لماذا تزامن اعلان تطبيق المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في غزة قبيل العدوان على ايران؟ وما هي الأهداف الحقيقية وراء تأسيس “لجنة التكنوقراط” الفلسطينية لإدارة القطاع؟ ولماذا نعارض إقامة “امارة ترامب” الغزية الزاحفة؟
عبد الباري عطوان
عبد الباري عطوان
لم يكن من قبيل الصدفة ان يسارع ستيف ويتكوف مبعوث الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالإعلان مساء الأربعاء عن بدء المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة تطبيقا لخطة رئيسه المكونة من عشرين نقطة، قبل أيام معدودة من إعطاء الضوء الأخضر للقاذفات الجوية الامريكية للانطلاق من القواعد العربية لضرب ايران تحت ذريعة إنقاذ الشعب الإيراني من الموت على أيدي رجال أمن النظام واستغلالها كغطاء لتغيير النظام.
الرسالة واضحة الكلمات، والمعاني تقول نحن كسلطة أمريكية نعمل أيضا على حماية أرواح أبناء القطاع وتحسين ظروفهم المعيشية، وها نحن نعلن عن تشكيل لجنة تكنوقراط فلسطينية ستتكلف بالإدارة الحياتية والمعيشية لأبناء القطاع كخطوة أولى للانتقال الى إزالة الركام، ومن ثم الانخراط في مرحلة إعادة الاعمار، فلا تقولوا لنا لماذا لا تقفون في خندق الدفاع عن غزة، وتتولون مهمة حمايتهم، وتحسين أوضاعهم مثلما تدعون في ايران؟
الأهداف غير المعلنة لهذا الحراك الأمريكي في غزة المتفق عليه إسرائيليا، يمكن تلخيصها في النقاط التالية:
أولا: فصل قطاع غزة كليا، ورسميا، عن الضفة الغربية، بل والوطن الفلسطيني المحتل عام 1948، وتحويل القطاع الى “امارة ترامبية” باسم “ريفيرا الشرق الأوسط”، لتقاعد الرئيس الأمريكي وعصابته المكونة من صهره كوشنر، وازواج بناته الاخرين، ومجموعة من سماسرة العقار على رأسهم مبعوثه ويتكوف.
ثانيا: تكوين لجنة التكنوقراط الفلسطينية هذه من شخصيات “مستقلة” بعيدة عن الفصائل الفلسطينية، وعلى رأسها “السلطة الفلسطينية” و”حماس” يّذكرنا بإتفاقات أوسلو ووعودها البراقة، أي تغييب كلي للدولة الفلسطينية، وحصرها في صلاحيات ومهام المجلس البلدي كسقف أعلى، والعنوان هو إدارة الشؤون البلدية مع استمرار الاحتلال.
ثالثا: تشكيل لجنة التكنوقراط الحالية، التي ستكون تابعة “لمجلس السلام” الذي سيتزعمه الرئيس ترامب شخصيا، ويختار اعضاءه، يعني اعلان فشل السلطة الفلسطينية، وانهاء عمرها الافتراضي، وتأكيد عدم اهليتها لحكم أي جزء من فلسطين، فاليوم رفع يدها كليا عن قطاع غزة، وغدا عن الضفة الغربية رسميا، وقرار الكنيست جاهز للتطبيق.
رابعا: تبرير كل الخطوات الإسرائيلية لنزع سلاح المقاومة (حماس والجهاد)، واستيراد قوات دولية للقيام بهذه المهمة، وإعلان انتهاء دورها تماما مثلما يحدث حاليا في لبنان، وهذا ليس غريبا فالمعلم واحد، أي ويتكوف، فهذه اللجنة التكنوقراطية ستكون إدارية بحته، وليس لها أي علاقة بالأمن او السياسة، فالدكتور شعث رئيسها المعين امريكيا قال بالحرف الواحد في اول مقابلة صحافية معه (راديو بسمة في رام الله) “اولويتنا تأمين المسكن وظروف المعيشة الكريميين لأبناء القطاع بالتوازي مع بدء تأهيل البنية التحتية في القطاع ثم إعادة الاعمار”.
تأييد قيادة حركة حماس لهذه الخطوة الامريكية، وترحيبها بها، والاستعداد للتعاون معها، خطوة “تكتيكية”، وتأتي في إطار القاء الكرة في الملعب الإسرائيلي، وبهدف كسب الوقت، والحصول على مرحلة من الهدوء لالتقاط الانفاس، وإعادة ترتيب البيت الداخلي، وهذه خطوة حكيمة وذات بعد نظر.
نطرح الكثير من الشكوك حول هذه الخطوة الامريكية لأننا لا نثق مطلقا بكل الوعود والتدخلات الامريكية في العالم الإسلامي كله، وليس منطقة الشرق الأوسط فقط، فأمريكا التي دمرت العراق، وليبيا، وسورية، والسودان، واليمن ها هي تستعد لتدمير ايران، آخر حصون المقاومة، تحت عنوان الديمقراطية وحقوق الانسان والحريات، والأخطر من ذلك تأييد ومساندة ودعم حرب التجويع والابادة في قطاع غزة التي أسفرت عن سقوط ما يقرب من المئة ألف شهيد (تشمل القائمة جثامين ما زالت تحت الأنقاض) وأكثر من 200 ألف جريح.
نحن في هذه الصحيفة مع كل خطوة يمكن ان تخفف معاناة أهلنا في القطاع، وهي معاناة من صنع اسرائيلي امريكي، ولكننا يجب ان نحذر من غدر امريكي إسرائيلي مشترك قادم، والهدف هو كسر العزلة الدولية عن إسرائيل، وحسر موجة الكراهية العالمية تجاه إسرائيل والحركة الصهيونية، وتنظيف صورتهما، ومحو مسلسل المجازر الدموية النازية الطابع طوال العامين الماضيين.
غزة، وباختصار شديد لا تحتاج الى “ادارة معاناة” وبأيدي فلسطينية، بل تريد انهاء هذه المعاناة كليا، ونزعها من جذورها، والحفاظ على هويتها الفلسطينية العربية الإسلامية، والبقاء في قلب الإطار الوطني الفلسطيني الاشمل.
دولة الاحتلال لن تلتزم بتنفيذ المرحلة الثانية من اتفاق ترامب، وستعمل على تعطيلها، مثلما عطلت كل اتفاقات وقف إطلاق النار ومراحلها على مدى العامين الماضيين وبالتنسيق مع الحكومات الامريكية وتواطؤ بعض الوسطاء العرب، والذريعة الأولى نزع سلاح “حماس” أمريكيا وعربيا والا ستقوم هي بهذه المهمة، والثانية: لا اتفاق، ولا انسحاب، الا بعد تسليم “مسمار جحا”، أي جثمان الأسير ران غفيلي الذي ما زالت تبحث عنه حركة حماس تحت ركام الأبراج المدمرة إسرائيليا.
إسرائيل وبدعم وسلاح امريكي لم تقض على “حزب الله” في لبنان، ولم تنزع سلاحه، ولم تنجح في القضاء على حركة “انصار الله” اليمنية ووقف صواريخها الفرط صوتية التي دكت تل ابيب، ويافا وام الرشراش (أيلات) وحيفا، وشنت ثلاث عدوانات على ايران بمشاركة أمريكية وتستعد للرابع، ومن المؤكد انها ستفشل وستدفع ثمنا غاليا وأكبر هذه المرة.
حركتا “حماس” و”الجهاد الإسلامي” لا تملك صواريخ “توماهوك”، ولا طائرات الشبح (اف 35)، ولا دبابات او عربات مدرعة، ولكنها تملك ما هو أهم من كل ذلك، وهي الارادة والعزم والايمان بالنصر، ولهذا لم تُهزما، ولم ترفعا الرايات البيضاء على مدى عامين من الصمود، وستبقيان في القطاع، وستتوسعان في الضفة، ومنطقة 1948 المحتلة، وامارة ترامب، و”ريفيرته” التي يحلم بها ستذهب الى “الجحيم غير المقدس”.. والقادم أعظم.. والايام بيننا.
