لماذا خرج الشيخ نعيم قاسم زعيم “حزب الله” بالبزة العسكرية؟ وما هي الرسالة التي يريد إيصالها للدولة اللبنانية ومن ورائها؟ وهل وصلت الصواريخ بالرؤوس الانشطارية الدقيقة الى مخازنه بعد اليمن؟

عبد الباري عطوان
عبد الباري عطوان
ان يظهر الشيخ نعيم قاسم أمين عام “حزب الله” بالزي العسكري، وسط عدد من كوادر الحزب القتالية وللمرة الأولى منذ عشرات السنوات، في “فيديو” بدون عمامة، وبالصوت والصورة، وفي لقطات مدعومة بمقاطع من خطابه الأخير الذي أكد فيه رفض الحزب لقرار الدولة بنزع السلاح، فهذه رسالة قوية جدا الى الرئيس جوزيف عون ورئيس وزرائه نواف سلام بأن الحزب جاهز لأي مواجهة عسكرية مع الجيش اللبناني في حال جرى تطبيق القرار بنزع سلاحه بالقوة وفقا للإملاءات الامريكية والإسرائيلية التي حملها توماس براّك المبعوث الأمريكي الى لبنان وسورية اثناء زيارته الأخيرة لبيروت.
ما يؤكد هذه الفرضية مجددا التحذير الذي صدر عن حسين خليل المعاون السياسي للأمين العام للحزب، والموجه الى الرئيس اللبناني وحكومته، “من الأفخاخ الامريكية القاتلة للإيقاع بين الجيش والمقاومة، وتحويل لبنان الى مستعمرة أمريكية إسرائيلية، ونجاح الإدارة الامريكية في جرهما (عون وسلام) الى إتخاذ القرار الخطيئة كخطوة اولى نحو مسار متكامل من الاستسلام والخضوع الكاملين”.
لبنان بات على بعد أيام معدودة من مواجهة الانفجار الكبير، وفالدولة اللبنانية ماضية في خطتها بنزع سلاح “حزب الله” بالقوة، وهي في انتظار تقديم قادة جيشها للخطة العملية الميدانية قبل نهاية هذا الشهر لتنفيذها وإطلاق الرصاصة الأولى للمواجهة العسكرية.
ما يؤكد هذه الفرضية ستة مؤشرات رئيسية:
أولا: اعلان الجانبين الإسرائيلي والامريكي عن استعدادها للتدخل عسكريا الى جانب الجيش اللبناني في أي مواجهة قادمة مع “حزب الله”، فبنيامين نتنياهو رئيس الوزراء الإسرائيلي لم يكتف بالإشادة بخطوة نزع سلاح حزب الله، بل أعرب عن استعداده لمساعدة الجيش اللبناني في تنفيذها، وفعل الشيء نفسه المبعوث الأمريكي براّك، ومن المفارقة أيضا انه استخدم العبارات نفسها.
ثانيا: تسارع فصول “مسرحية” نزع او تسليم الأسلحة الثقيلة الموجودة لدى بعض فصائل منظمة التحرير الفلسطينية في مخيمات لبنان (21 مخيما) بتعليمات من “الرئيس” محمود عباس، وخروج سبع شاحنات اليوم من مخيمات صور وسط مهرجان اعلامي غير مسبوق، في رسالة الى “حزب الله” تقول ان الدور قادم عليكم، وقرار حصر السلاح في يد الدولة سيطبق على الجميع.
ثالثا: تكثيف قوات “اليونيفيل” الدولية لجهودها للبحث عن مخازن أسلحة “حزب الله” في جنوب لبنان بالتعاون مع الجيش اللبناني، في خروج واضح عن الدور المناط بها وهو المراقبة لاحترام وقف اطلاق النار والابلاغ عن انتهاكاته، فقد تم العثور اليوم على أحد هذه المخازن المليئة بالصواريخ والقذائف في إحدى القرى اللبنانية وتم تسليمها الى الجيش اللبناني.
رابعا: استئناف الغارات الإسرائيلية في الجنوب اللبناني بشكل كثيف على مواقع قال بيان رسمي للجيش انها استهدفت بني تحتية ومنصة صاروخية تابعة لحزب الله في عدة مواقع في جنوب لبنان بينها بلدة المحمودية، وأطراف بلدة العيشية، ومجرى نهر الخردي، ووادي برغز.
خامسا: تأكيد هيئة البث العبرية الإسرائيلية الرسمية ان حكومة نتنياهو درست بجدية التنازل عن مزارع شبعا وجبل روس للحكومة السورية “الجديدة” مقابل تنازلها عن هضبة الجولان كليا وعدم المطالبة بها، وجرى بحث هذه المسألة اثناء الاجتماعات بين الجانبين في باريس وباكو عاصمة أذربيجان، فنتنياهو يتصرف وكأنه صاحب الأرض تحت مسمع وبصر الحكومة اللبنانية.
سادسا: توسيع الجيش الإسرائيلي للمناطق التي يسيطر عليها في جنوب لبنان من خمسة الى ثمانية، مما يعني ان كل حديث المبعوث الامريكي براّك عن انسحابات إسرائيلية من الجنوب ضحك على الذقون، وعدم الاحترام كليا للدولة اللبنانية، ومواصلة الانتهاكات لاتفاق وقف إطلاق النار (تجاوزت 4000 انتهاك حتى الآن)، والمضي قدما في إقامة لمنطقة الاقتصادية على طول الحدود اللبنانية الجنوبية بعمق 30 كيلومترا.
ان رسالة الشيخ نعيم قاسم القوية جدا وغير المسبوقة التي وردت في ظهوره بالزي العسكري أولا، وفقرات خطابه الأخير التي اتهمت الدولة اللبنانية بإرتكابها خطيئة كبرى برضوخها للإملاءات الامريكية والاسرائيلية بنزع سلاح المقاومة، ورفضه سياسة الخطوة مقابل الخطوة، تؤكد انه لا رجعة مطلقا عن المواجهة اذا أقدم الجيش اللبناني على تنفيذها، ولا يمكن ان تصدر هذه اللغة التصعيدية الواضحة والواثقة الا على أرضية وجود الجاهزية العليا، المرتكزة على إعادة ترتيب البيت وترميمه عسكريا وسياسيا، ووجود أسلحة حديثة قادرة على إلحاق الهزيمة ليس بالجيش اللبناني فقط، وانما بالعدوين الأمريكي والإسرائيلي ايضا، فالحزب لجأ الى المرونة والمهادنة عندما كان “ضعيفا”، بعد معركة الاغتيالات والبيجرات، وقَبِل بوقف “ظالم” لإطلاق فالنار لشراء الوقت والتقاط الأنفاس، والآن بعد ان أعاد ترتيب بيته الداخلي، السياسي والعسكري، وامتلاك أسلحة جديدة متطورة، رفع راية التحدي بكل شجاعة وصلابة.
الشيخ نعيم قاسم المعروف بإتزانه واختيار كلماته بعناية فائقة، لا يمكن ان يتخذ موقفه المتحدي هذا المفعم بالثقة لولا استناده الى قيادة عسكرية شابة اتخذت كل الاحتياطات اللازمة ولهذا لا نستبعد “مفاجآت” كبيرة في أي مواجهة قادمة ليست في مصلحة الدولة اللبنانية ولا داعميها في واشنطن وتل ابيب، اذا اندلعت المواجهة، وليس كل ما يعرف يقال.
فاذا كانت الصواريخ الباليستية ذات الرؤوس العملاقة والانشطارية وصلت الى مخازن حركة “انصار الله” في اليمن، وضربت قلب مدينة تل ابيب، واخترقت كل الدفاعات الجوية الإسرائيلية وأحدثت صدمة موجعة ومقلقة جدا في أوساط القيادة الإسرائيلية العسكرية لدقتها وصواريخها، الصغيرة التي استنزفت صواريخ القبب الحديدية، ومنظومات ثاد الامريكية المتطورة، وحيتس الإسرائيلية، فلماذا لا تصل هذه الصواريخ الى البقاع وجنوب لبنان ومخازن “حزب الله”؟ وبيت الاسد لا يخلوا من العظام.
“حزب الله” هزم “إسرائيل” وجيشها مرتين، ومن غير المستبعد ان تكون الثالثة في الطريق، تفاءلوا بالخير تجدوه.. والأيام بيننا.