لماذا نذكّر ونحذّر القيادة اللبنانية مبكرا من مصيري السادات وبشير الجميل؟ وما هي احتمالات انسحاب الوفد الإيراني من مفاوضات باكستان مبكرا؟ وماذا يعني وجود كوشنر وويتكوف فيها؟ وهل جرى تأديب ترامب أخيرا؟
عبد الباري عطوان
عبد الباري عطوان
لم يكن مفاجئا بالنسبة الينا على الأقل مسارعة وكالة الانباء الإيرانية شبه الرسمية “تسنيم” بنفي ما ذكرته قناة “سي ان ان” من ان مفاوضات “اسلام اباد” الامريكية الإيرانية قد تستغرق عدة أيام، وتأكيدها على ان المفاوضات قد تستغرق يوما واحدا فقط.
فالوفد الإيراني الذي يتزعمه محمد باقر قاليباف رئيس مجلس الشورى وأحد أبرز “صقور” الثورة الإسلامية، ذهب بتعليمات صارمة من القائد السيد مجتبى خامنئي بأن مهمته ليست التفاوض وانما إيصال رسالة واضحة للطرف الأمريكي مضمونها وباختصار شديد ان ايران ستقاتل حتى النصر الكامل، وتتمسك بجميع شروطها، وأبرزها التمسك بحقها الشرعي في تخصيب اليورانيوم، والاحتفاظ بما جرى تخصيبه بالكامل، وان صناعاتها الصاروخية وللطائرات المسيّرة ليست موضع نقاش، والشيء نفسه يقال أيضا بالنسبة الى دعم فصائل المقاومة تسليحا وماديا، ولبنان أبرزها خط احمر، ومضيق هرمز قرار سيادي إيراني بحت.
الهدف الرئيسي من هذه المفاوضات هو “سرقة” الصمود والنصر الإيراني، وإنقاذ دونالد ترامب من هزيمته ونظامه وعزلته الامريكية الداخلية والأوروبية والعالمية، والشيء نفسه يقال عن معلمه ومحركه بنيامين نتنياهو.
القيادة الإيرانية على دراية كاملة بكل تفاصيل هذه المصيدة التفاوضية الجديدة، ولا تريد ان تتعرض للخديعة للمرة الثالثة، ولهذا لا نستبعد ان لا تطول إقامة الوفد الإيراني المفاوض في اسلام اباد، وقد يقلب الطاولة على الوسيط، والوفد الأمريكي المفاوض معا، ويتوجه الى طائرته في المطار والرحيل عائدا الى طهران، فالشروط الامريكية ما زالت نفسها، وتهديدات ترامب هي نفسها أيضا، وان كانت أخف لهجة، واختفت منها بعض الالفاظ الخشنة والمضحكة مثل فتح أبواب الجحيم، وتدمير الحضارة الإيرانية، وتحديد “المهل” القصيرة للإنذار والتنفيذ، وهي التهديدات التي أثارت السخرية أمريكيا وعالميا واعطت نتائج عكسية.
امريكا انهزمت، وخسرت اكثر من 20 طائرة بأجنحة ثابتة، من بينها “اف 35″ الشبحية، و”اف 15” المحدثة القاذفة المقاتلة، علاوة على 24 طائرة مسيّرة من نوع “ام كيو 9” المتقدمة جدا التي يبلغ سعر الواحدة منها (30 – 35) مليون دولار يسقطها صاروخ واحد لا يكلف الخزينة العسكرية الإيرانية اكثر من خمسة آلاف دولار فقط.
ترؤس دي فانس نائب الرئيس الأمريكي للوفد المفاوض في باكستان لا يضيف جديدا مطلقا، وجزء من الخدع الامريكية المتكررة والمكشوفة، فوجود كل من جاريد كوشنر وستيف وويتكوف، جواسيس نتنياهو في الوفد يؤكد مجددا ان الأخير هو الذي يدير المفاوضات، وهو الذي يقودها بالريموت كونترول وعن بعد.
المجازر التي ارتكبتها الطائرات الإسرائيلية في لبنان قبل يومين، وأدت الى استشهاد 360 شخصا واصابة حوالي الفين، أبرز الأدلة على الهزيمة الإسرائيلية وحالة اليأس والإحباط التي يعيشها نتنياهو ودولته من جراء الفشل في تحقيق أي من اهداف العدوان على ايران، فها هي الصواريخ الإيرانية العنقودية والفرط صوتية تدمر تل ابيب الكبرى او معظمها، وتحول حيفا الى كرة لهب، اما النظام الإيراني يزداد قوة وصلابة ودهاء، و”حزب الله” يستعيد مكانته السياسية والعسكرية في لبنان.
ختاما نجد علينا لزاما تحذير النظام اللبناني الحاكم الذي بات على اعتبار خيانة عظمى بتوقيع اتفاق استسلام مع دولة الاحتلال الإسرائيلي، وتشكيل تحالف معها لاستخدام جيشها في تدمير ونزع سلاح “حزب الله” بالتعاون مع النظام السوري المؤقت الذي يحشد قواته على حدود لبنان الشرقية، بأنه يلعب بالنار، ويسارع بحفر قبره بيديه، وربما يفيد تذكيره وانصاره اللبنانيين والعرب، بأن لبنان ليس الامارات او البحرين، وان عليه ان يسترجع ما حدث لكل من الراحل بشير الجميل في لبنان، والرئيس أنور السادات في مصر، والمسألة مسألة وقت وتوقيت لا غير.
صحيح ان النظام الوطني السوري تغير، والشيء نفسه يقال عن النظام المصري أيضا، ولكن محور المقاومة يزداد قوة، وقيادته انتقلت الى قوة إقليمية عظمى اسمها ايران، الدولة الحافة النووية، اما الجيش المصري الذي اغتال الرئيس السادات، واطاح بحكم الرئيس مبارك الوراثي، ما زال موجودا وتتعاظم قوته ويقترب من نهاية صبره الاستراتيجي.. والأيام بيننا.
