قراءة في كتاب “عدوّ الشمس”: ذاكرة الفلسطينيين بين الألم والأمل
سعيد عريقات
سعيد عريقات
ن الألم والأمل، سعيد عريقات
25 آذار 2026
يشكّل كتاب “عدوّ الشمس: شعر المقاومة الفلسطينية”، للأكاديميين نصير عاروري وإدموند غريب، واحدًا من أبرز الأعمال التي تقف عند تقاطع الأدب والسياسة، مقدّمًا الشعر لا بوصفه تعبيرًا جماليًا فحسب، بل كأداة مقاومة حيّة، ووسيلة لصون الهوية، ومنبرٍ للتعبير عن التطلّع المستمر إلى الحرية. ومنذ صدوره الأول عام 1970، ثم توسعه في طبعات لاحقة، رسّخ هذا العمل مكانته بوصفه أنطولوجيا جامعة لأصوات شعرية فلسطينية متعدّدة، توحّدها تجربة الاحتلال والمنفى، ويشدّها إصرار راسخ على الكرامة وحق تقرير المصير.
ويكتسب عنوان الكتاب دلالته الرمزية من قصيدة الشاعر الفلسطيني الكبير سميح القاسم، “عدوّ الشمس”، المعروفة أيضًا بعنوان “خطاب في سوق البطالة”، والتي تُعدّ من أبرز نصوص الشعر المقاوم في سبعينيات القرن الماضي. وقد تحوّلت هذه القصيدة إلى أيقونة أدبية وسياسية، بما تحمله من نبرة تحدٍ ورفض قاطع للمساومة، وتجسيدٍ عميق لفكرة الصمود في وجه الاحتلال. ويكفي أن نستحضر قول القاسم: “يا عدوّ الشمس.. لكن.. لن أساوم/ وإلى آخر نبض في عروقي.. سأقاوم”، لندرك كيف يتقاطع عنوان الكتاب مع روحه العامة، حيث يصبح الشعر إعلانًا وجوديًا بالتمسّك بالأرض والهوية.
لا يقدّم الكتاب المعاناة الفلسطينية بوصفها حالة استنزاف أو انكسار، بل يعيد صياغتها ضمن أفق ثقافي مقاوم، يحوّل الألم إلى طاقة تعبيرية قادرة على الاستمرار. فالشعر هنا ليس ترفًا لغويًا، بل فعل بقاء، ووسيلة لمواجهة محاولات المحو الرمزي والثقافي. ومن خلال هذا المنظور، تتجاوز الأنطولوجيا حدود التوثيق، لتغدو شهادة حيّة على قدرة الكلمة على مقاومة الفناء.
وتتجلّى أهمية العمل في امتداده التاريخي، إذ يضع التجربة الفلسطينية ضمن سياق عالمي أوسع لحركات التحرر، التي شكّلت سبعينيات القرن الماضي أحد أبرز مراحلها. ومن هذا المنظور، لا يبدو الشعر الفلسطيني معزولًا، بل منخرطًا في خطاب إنساني كوني ينادي بالعدالة والحرية. كما أن الإضافات التي شهدتها الطبعات اللاحقة تعكس استمرارية هذا الصوت عبر الأجيال، حيث ترث الأجيال الجديدة تقاليد المقاومة، وتعيد صياغتها بما يتلاءم مع تحوّلات الواقع، دون أن تفقد صلتها بجذورها.
وعلى مستوى المضمون، تحتلّ المقاومة موقع القلب في معظم النصوص، غير أنها لا تظهر بصيغة واحدة، بل تتنوّع بين التأمّل الهادئ والتعبير المباشر. فثمة قصائد تستبطن الألم وتفكّكه، وأخرى تعلنه بوضوح وجرأة. وفي الحالتين، يظلّ الحضور الإنساني طاغيًا، حيث تتقاطع تجربة الفرد مع مصير الجماعة، في وحدة شعورية متماسكة.
وتبرز مفردات الأرض والهوية والذاكرة والعودة بوصفها مفاتيح دلالية أساسية في هذا الشعر، لكنها لا تُستخدم بوصفها إشارات إلى الفقد وحده، بل تتحوّل إلى تعبيرات عن الانتماء والاستمرارية. فالأرض، على سبيل المثال، ليست مجرد مكان، بل كيان رمزي يتجاوز الجغرافيا، ليغدو مرادفًا للوجود ذاته. ومن هنا، فإن استحضارها في النصوص الشعرية يصبح فعل مقاومة بحد ذاته، يواجه محاولات الإلغاء والاقتلاع.
ومن السمات اللافتة في هذه الأنطولوجيا تركيزها على الصوت الجمعي، حيث يخفّف المحرّران من حضور الفردية لصالح إبراز تجربة مشتركة. وهذا الخيار لا ينفي خصوصية كل شاعر، بقدر ما يؤكد أن ما يجمع هذه الأصوات أكبر مما يفرّقها. فالمقاومة، في هذا السياق، ليست تجربة ذاتية معزولة، بل فعل جماعي ممتد عبر الزمن، يتوارثه الشعراء كما تتوارثه الأجيال.
أسلوبيًا، تتسم القصائد بقدر من الوضوح والمباشرة، ما يجعلها قادرة على الوصول إلى جمهور واسع، دون أن تفقد قيمتها الفنية. وتشي هذه السمة بإحساس ملحّ بضرورة القول، وبالرغبة في أن يظلّ الشعر متاحًا ومؤثّرًا في آن. وفي الوقت ذاته، لا تخلو النصوص من صور بلاغية واستعارات تنمّ عن حسّ جمالي عميق، حيث يتقاطع التعبير الفني مع البعد السياسي في تناغم لافت.
وقد أسهمت الإضافات الحديثة في إثراء هذا العمل، إذ عكست تحوّلات الواقع الفلسطيني، مع الحفاظ على صلة وثيقة بالقضايا المحورية التي شكّلت جوهر هذا الشعر. وتؤكد هذه النصوص أن شعر المقاومة ليس خطابًا جامدًا، بل كائن حيّ قادر على التجدّد، واستيعاب التجارب الجديدة، دون أن يتنازل عن رؤيته الأساسية.
ورغم أن كثافة البعد السياسي والعاطفي قد تشكّل تحديًا لبعض القرّاء، فإنها في الوقت ذاته مصدر قوة هذا العمل، إذ تدفع إلى قراءة تفاعلية تتجاوز التلقّي السطحي، نحو فهم أعمق للسياقين التاريخي والإنساني. ومن هذا المنطلق، يغدو الكتاب جسرًا للتواصل، يفتح أفقًا أوسع للتعاطف والفهم.
في المحصلة، يقدّم “عدوّ الشمس: شعر المقاومة الفلسطينية” نموذجًا حيًا لقدرة الشعر على تجاوز حدود اللغة، ليغدو فعلًا من أفعال البقاء. إنه يذكّر بأن الكلمة، مهما اشتدّت الظروف، تظلّ قادرة على صون الهوية، وإبقاء الأمل متّقدًا، وصياغة رؤية جماعية للحرية. وهكذا، يتحوّل الشعر من مجرد تسجيل للمعاناة إلى قوة فاعلة في مواجهتها، ومن ذاكرة للألم إلى أفقٍ مفتوح على الأمل.
