مادورو من قاعة المحكمة: “لقد تم أسري وأنا بريء ” نافيا تهم تهريب المخدرات

 مادورو من قاعة المحكمة: “لقد تم أسري وأنا بريء ” نافيا تهم تهريب المخدرات

واشنطن – سعيد عريقات 

مثُل الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، متحديًا ومتمسكًا بصفته الرئاسية، أمام محكمة فدرالية في مانهاتن، حيث نفى بشكل قاطع التهم الأميركية الموجهة إليه بتهريب المخدرات، وهي التهم التي استخدمتها إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب لتبرير اختطافه وعزله بالقوة من السلطة. وقال مادورو، عبر مترجم المحكمة وقبل أن يقاطعه القاضي: “لقد تم أسري”، مضيفًا لاحقًا: “أنا بريء، ولست مذنبًا. أنا رجل شريف، ورئيس بلادي”.

ويمثل هذا الظهور أول مثول علني لمادورو منذ اعتقاله هو وزوجته سيليا فلوريس، في عملية عسكرية مباغتة نُفذت فجر السبت داخل منزلهما الواقع في قاعدة عسكرية قرب كاراكاس. وتُعد هذه القضية واحدة من أخطر القضايا الجنائية التي تقودها الولايات المتحدة ضد رئيس دولة أجنبية منذ عقود، في سياق سياسي ودبلوماسي بالغ التعقيد، يرتبط مباشرة بمشروع أميركي معلن لتغيير نظام الحكم في فنزويلا، والأستيلاء على النفط الفنزويلي.

واقتيد مادورو إلى المحكمة مرتديًا زي السجن الأزرق، وإلى جانبه زوجته المتهمة معه، حيث خضعا لإجراءات قانونية أولية ومختصرة. ووضع الزوجان سماعات رأس لمتابعة الجلسة التي أُجريت باللغة الإنجليزية مع ترجمة فورية إلى الإسبانية. وكانا قد نُقلا صباح الاثنين من سجن في بروكلين إلى محكمة مانهاتن تحت حراسة أمنية مشددة.

وبدأت الرحلة عند السابعة والربع صباحًا، حين غادرت قافلة أمنية السجن باتجاه ملعب قريب، حيث سار مادورو ببطء نحو مروحية أقلته فوق ميناء نيويورك إلى مهبط في مانهاتن، قبل أن يُنقل بسيارة مصفحة إلى مجمع المحكمة. وبعد دقائق، دخلت القافلة مرآب المحكمة ذاته الذي شهد قبل عام إدانة ترامب في قضية تزوير سجلات تجارية.

وخارج المحكمة، فرّقت الشرطة بين مجموعتين صغيرتين من المتظاهرين، إحداهما تحتج على التدخل الأميركي، والأخرى تؤيده، وسط توتر ومشاحنات، شملت انتزاع علم فنزويلا من أيدي المحتجين.

وبصفته متهمًا في النظام القضائي الأميركي، يتمتع مادورو من حيث المبدأ بحقوق أي متهم، بما فيها الحق في محاكمة أمام هيئة محلفين من سكان نيويورك. غير أن قضيته تبقى استثنائية، إذ من المتوقع أن يطعن فريق دفاعه في قانونية أسره واختطافه، مستندًا إلى مبدأ الحصانة السيادية بوصفه رئيس دولة.

ورغم أن سابقة الجنرال البنمي مانويل نورييغا عام 1990 تُضعف هذا الدفاع، فإن تعقيد الحالة الفنزويلية يكمن في أن واشنطن لا تعترف بشرعية مادورو، خصوصًا بعد انتخابات 2024 (التي تعتبرها واشنطن المتنازع عليها). وقد طالبت الرئيسة المؤقتة الجديدة ديلسي رودريغيز بإعادته فورًا، قبل أن تعتمد لهجة أكثر تصالحية تجاه الولايات المتحدة، داعية إلى علاقات قائمة على “الاحترام المتبادل”.

في المقابل، تؤكد واشنطن أن العملية تهدف إلى محاسبة مادورو على دوره المزعوم في تسهيل شحن آلاف الأطنان من الكوكايين إلى الولايات المتحدة، وفق لائحة اتهام من 25 صفحة قد تقوده إلى السجن المؤبد. وتواجه زوجته اتهامات بتلقي رشى وتنظيم لقاءات بين مهربي مخدرات ومسؤولين رسميين، دون إبراز أي أدلة حتى الآن.

ولم يثبت أي تقييم استخباراتي أميركي حديث أي تنسيق مباشر بين الحكومة الفنزويلية وعصابة “ترين دي أراغوا”، التي تُعد محورًا أساسيًا في الاتهامات. وفي خلفية المشهد، تبرز حسابات النفط، حيث لمح ترمب إلى أن عزل مادورو قد يفتح الباب أمام زيادة إنتاج الخام، رغم شكوك الأسواق وارتفاع الأسعار.

تمثل عملية أسر واختطاف مادورو نقطة تحوّل خطيرة في قواعد النظام الدولي، إذ كسرت واشنطن أحد أكثر المحرمات رسوخًا، وهو استخدام القوة العسكرية المباشرة ضد رئيس دولة خارج حالة الحرب المعلنة. هذا التطور لا يهدد فقط استقرار أميركا اللاتينية، بل يفتح الباب أمام سابقة قد تُستخدم مستقبلًا ضد دول أخرى. كما يعكس انتقال السياسة الأميركية من أدوات الضغط الناعم والعقوبات إلى منطق القوة الصلبة بلا مواربة.

وبعيدًا عن الخطاب القانوني، يصعب فصل محاكمة مادورو عن البعد الجيوسياسي والاقتصادي، خصوصًا ملف النفط الفنزويلي. فالحديث الأميركي عن “الإدارة المؤقتة” والحظر النفطي يكشف أن الهدف لا يقتصر على مكافحة المخدرات، بل إعادة هندسة النفوذ في نصف الكرة الغربي.

Al Enteshar Newspaper

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *