نعم.. انهم لا يعرفون ايران وقاموسها الحربي.. ما هي الخطوات المفاجئة التي اظهرتها الأيام الستة الأولى من العدوان وستحدد نتائج الحرب؟
عبد الباري عطوان
عبد الباري عطوان
انهم فعلا لا يعرفون ايران، ونقصد بهؤلاء الإسرائيليين والامريكان، وحتى بعض الزعماء العرب الذين لم يجرؤ أي منهم على ادانة العدوان عليها، ولهذا دخل العدوان اليوم السادس دون ان يسقط النظام، او تهرول القيادة الجديدة المؤقتة الى أقرب طاولة مفاوضات لتوقيع صك الاستسلام.
إذا أردنا ان نأخذ فكرة أولية عن سير هذه الحرب وعمليات القتال في الميدان، والملامح الأولى للنتائج المستقبلية علينا ان نتوقف عند هذه التطورات اللافتة في ميادين القتال:
الأول: إسقاط الصواريخ الإيرانية مقاتلة امريكية اكثر حداثة وتطورا، أي طائرة “اف 15” غرب البلاد، وللمرة الأولى، مما يعني ان القيادة العسكرية الإيرانية ربما طورّت صواريخ جديدة قادرة على تحقيق هذا الإنجاز، او انها حصلت عليها من حلفائها الصينيين والروس، او الاثنين معا، وخاصة الصاروخ الروسي بنسختيه “اس 400″ و”اس 500”.
الثاني: دخول صواريخ حزب الله الباليستية الى الميدان، وقصفها للعمق الإسرائيلي في تل ابيب وحيفا للمرة الأولى بعد ضبط نفس استمر 15 شهرا، وإعادة بناء ترسانته العسكرية، او ما تدمر منها اثناء العدوان الإسرائيلي، وهذا يعني انه لن تكون هناك أي بقعة في دولة الكيان تتمتع بالأمن.
الثالث: الخطاب الناري الذي القاه بالأمس الشيخ نعيم قاسم أمين عام حزب الله، وما ورد فيه من عبارات قوية بلهجة غير مسبوقة، وأبرزها قوله “لن نستسلم وسندافع مهما بلغت التضحيات عن أرضنا رغم عدم تكافؤ الإمكانات ولن نستسلم”.
رابعا: دخول أسرع مسيّرة “انغماسية” الى سلاح الجو الإيراني لأول مرة، وتحمل اسم “حديد 110” وتبلغ سرعتها 517 كم في الساعة، وتعتبر حسب تقديرات الخبراء العسكريين في الغرب أكثر كفاءة من شقيقتها مسيّرة “شاهد” التي أبلت بلاءا حسنا في العمق الإسرائيلي ولا يكلف انتاجها الا 35 الف دولار بينما يكلف إسقاطها 4 ملايين دولار.
خامسا: كل يوم صمود للجيش والشعب الإيراني يكلف دولة الاحتلال مليار دولار تقريبا، اما أمريكا فبلغت تكاليفها ما يقرب من 160 مليار دولار في الأيام الستة الأولى، وهذه ارقام أولية تقديرية، ومرشحة للارتفاع خاصة بعد قصف حاملات الطائرات وتدمير البوارج، وارتفاع اعداد القتلى والجرحى، ونفقات التحشيدات العسكرية الاضخم منذ حرب العراق، وارتفاع أسعار الطاقة.
سادسا: تنفيذ الوعد بإغلاق مضيق هرمز، مما يعني توجيه ضربتين قاتلتين، الأولى للاقتصاد الغربي لان أسعار النفط والغاز قد تصل الى ارقام قياسية، والثانية للدول العربية الحليفة لامريكا والتي توجد فيها قواعدها العسكرية، فإغلاق المضيق يعني عدم وصول صادراتها النفطية والغازية الى الأسواق العالمية، وسترتفع ارقام الخسائر وتنخفض العوائد النفطية والغازية حسب طول مدة الحرب وتطوراتها.
الإيرانيون ارادوها منذ اليوم حرب استنزاف إقليمية مفتوحة النهايات، وتتعارض كليا مع العقيدة العسكرية الامريكية الجديدة للحروب، أي ان تكون حربا قصيرة وسريعة ونظيفة (بدون قتلى في صفوف الأمريكيين)، وعقدوا العزم على قصف كل من يتعاون مع العدوان في المنطقة، والعربية خاصة، وعبر عن هذه النظرية الايرانية الجديدة أفضل واوضح تعبير الشيخ نعيم قاسم عندما دعا الجيش الإسرائيلي الى الاستعداد لأيام عديدة من القتال وبكل الإمكانيات المتاحة.
الهزيمة، والاستسلام، ورفع الرايات البيضاء ليس لها، منفردة، او مجتمعة، أي مكان في القاموسين العسكري والسياسي الإيرانيين، ففي ستة أيام اطلق الجيش الإيراني 500 صاروخ فرط صوت، ومتعدد الرؤوس الانشطارية، وأكثر من 2000 مسيّرة مما أدى الى نزول اكثر من 7 ملايين مستوطن الى الملاجئ والانفاق، وتدمير أجزاء كبيرة من تل ابيب وحيفا.
فلا الحصار التجويعي الذي استمر 47 عاما، ولا ثلاثة عدوانات إسرائيلية امريكية في غضون عدة سنوات، ولا التحريض على الاحتجاج الشعبي ودس الجواسيس في أوساط المحتجين، ولا حشد حاملات الطائرات والبوارح، ولا التضخم وانهيار العملة الوطنية، نجحت كلها في هزيمة الإرادة الإيرانية الجبارة والصلبة، واسقاط او تغيير النظام بالتالي، ودليلنا انهم دوخوا الامريكان في مفاوضات استمرت اكثر من عامين في فيينا، واكثر من عاصمة عربية وأوروبية أخرى، ولم يتنازلوا مطلقا، ورفضوا كل الشروط الامريكية ابتداء من وقف التخصيب وتسليم 460 كيلوغراما من اليورانيوم عالي التخصيب، ولا حتى السماح بإدراج بند الصناعة الصاروخية الإيرانية او قطع العلاقة مع فصائل المقاومة على طاولة التفاوض.
نعم.. اعمتهم الغطرسة والغرور والاستكبار وتواطء بعض العرب “للأسف” عن معرفة ايران، وسيدفعون ثمنا باهظا جدا، عنوانه الأبرز تدمير كل البنى التحتية للغاز الإسرائيلي في البحر المتوسط، ومحطات الماء والكهرباء، وعدم التفريق بين مستوطن وجندي، فبعد مجزرة مدرسة الاطفال في الجنوب الإيراني تغيرت الكثير من المسلمات.. والأيام بيننا.
