على المنابر اذكروا الشهداء … انبذوا الطوائف ولا تدعو للحكام
د. عادل سماره
د. عادل سماره
. عادل سماره
يستعيد معظمنا بمرور كل عيد قول المتنبي، دون الإنتباه إلى تشابه جغرافية وشخوص وثقافة وطائفية زمانه واليوم:
“عيد بأية حال عدت يا عيدُ…بما مضى أمر بأمر فيك تجديدُ
أمَّا الأحبة فالبيداء دونهم… وليت دونك بيداً دونها بيدُ”
إلى جانب جمالية العربية، وخاصة “بيداً دونها بيدُ” أي صحاري دونها صحاري رمزاً للتباعد بين النظامين في مصر وسوريا حينها.
عاد المتنبي بعد أن خذله نظام كافور في مصر الأمر الذي أعاد له الحنين إلى نظام سيف الدولة في حلب الذي كان قد خذله ايضاً. لقد تضمن هذا القول ما نراه اليوم أي تباعد وتخالف مصر وسوريا، بغض النظر عن مقاصد المتنبي وطموحه الشخصي من النظامين أن يُمنح ولاية ما.
بدورنا لننظر مصر وسوريا اليوم! مصر يحكمها نموذج عن كافور بل واقل قدراً. نظام لم يترك في مصر قدرة نهوض إلا وهدمها، لم يدافع عن ماء النيل ولا عن ضرورة ليبيا لمصر ولا عن غزة بوابة مصر إلى سوريا ولا عن سوريا نفسها ولا عن تراث النظام الناصري سواء في مقارعة الإمبريالية والكيان، أو الإصلاح الزراعي، أو القوانين الاشتراكية، أو الطموح الوحدوي، أو دعم الثورات في الوطن العربي ويكمل هذا الهبوط والتهبيط بالتمسُّح بحكام النفط وخاصة في الإمارات حيث هي إمارة صهيونية بامتياز.
أما سوريا فما بين دولة الحمدانيين التي وقفت في وجه بيزنطة وبين نظام الجولاني الذي جلبته الإمبريالية والصهيونية والعثمانية والحكام الخلايجة ليبدأ الحكم بمذبحة طائفية في الساحل والسويداء وتسليم الأر ض السورية للكيان قطعة ولتركيا قطعة وغالبا لروسيا قطعة وطبعا بهيمنة أمريكا على الجميع.
واليوم، نعم اليوم الذي يلهج فيه مشايخ البلاطات بالدعاء لحكام 57 نظام عربي وإسلامي جميعهم وقفوا تحية للجولاني زعيم جهاد النكاح الذي قام بتعميده دونالد ترامب فسجدوا له! نعم، ويلهجون بأن العيد عيداً.
هذا الزيف والأفيون يقرع عقلنا لنتذكر البيت التالي:
“مررتُ بالمسجد المحزون اسأله…هل بالمُصلَّى أو المحراب مروانُ”
فالمسجد الأقصى مغلق اليوم بأمر الاحتلال وكل يوم بأمر الاحتلال، لكن الأنظمة الحاكمة تُصر على أنه عيد! أما سلطة الجولاني في سوريا فتصرُ على انها أموية وريثة عبد الرحمن الداخل ومروان بن الحكَم هو والد عبد الملك باني الأقصى؟ بينما هي كارثة سُنيَّة، وعرب يعتبرون الأمويين كفرة أو ليسوا مسلمين! بينما هم أنفسهم كوارث شيعية.
فهل هذا ما ورثناه من بني أمية وبني حمدان، بل حتى من النبي نفسه؟
أم ان ما يجب أن نستدعيه اليوم هو الحقيقة الفجة والتي تمثلها مصر وسوريا الحاليتين نموذجا عن مجمل الوطن العربي، فهل هناك ابلغ من ربط الزمنين لنرى أين نحن بوضوح.
ثم يأتيك شيخ سني هنا وشيعي هناك ويهنؤون بالعيد وكأن هناك عيداً ويهاجمون الإحتلال والغرب وحتى الشرق بينما هم في خدمة أنظمة وقوى هي العدو الداخلي أي الحقيقي تماماً كالمرض الخبيث الذي يبدأ من داخل الجسم.
ولنقلها بوضوح، إنها الطائفية، وهي الاسم القديم والمضمون الحقيقي لقوى الدينسياسي اليوم هي قوة التفكيك والتدمير الداخلي للأمة العربية، وهي التي يغذيها الحكام والطبقات التي يخدمونها وتخدمهم وكلا الطرفين أي الحكام والطبقات في خدمة الأعداء الخارجيين الذين وصل الأمر بهم عدم الحاجة لإدخال جندي واحد لقمع شرفاء هذه الأمة لأن الأنظمة جندت بعض أبناء هذه الأمة لذبحها.
لذا، لم تعد ترى في الوطن العربي وجودا فاعلا وحقيقيا لقوة عروبية، قومية يسارية اشتراكية ولا تيارات فكرية ثقافية، بل جيوش وتجييشٍ طوائفية وحتى منظمات إرهاب دينسياسي لحمتها وسداها جهاد النكاح.
رجال الدينسياسي يدعون للحكام في المساجد مستخدمين بلاغة العربية الجميلة ومن اين ؟ من منابر سايكس بيكو ثم يقولون أمة العرب وأمة الإسلام!
ليست هذه دعوة لنبذ الفرح والعيد، بل ليكن العيد وكل عيد تذكيراً بالواقع الذي لا يزال ماضيه في حاضره ولكي لا يتم اعتمادهما وتقديسهما لرسم مستقبله، أي ليكن إنارة لما يجب ان يكون عليه الحال. وبدل التزلف والدعاء للحكام كأعداء، لنذهب جميعاً إلى نُصُب الفدائي وال/م/ق/ا/وم والجندي المجهول ونعد بتجديد نهجهم وطريقهم. وليقف على المنابر رجال صدِّ وردِّ لا دُعاة لحكام محكومين. رجال يدعون للشهيد وليس للحاكم، وحينها ترون المسجد غير ما هو عليه، ولا يعود الأقصى محزونا.
وإن كان لي أن اتحدث عن نفسي، اقولها بصراحة مُرَّة وسوداء، منذ تموز 1948 حين شاهدت طوابير المقتلعين من وطنهم يعبرون طريق قريتنا ويأكلون الكوسا نيئة، لم أتمتع باي لون أو نوع من الأعياد، وأُجامل كذبا على نفسي وخجلاً ممن يرونها أعياداً، وأكتفي بقهوة مرة كالتي شربتها في آخر لقاء مع الشهيد ناجي العلي قبل يومين على اغتياله.

:::::
صفحة الكاتب على فيس بوك Adel Abdulhamid Samara
