غضب واسع بعد تصريحات دبلوماسية أميركية تساوي اللاجئين بـ”جحافل بربرية مغتصبة”

 غضب واسع بعد تصريحات دبلوماسية أميركية تساوي اللاجئين بـ”جحافل بربرية مغتصبة”

واشنطن- سعيد عريقات – “القدس” دوت كوم

أثارت تصريحات منسوبة إلى وكيلة وزارة الخارجية الأميركية لشؤون الدبلوماسية العامة، سارة بي روجرز، موجة عارمة من الغضب والانتقادات على وسائل التواصل الاجتماعي، بعد أن استخدمت لغة وُصفت بأنها عنصرية ومعادية للإسلام، وتتناقض بصورة صارخة مع المبادئ التي تقول الولايات المتحدة إنها تدافع عنها في خطابها الرسمي حول حقوق الإنسان والتعددية.

وجاءت العاصفة الإعلامية عقب منشور نشرته روجرز يوم الخميس على منصة “إكس” (تويتر سابقاً)، أعادت فيه تداول لقطة شاشة غير موثقة لمقال إخباري مزعوم، قبل أن ترفقها بتعليقات استحضرت صوراً نمطية خطيرة عن اللاجئين والمجتمعات المسلمة، وأثارت في الوقت ذاته إيحاءات حساسة تتعلق بتاريخ ألمانيا والجالية اليهودية فيها.

وورد في المنشور، الذي سرعان ما انتشر على نطاق واسع، تعبير يقول إن “ألمانيا تحتفظ بعدد قليل جداً من اليهود، ومع ذلك استوردت جحافل بربرية من المغتصبين”، وهي صياغة رأى فيها حقوقيون ونشطاء لغة تحريضية تتجاوز الخطوط الحمراء، خصوصاً عندما تصدر عن مسؤولة أميركية رفيعة مكلفة بإدارة الخطاب الموجه للرأي العام العالمي.

وجاءت هذه التصريحات في سياق ردّ روجرز على نقاش حول قوانين ألمانية لمكافحة خطاب الكراهية على وسائل التواصل الاجتماعي. وكانت قد أشارت إلى ما يُعرف بـ”هجمات كولونيا” التي وقعت ليلة رأس السنة 2015–2016، حين أبلغت مئات النساء عن تعرضهن للتحرش والاعتداء الجنسي قرب محطة القطار الرئيسية في المدينة، وهي حوادث أثارت آنذاك جدلاً واسعاً حول سياسة اللجوء في ألمانيا.

غير أن منتقدي روجرز شددوا على أن استحضار تلك الأحداث لا يبرر تعميم الاتهام على مجموعات كاملة من اللاجئين، ولا استخدام لغة تُختزل فيها جماعات دينية أو عرقية بوصفها “جحافل” أو “غزاة”. وزاد من حدة الجدل أن التغريدة جاءت رداً على تعليق لمستخدم آخر قال فيه إن “اليهود سمحوا بدخول ذوي البشرة السمراء”، في محاولة واضحة لتأجيج خطاب الكراهية، وهو ما اعتبره كثيرون فشلاً أخلاقياً ومهنياً في التعامل مع استفزاز عنصري.

وعبر منصات التواصل الاجتماعي، توالت الإدانات من نشطاء وصحافيين وسياسيين رأوا في التصريحات دليلاً على انزلاق مقلق في لغة الخطاب الرسمي الأميركي. وذهب البعض إلى القول إن الحادثة لا يمكن اختزالها في “زلة لسان”، بل تعكس توجهاً أوسع نحو تبني خطاب أيديولوجي واستقطابي في حسابات لمسؤولين حكوميين، على حساب اللغة الدبلوماسية المتزنة.

وأشار منتقدون إلى أن هذا التحول بات أكثر وضوحاً في الأشهر الأخيرة، لا سيما في سياق النقاشات المتعلقة بالهجرة واللاجئين داخل الولايات المتحدة، حيث تميل بعض التصريحات الرسمية إلى خطاب الصراع الثقافي، وتكرار سرديات سياسية داخلية بدلاً من الالتزام بالمعايير الدبلوماسية التقليدية.

ويرى مراقبون أن خطورة الواقعة تتضاعف بسبب موقع روجرز نفسها. فهي، بصفتها وكيلة وزارة الخارجية للدبلوماسية العامة، مسؤولة عن تقديم صورة الولايات المتحدة إلى الخارج، ومواجهة حملات التضليل، وتعزيز قيم مثل التسامح وحرية الدين وحقوق الإنسان. غير أن لغتها، بحسب منتقديها، تعكس الخطاب ذاته الذي تقول واشنطن إنها تحاربه عندما يصدر عن جماعات متطرفة أو حكومات استبدادية.

ويحذر نشطاء مناهضون للعنصرية من أن تطبيع هذا النوع من الخطاب، حتى عبر وسائل التواصل الاجتماعي الشخصية للمسؤولين، يضفي شرعية على الكراهية ويشجع الأصوات المتطرفة عالمياً، كما يقوض المصداقية الأخلاقية للولايات المتحدة في ملفات حساسة مثل مكافحة معاداة السامية وكراهية الإسلام.

وتكشف هذه الحادثة خللاً بنيوياً في فهم الدبلوماسية العامة بوصفها مجرد امتداد للنقاش الداخلي على وسائل التواصل الاجتماعي. فالدبلوماسي، بخلاف السياسي المحلي، لا يتحدث إلى جمهور واحد، بل إلى عالم متعدد الثقافات والحساسيات. استخدام لغة مشحونة بالصور النمطية لا يسيء فقط إلى الفئات المستهدفة، بل يفرغ مفهوم “القوة الناعمة” من مضمونه، ويحوّل الخطاب الأميركي من أداة إقناع إلى عامل نفور.

وبحسب الخبراء فإن الأخطر في هذه الواقعة، أنها تأتي ضمن سياق أوسع يشهد تآكلاً في القيود الأخلاقية للخطاب الرسمي، خصوصاً في قضايا الهجرة والهوية. عندما تتبنى شخصيات رفيعة لغة الاستفزاز بدلاً من المسؤولية، يصبح الخطاب العنصري أقل صدمة وأكثر اعتيادية. هذا التحول لا ينعكس داخلياً فقط، بل يضعف قدرة الولايات المتحدة على تقديم نفسها كمرجعية أخلاقية في عالم يشهد تصاعداً حاداً في سياسات الكراهية والإقصاء.

Al Enteshar Newspaper

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *