامب الذي وحد العالم كله ضد بلاده بقنبلة الضرائب الجمركية التجارية، أجبن كتاجر من ان يخوض حربا ضد ايران، فاذا كان أسلافه نجحوا في تحشيد 35 دولة لخوض حربي العراق الأولى والثانية، فإنه قد لا يجد الى جانبه في أي حرب قادمة ضد ايران الا دولة الاحتلال الإسرائيلي، التي تحتل المرتبة الثانية في سلم كراهية العالم شعوبا وحكومات بعد الولايات المتحدة.
فاذا كانت حركة “انصار الله” الحوثية اليمنية هزمت الولايات المتحدة، وأذلت الرئيس ترامب، وزعزعة أمن دولة الاحتلال الإسرائيلي بصواريخها وبطولة جيشها، ورفضها الركوع امام التهديدات والغارات الامريكية، فكيف سيكون الحال مع “المعلم” الأكبر، أي ايران؟
لا نقول ما ذكرناه آنفا من منطلق المبالغة او “التهويش” وانما من منطلق الوقائع الميدانية على الأرض، سواء في اليمن، او في دولة الاحتلال الإسرائيلي، والهزيمة العسكرية والمعنوية التي تعيشها حاليا، من جراء تواصل الغارات بالطائرات المسيّرة او صواريخ فرط الصوت اليمنية، ونزيدكم من الشعر قصيدة، بالاستناد الى شهادة وردت في أعرق الصحف الامريكية وهي مجلة “ناشونال انترست” وعلى لسان براندون ويتشرت محررها للشؤون الأمنية الذي قال “ان أي حرب على ايران ستؤدي الى اغراق حاملات الطائرات، او تعرضها لأضرار كبيرة وبالغة لما تملكه ايران من صواريخ اكثر تطورا من تلك الباليستية المضادة للسفن التي استخدمتها قوات “انصار الله” اليمنية، وهي الحركة التي أسقطت حتى الآن 17 مسيّرة من نوع “MQ9 ” وأعطبت حاملة الطائرات “ايزنهاور”، وربما قريبا الحاملة “ترومان” المتواجدة في المنطقة حاليا.
الجنرال أريك بلومبيرغ الذي خدم على ظهر حاملة الطائرات الامريكية “يو اس اس لابون” قال للمجلة نفسها “لا اعتقد ان الناس يدركون مدى خطورة الأخطار التي تواجهها السفن وحاملات الطائرات الامريكية في البحر الأحمر، وما هروبها الى اقصى شماله لتجنب الصواريخ اليمنية الا أحد الأدلة”.
أمريكا، ورغم ما تملكه من قوة عسكرية هائلة ليست مستعصية على الهزائم، او الخسائر الضخمة القاتلة على الأقل، ويجب ان لا ننسى انها هُزمت في فيتنام وأفغانستان والعراق، ومن جيوش لا تقارن قوتها بالجيش الإيراني ومنظوماته العسكرية المتطورة جدا، وربما النووية أيضا.
الجنرال امير علي حاجي زادة قائد القوات الجوية الفضائية في الحرس الثوري الإيراني لخص ما يمكن ان ينتظر أمريكا في حال عدوانها على ايران في جانب واحد فقط بقوله للمحرر الأمني لمجلة “ناشونال انترست” الذي التقاه في طهران “لدى أمريكا ما لا يقل عن 10 قواعد عسكرية في المنطقة المحيطة بإيران تضم حوالي 50 الف جندي، وهذه القواعد ستكون هدفا لصواريخنا، وتشكل نقطة ضعف رئيسية لامريكا”.


ترامب سمسار ربما يكون يفهم في عالم العقار، ولكنه قطعا لا علاقة له بالسياسة والشؤون العسكرية والاستراتيجية، ولهذا لا نستبعد ان يقوده أصدقائه الصهاينة الى حرب تؤدي الى تسريع انهيار أمريكا الذي يدعي انه يحمل لواء انقاذها، الامر الذي يذكرنا بالزعيم الروسي غورباتشوف الذي رفع راية منع انهيار الاتحاد السوفييتي فعجل بنهايته، وتفكيكه عندما وقع اتفاق “مينسك”، وفكك حلف وارسو، وصدق الوعود الامريكية.
ختاما نقول اننا ندرك وجود عقول جبارة في ايران تعرف كيف تتعاطى مع التهديدات الامريكية، ولكننا رغم ذلك ننصح بالصمود في وجه هذه التهديدات، وليكن اليمن “الشبل” وصموده هو المثل العملي القائد والمشرف، ولعل عدم استسلامه رغم مئات الغارات الامريكية هو ذروة النصر، والشيء نفسه نقوله أيضا عن حركة “حماس” والجهاد الإسلامي في قطاع غزة هو الحافز والقدوة.
هل نقترب وبشكل متسارع من نهاية النازية العالمية الثانية الممثلة في أمريكا، والثالثة في دولة الاحتلال الإسرائيلي، كل الاحتمالات واردة والتاريخ حافل بالأمثلة عن انهيار الإمبراطوريات العظمى، وامبراطورية الشر الامريكية لن تكون استثناء.. والأيام بيننا.

Al Enteshar Newspaper

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *